تبرعت حكايات رشا خالد 3

في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، كنتُ أقف أمام مجمع المحاكم بالمدينة.

كان الجو صافيًا، والهواء المحمل برائحة الصباح يبعث في نفسي طمأنينة غير مسبوقة. لم أعد أسرع الخُطى بقلب مرتجف كما كنتُ أفعل زمان، ولم يعد يطاردني شعور الخوف من كسر “بند” أو ارتكاب “مخالفة”. كنتُ أدخل الساحة بخطوات واثقة، أرتدي بدلة رسمية أنيقة، وإلى جواري نهى والمحامي، بينما كانت سلمى تنتظرنا في الداخل بابتسامة تشجيع صادقة.

عند باب مكتب التوثيق والشهر العقاري، كان أحمد ونوال يتكئان على أحد المقاعد الحجرية.

كان أحمد يبدو كمن كَبُر عشرين عامًا في ليلة واحدة. وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وثيابه تفوح منها رائحة الانكسار والعدم. أما نوال، فكانت تجلس صامتة تمامًا، تنظر إلى الأرض بذهول وكأنها أخيرًا استوعبت حجم الهاوية التي حفرتها بيدها.

أول ما رآني أحمد، وقف ببطء شديد. لم يجرؤ على التقدم نحوي، ولا على رفع عينيه لتلتقي بعيني.

تقدم محاميه الخاص ونظر إلى محاميّ بنبرة استسلام تام:

— أستاذنا… الأستاذ أحمد جاهز للتوقيع على كل الشروط. التنازل النهائي عن حصته في مبنى وسط البلد، ونقل الإدارة المالية والتجارية بالكامل للمدام مريم، مع جدولة المبالغ المستحقة للتعويض عن إيجارات السنوات السابقة على أقساط بنكية معتمدة باسم أخته سلمى لتضمن استكمال دراستها وتأمين حياتها.

أخرج المحامي الأوراق الرسمية المجهزة مسبقًا، ووضعها على الترابيزة العريضة.

نظر المحامي إلى أحمد وقال بصوت جاد:

— اتفضل اقرأ البنود يا أستاذ أحمد قبل التوقيع.

أحمد أخذ القلم بيده التي كانت ترتعش بوضوح شديد. لم يقرأ البنود، ولم ينظر حتى إلى السطور. كان يعلم أن كل حرف في هذه الأوراق هو النتيجة المباشرة والمنطقية لقسوته، وغروره، واللعبة الخبيثة التي أدارها لسنوات.

وقع أحمد على النسخة الأولى… ثم الثانية… ثم الثالثة.

نفس القلم الذي وقع به قبل شهور على خصم مصروفي وعقابي ليلة التبرع بالدم، كان اليوم يوقع به على تجريد نفسه من كل ما يملك، وعلى تسليم زمام أموره بالكامل لمن استهان بها يومًا.

عندما انتهى من التوقيع، وضع القلم ببطء، ورفع عينيه المليئتين بالدموع والتوسل وقال بصوت خافت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *