تبرعت حكايات رشا خالد 3

في اليوم المحدد، جلست في مكتب المحامي، وحضر أحمد وهو يحمل إيصال التحويل البنكي الفوري بحق أصولي بالكامل. وقّع على الأوراق بأيدٍ ترتعش، ثم سلمني الإيصال بدون أن يجرؤ على رفع عينيه في عيني.

عندما استلمت أوراقي كاملة، أخذت حقيبتي وقمت للمغادرة، لكنه وقف فجأة عند الباب وقال بصوت مخنوق:

— مريم… أختي سلمى قطعت علاقتها بينا ورفضت ترجع تعيش معانا، والمشروع ضاع، والشقة اتبرعت بسعرها عشان أسدد لك وللشريك… أمي مريضة وكسيرة، وأنا أصبحت بلا عمل وبلا مأوى يلمنا… هل كده حقك رجع ورضيتي؟

التفتُّ إليه عند باب المكتب، وقفت وابتسمت له بنضج وثبات:

— حق مريم الإنسانة رجع بالكامل يا أحمد… بس حق دم سلمى والظلم اللي مارسوه في البيت ده، ده حساب تاني مع ربنا. أنت حصدت نتيجة القوانين الجافة اللي زرعتها.

خرجت للشارع وأنا أتنفس الحرية بكل جوارحي. المبلغ الذي استرددته كان كفيلاً بفتح مركز تعليمي كامل باسمي، وتأمين مستقبلي للأبد بدون الحاجة لأحد.

لكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان، ظهرت في مسار آخر تماماً…

بعد شهر واحد من إغلاق صفحة أحمد النهائية، جاءتني سلمى إلى المركز الجديد وهي تحمل خبرًا غير متوقع؛ خبرًا يتضمن شخصية جديدة دخلت على الخط، أوراقًا قديمة كانت مخبأة في مكتب أحمد لم أكن أعلم عنها شيئًا، ومفاجأة ستقلب الموازين للمرة الأخيرة.

جلسَت سلمى أمامي في مكتبي الجديد بالمركز التعليمي، كانت عيناها تتسع بذهول وهي تنظر إلى المساحة الواسعة، والمكاتب المجهزة، والطلاب الذين يروحون ويجيئون في الطرقات. ابتسمَت ابتسامة خفيفة مليئة بالفخر، لكن سرعان ما عادت ملامح الجدية والاضطراب لتسيطر على وجهها.

سحبت من حقيبتها ملفًا جلديًا أسود قديمًا، وحطّته على الترابيزة قدامي.

نظرْتُ إلى الملف باستغراب، ثم رفعت عيني إليها وتساءلت:

— إيه ده يا سلمى؟ افتكرت إن كل الأوراق والمستندات بيني وبين أحمد اتصفّت تمامًا، وكل واحد أخد حقه والقانون أخد مجراه.

تنهدت سلمى بعمق، وسندت ظهرها على الكرسي وهي بتقول بصوت هادئ ومحمل بمرارة الماضي:

— الأوراق دي ماكنتش في الشركة يا مريم… الأوراق دي كانت مخبأة في القاع الخشبي المزدوج لكرسي المكتب اللي كان أحمد بيقعد عليه في البيت. لما أحمد وأمي كانوا بيلموا العفش القديم عشان يعزلوا للشقة الإيجار الصغيرة بعد ما باعوا الشقة الكبيرة، الكرسي اتكسر وهو بيتشرّف على السلم، والملف ده وقع منه. أمي كانت مصلوبة ومذهولة، بس أنا أخدت الملف وخبّيته في شنطتي من غير ما حد يحس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *