تبرعت حكايات رشا خالد 3
نظرتُ إلى سلمى، وابتسمت ابتسامة باردة تحمل كل معاني التحدي والانتصار المرتقب.
قلت للموظفة في السماعة:
— خليهم يدخلوا يا سمر. أدخليهم فورًا.
بعد دقيقتين… فتح باب المكتب.
دخلت نوال… لكن لم تكن نوال التي أعرفها.
كانت تسير ببطء شديد، متكئة على ذراع ابنها أحمد. ثيابها كانت بسيطة وقديمة، ووجهها شاحب تجعدت فيه كل علامات القسوة القديمة ليحل محلها الانكسار والتوسل.
أما أحمد… فكان شكله يرثى له. قميصه مجعد، شعره غير مرتب، وعيناه ممتلئتان بالخوف والرعب وهو ينظر إلى المكتب الفاخر وإلى أخته سلمى الجالسة بجواري.
أول ما أحمد شاف الملف الأسود المفتوح قدامي على الترابيزة… وشف الأوراق الصفراء وختم النسر… وشه اتغير 180 درجة.
رجليه خانته، واضطر يمسك في حرف الباب عشان ما يقعش.
قال أحمد بصوت خافض يرتجف، وكأنه يرى كابوسًا مرعبًا:
— مريم… الأوراق دي… أنتِ… أنتِ جبتِ الأوراق دي منين؟!
قمتُ من على كرسيي ببطء شديد.
مشيت بثبات حتى وقفت أمامهما تمامًا.
نوال نظرت إليّ ودموعها تسيل على خديها المترهلين، وقالت بنبرة خاضعة:
— مريم يا بنتي… سامحينا… إحنا مطرودين من الشقة الإيجار النهارة لأن أحمد معندوش يدفع الإيجار… والمحلات في المبنى حجزت على حسابه في البنك… إحنا ملناش غير ربنا وثم أنتِ يا بنتي… أستحلفك بدمك اللي أنقذ بنتي سلمى إنك تتنازلي عن القضية وتخلي أحمد يجدد العقود عشان نلاقي لقمة نأكلها!
بصيت لنوال بهدوء، ثم التفتُّ إلى أحمد الذي كان ينظر للأرض بعجز كامل.
قلت بصوت صارم، يسمعه كل من في المكتب:
— “البند السابع من قوانين البيت بيقول إيه يا أحمد؟” نسيت؟
العدل لازم يطبق على الكل! والقواعد مينفعش تتكسر، صح؟!
أحمد رفع رأسه وهو يبكي بكسرة، وصوته يخرج مخنوقًا:
— مريم… أرجوكي… أنا اعترفت إني ظلمتك وشيلت ذنبك… بس بلاش دمار شامل! المبنى ده هو الأمل الأخير ليا ولأمي عشان نعيش! لو أخدتِ المبنى أو بلّغتِ عن الإيجارات القديمة… أنا هدخل السجن بجد بتهمة خيانة الأمانة والتزوير في عقود التأسيس!
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي أصلب من الحديد:
— أنت ما ظلمتنيش بس يا أحمد… أنت خدعتني من أول يوم! أنت اتجوزتني عشان فصيلة دمي النادرة! اتجوزتني عشان الوصية اللي سابها أبوك! عيشتني 3 سنين في سجن نفساني، وبتقنعني إني ولا حاجة ومن غيرك هموت من الجوع، وأنت قاعد بتاكل ملايين الإيجارات اللي هي حقي الشامل والقانوني بموجب الوصية!