حماتي 2حكايات صافي هاني
اتجمدنا كلنا.
حماتي أول ما شافت الست وشها اتغير وقالت بسرعة
إنتي… إنتي بتعملي إيه هنا؟
الست استغربت من رد فعلها وقالت
أنا آسفة لو جيت في وقت مش مناسب بس قلت أرجع الأمانة زي ما اتفقنا.
وأدتني الكيس.
بصيت لأحمد وقلت
افتحه.
حماتي حاولت تمد إيدها تخطفه وهي بتقول
ده بتاعي.
لكن أحمد سبقها وفتح الكيس.
أول حاجة طلعت كانت سلسلة دهب كنت بدور عليها من شهر وافتكرتها ضاعت.
بعدها خاتم أمي الله يرحمها اللي قلبت البيت عليه وملاقيتهوش.
وبعدهم برفيوم كنت أحمد جابهولي هدية في أول عيد جواز.
أحمد بقى يبص للحاجات ومش قادر ينطق.
قال بصوت واطي
الحاجات دي… كانت في بيتنا.
الست ردت بعفوية
أيوه… والدتك قالتلي تحتفظي بيهم عندك كام يوم لحد ما الدنيا تهدى.
أول ما قالت الجملة دي حطت إيديها على بقها.
واضح إنها ماكنتش تعرف إننا منعرفش حاجة.
حماتي صرخت فيها
اسكتي.
لكن كان خلاص.
الكلام خرج.
أحمد لف ناحيتها وهو بيترعش من الغضب وقال
يعني كنتي بتاخدي حاجات من بيتي من ورايا؟
ردت بسرعة
كنت بخاف عليها تضيع.
قال
وتخبيها عند الناس؟
سكتت.
قلت بهدوء
فاكر يا أحمد لما اتهمتني إني مهملة؟
ولما قلت يمكن أنا اللي نسيت مكان الحاجات؟
فاكر إني فضلت أعتذرلك على حاجة أنا معملتهاش؟
أحمد نزل راسه ومقدرش يرد.
أما حماتي فكانت بتحاول تبرر أي كلام.
مرة تقول كانت بترتب.
ومرة تقول كانت بتحافظ على الحاجات.
ومرة تقول إنها أم ومن حقها.
لكن ولا كلمة بقت مقنعة.
وفجأة…
أحمد وقف وسألها سؤال واحد.
سؤال خلاها تسكت تمامًا.
قال لها:
“لو دي كل الحاجات اللي عرفناها… يبقى إيه الحاجة الكبيرة اللي كنتي خايفة نوصل لها ومخبياها لحد دلوقتي؟”
ساعتها حماتي انهارت على الكرسي وبدأت تعيط…
وقالت بصوت متقطع:
“أنا لو قلت الحقيقة… ابني هيكرهني طول عمره.”
وتجمدنا كلنا… لأننا عرفنا إن اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد بداية، وإن السر الحقيقي لسه ما اتقالش.كانت الدموع بتنزل من عينيها وهي بتبص لأحمد كأنها بتدور على أي ذرة شفقة.
أحمد قال بحدة اتكلمي.
سكتت شوية وبعدين قالت أنا كنت فاكرة إني بحميك.
قلت لها من إيه؟
ردت وهي بتتنفس بالعافية من مراتك.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
كملت من أول يوم جواز وأنا مقتنعة إنها هتبعدك عني. كل مرة كنت أشوفك مبسوط معاها كنت بحس إني بخسرك. فبدأت أعمل أي حاجة تخليك تشك فيها.
أحمد وشه شحب.
قال يعني السلسلة والخاتم وكل الحاجات دي… إنتي اللي كنتي بتخبيها؟
هزت راسها.
قلت وعشان كده كل مرة كانت حاجة تضيع كنتوا تتهموني؟
قالت وهي بتعيط أيوه.
سكتنا كلنا.
لكن أحمد فجأة قال لا… في حاجة تانية.
رفعت عينها ناحيته.
قال إنتي قلتي لو عرفتها هكرهك طول عمري. الحاجات دي تزعلني… لكن مش دي اللي تقصديه.
وشها اصفر.
قال لها إيه هو السر؟
فضلت ساكتة.
أحمد زعق لأول مرة في حياته اتكلمي!
قالت وهي بتشهق فاكر اليوم اللي قلتلك فيه إن مراتك هي اللي كانت عايزة تبيع الشقة؟
بصيت لأحمد بصدمة.
أنا أصلًا عمري ما طلبت كده.
أحمد بصلي وقال أيوه… يومها حصلت بينا أكبر خناقة.
حماته قالت هي ماقالتش كده.
اتجمد المكان.
