تبرعت حكايات رشا خالد 3
عمّ الصمت المكتب لأوان، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت أنفاس أحمد المتسارعة وزفير الشريك الجديد الغاضب. كان أحمد ينظر إليّ وكأنه يرى شخصًا آخر لم يعرفه طوال سنوات زواجه؛ شخصًا لا ينطلي عليه الخوف، ولا تميل جوارحه للضعف أمام التوسلات المزيفة.
رفع أحمد رأسه ببطء، وشفتاه ترتجفان، ثم قال بصوت مبحوح وخافت:
— موافق يا مريم… هبيع الشقة وهسدد لك كل دين، بس بلاش النيابة… بلاش السجن يا مريم، أرجوكي.
وقف الشريك الجديد وضغط على الطاولة بيده حاسمًا الأمر:
— قدامك أسبوع واحد يا أحمد! تسدد لي فلوسي وتصفي موقفك القانوني مع المدام، أو البلاغات هتوصل للنيابة بنفسها، وساعتها الشيكات اللي معايا كفيلة توديك ورا الشمس.
خرج الشريك ورزع الباب وراءه بقوة هزت أركان الغرفة.
وقف أحمد ببطء شديد، وجلس على كرسيه وكأنه عجوز في الثمانين من عمره. نظر إليّ وقال بنبرة انكسار حقيقية:
— للدرجة دي بقيتِ تكرهيني يا مريم؟ أنا أخطأت… أعترف إني أخطأت وجنيت على نفسي وعلى بيتي، بس ما توقعتش إنك تشفي غليلك مني بالشكل ده.
بصيت له بثبات وابتسامة خفيفة، وقلت له ناهيةً الجدال:
— ده مش كره يا أحمد، ولا أخذ ثأر… دي مجرد “قواعد” أنت اللي حطيت أساسها بنفسك. أنت اللي علمتني إن الظروف الشخصية والإنسانية ملهاش مكان لما القوانين تتطبق. أنا بطلب حقي الشرعي والقانوني فقط، حقي اللي أكلته بالباطل واستضعفتني بسببه.
المحامي بتاعي أخرج عقود الجدولة والتنازل المشروط، وحطها قدامه على المكتب:
— قدامك 72 ساعة يا أستاذ أحمد عشان تورد المبلغ الصافي في حساب المدام مريم، وإلا المحضر الرسمي جاهز للعرض على النيابة صباح الأحد.
خرجت من الشركة وأنا أشعر بخفة غير عادية، وكأن حملاً ثقيلاً كان بركبتي سنوات طويلة وقدمًا انزاح دفعة واحدة.
خلال الأيام الثلاثة التالية، انقلبت حياة أحمد وأمه رأساً على عقب. عرض أحمد الشقة الفاخرة للبيع بأقل من سعرها السوقي للبيع السريع لإنقاذ نفسه من السجن. نوال، أم أحمد، التي كانت تراني مجرد خادمة تطبق عليها “قوانين البيت”، كانت تلملم أثاثها لتنتقل مع ابنها إلى شقة صغيرة بالإيجار في حارة ضيقة بعدما ضاع مجدهم المزيف وفقدوا كل ما يملكون.