أحمد قرب منها خطوة.
قال يعني إنتي اللي كدبتي؟
هزت راسها وهي بتعيط.
وقالت أنا اللي قلتلك إنها عايزة تبيع الشقة وتسافر بعيد بيك. وهي أصلًا كانت بتتكلم عن شقة قديمة ورثتها عن أبوها وكانت عايزة تبيعها تساعدك في ديونك.
بصيت لأحمد والدموع في عيني.
اليوم ده كان بداية كل الخلافات بينا.
هو صدق أمه… وأنا فضلت شهور أحاول أفهم ليه اتغير فجأة.
أحمد رجع لورا كأنه اتضرب.
وبعدين بص لأمه وقال بصوت مكسور يعني أنا ظلمت مراتي… بسبب كذبة؟
حماته ماقدرتش ترد.
لكن قبل ما حد ينطق…
جرس الباب رن.
أحمد فتح.
ولما شاف اللي واقف برة… وشه فقد لونه.
الراجل قال بهدوء مساء الخير… أنا جاي أرجع الملف اللي والدتك طلبت مني أخبيه من سنتين.
وبمجرد ما نطق كلمة “الملف”… حماته صرخت بأعلى صوتها:
“لا… أوعى تدخله!”
وساعتها عرفنا إن السر اللي اعترفت بيه دلوقتي… ماكانش أخطر حاجة، وإن الملف اللي في إيد الراجل ده ممكن يقلب حياتنا كلها.أحمد وقف مكانه وهو باصص للملف.
قال للراجل ادخل.
حماتي قامت من على الكرسي وهي بتصرخ لا… بالله عليك متفتحوش.
لكن أحمد أخد الملف من إيده وقفله الباب.
كانت إيديه بتترعش وهو بيفتحه.
أول ورقة طلعت كانت إيصالات تحويلات بمبالغ كبيرة.
بعدين عقود.
وبعدين جواب مكتوب بخط إيد حماتي.
أحمد مسك الجواب وقراه بصوت مسموع.
“أنا اللي طلبت من الأستاذ سامح يحتفظ بالأوراق دي لحد ما أحمد يهدى. لو عرف الحقيقة دلوقتي هيزعل مني.”
رفع عينه وقال حقيقة إيه؟
قلب في الملف.
ولقى عقد بيع.
العقد كان باسم حماتي.
لكن المبيع…
كان قطعة الأرض اللي سابها أبو أحمد الله يرحمه لأولاده.
أحمد اتسمر.
قال إزاي؟
دي الأرض دي كانت لسه باسم أبويا.
حماتي نزلت راسها.
وقالت بصوت واطي بعد وفاة أبوك… خليتك تمضي على كام ورقة وقلتلك دي إجراءات الميراث.
أحمد افتكر.
فعلاً وقتها كان منهار من وفاة أبوه، ومضى من غير ما يقرأ.
فتح آخر صفحة.
ولما شاف توقيعه، حس إن رجليه مش شايلاه.
قال يعني… العقد ده بتوقيعي؟
قالت وهي بتبكي أيوه.
قلت وأنا مش مستوعبة يعني الأرض اتباعت؟
ردت أيوه.
أحمد سألها وفلوسها راحت فين؟
سكتت.
كرر السؤال بصوت أعلى راحت فين؟
قالت أنا… صرفتها.
قال على إيه؟
ردت وهي منهارة على ديون خالك… وعلى مشروع ابن أختك… والباقي راح في مصاريف السنين.
أحمد حط إيده على وشه.
كان واضح إن الصدمة أكبر من احتماله.
كل اللي ورثه عن أبوه راح من غير ما يعرف.
وفجأة…
الراجل اللي جاب الملف قال بهدوء
“في حاجة أنا ماقولتهاش.”
كلنا بصيناله.
قال
“العقد ده كان فيه مشكلة قانونية… وعشان كده البيع ما اكتملش نهائي.”
أحمد رفع رأسه بسرعة.
قال يعني إيه؟
رد
“الأرض لحد النهارده مازالت باسم الورثة… لكن في ناس دلوقتي بيحاولوا يستولوا عليها بالأوراق دي.”
ساعتها رن تليفون أحمد.
رد.
وفجأة وشه اتغير.
قال بصوت مخضوض
“إيه؟! يعني في ناس واقفة دلوقتي عند الأرض ومعاهم معدات هدم؟!”
وقفل المكالمة وبص لنا وقال:
“لو ملحقناش نوصل حالًا… ممكن نخسر كل حاجة.”أحمد جري ناحية الباب وهو بيقول:
“يلا… محدش هيفضل هنا.”
أنا لبست طرحة بسرعة وخرجت وراه.
حتى حماتي قامت وهي بتعيط وبتقول:
“أنا هاجي معاكم.”
ركبنا العربية، وطول الطريق محدش كان بيتكلم.
لما وصلنا، لقينا فعلًا عربيتين نقل وبلدوزر واقفين قدام الأرض، وفي كذا راجل ماسكين أوراق وبيتكلموا مع بعض.
أحمد نزل من العربية وهو بيجري.
قال:
“استنوا… محدش يلمس الأرض.”
واحد من الرجالة رد بثقة:
“إحنا معانا عقد رسمي.”
أحمد طلع الملف وقال:
“وأنا معايا أوراق تثبت إن العقد عليه نزاع.”
بدأت مشادة بينهم.
وفي اللحظة دي وصلت عربية الشرطة بعد ما واحد من الجيران بلغ عن الخلاف.
الضابط أخد العقود من الطرفين وبص فيها شوية، وبعدها قال:
“مفيش شغل هيتعمل هنا النهارده. الموضوع هيتحول للنيابة وهي اللي هتفصل فيه.”
العمال وقفوا، والبلدوزر رجع لورا.
أحمد أخيرًا خد نفسه.
افتكرنا إن الأزمة خلصت…
لكن وإحنا راجعين للعربية، لقيت حماتي واقفة بعيد لوحدها، بتبص للأرض وبتبكي.
قربت منها.
قالت بصوت مكسور:
“سامحيني… أنا كنت فاكرة إني بحافظ على ابني، لكن أنا اللي ضيعت عمره.”
قبل ما أرد عليها، جه راجل كبير في السن كان واقف بيتابع اللي حصل.
بص لأحمد وقال:
“إنت ابن الحاج محمود؟”
أحمد قال:
“أيوه.”
الراجل طلع ظرف قديم من شنطة جلد كانت معاه.
وقال:
“أبوك سلمني الظرف ده قبل وفاته بأسبوع، وقالي: ما تدهوش لابني إلا لو حصل خلاف على الأرض أو حسيت إن حد بيضحك عليه.”
أحمد أخد الظرف وإيده بترتعش.
فتح الغطا ببطء…
ولما شاف أول ورقة جواه، اتغير لون وشه وقال:
“مستحيل…”
وبص لأمه بنظرة عمرها ما حصلت قبل كده.
لأن الورقة دي كانت كفيلة إنها تغير كل اللي كنا فاكرينه عن العيلة… وتكشف سرًا مدفونًا من سنين طويلة.بعد لحظات من الصمت، أحمد طلع الورقة كلها وقراها.
كانت وصية بخط إيد أبوه.
مكتوب فيها:
“لو بتقرا الكلام ده، يبقى عرفت إن الحقيقة اتأخرت سنين. أمك غلطت، لكن عمرها ما كانت خاينة ولا طماعة. أنا اللي طلبت منها تخبي عنك بعض الحاجات، لأن كان فيه ناس من العيلة مستنيين أي فرصة ياخدوا الأرض. ولو عرفت الحقيقة وقتها، كنت هتواجههم لوحدك، وأنا كنت خايف أخسرك.”
أحمد وقف مكانه والدموع مليت عينيه.
كمل قراية.
وكان مع الوصية ورقة تانية فيها إقرار قديم، يثبت إن الأرض اتسجلت باسم أبوه لحماية حق ابنه، وإن أي عقد اتعمل بعد كده من غير موافقته يعتبر باطل.
ساعتها فهمنا ليه الراجل اللي كان عايز يهدم الأرض كان مستعجل، وليه حاول يخلص كل حاجة في يوم واحد.
الضابط أخد صورة من الورق، والنيابة بعد أيام قليلة أثبتت صحة المستندات، واتلغت كل العقود المزورة، ورجعت الأرض لأصحابها الحقيقيين.
أما حماتي…
فضلت تبكي وهي بتطلب السماح من أحمد.
قرب منها، ومسح دموعها، وقال:
“أنا زعلت منك… لكني مش هقدر أعيش وأنا شايل منك. اللي فات انتهى.”
حضنته وهي بتعيط لأول مرة من سنين، وكأن الحمل اللي كان على قلبها وقع أخيرًا.
بعد شهور، بنينا بيتنا على الأرض اللي رجعت لينا، وكل ما كنا نقعد في البلكونة بالليل، أحمد كان يبص للسما ويقول:
“الله يرحمك يا أبي… حتى بعد وفاتك كنت بتحمينا.”
واتعلمنا درس عمرنا ما هننساه…
إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها في الآخر بتظهر، وإن الطمع عمره ما بيكسب، أما الحق فمهما طال الزمن، بيرجع لأصحابه.
تمت.