تضحيه اخواتى
بعد وفاة امى وابويا رفضت الجواز عشان اربى اخواتى اشتغلت وخليت حياتى كلها ليهم اعلمهم واكلهم لحد ما كبروا اتعلموا ياخدوا بس اختى جهزتها وجوزتها واخويا اصبح تعاملوا معايا عباره عن معايره
بقتش في نظره الاخت الكبيرة ولا الأم اللي شالت.. بقيت في نظره “كراكيب” مالهاش لازمة في البيت!
بقى يتعامل معايا بقلة قيمة، يعايرني باللي ضحيت بيه عشانه! وفي يوم، وقف قصادي، وبصلي ببرود يقطع العرق ويسيح الدم، وقالها في وشي بكل قسوة:
“هو انتِ ليه متجوزتيش لحد دلوقتي؟! بصي لنفسك في المراية كويس.. شوفِ شكلك عجزتي واتطفتِ إزاي! انتِ امتى بقى تتجوزي وتغوري من البيت ده عشان نعرف نعيش ؟!”
الكلام نزل عليا زي مية نار! اتسمرت مكاني.. السقف كان بيلف بيا والحيطان بتصرخ. ماكنتش مصدومة من كلامه بس، أنا كنت مذهولة من كمية الغل والجحود اللي في عينيه!
إزاي الإيد اللي أكلته هي الإيد اللي عايز يقطعها؟ وإزاي البيت اللي بنيته بعرقي وشقايا.. بقى هو السجن اللي مستني اليوم اللي يرميني فيه بره؟!
ما لحقتش ألملم كرامتي اللي اتنعرت تحت رجليه، ولا ألحق ألم البواقي اللي فاضلة مني، لحد ما جه اليوم اللي دخل عليا فيه والشرر بيطلع من عينيه.
فتح الباب ، ومن غير مقدمات ولا حتى “أزيك”، قالها ببرود أشد من التلج:
“أنا قررت أتجوز.. والعروسة جاية تعيش هنا في الشقة.”
سكتت لحظة.. بلعت الغصة اللي قافة حلقي، وبصيت له بنظرة مكسورة بس حاولت أتماسك. قولت في بالي: “حقك يا ابن أمي وأبويا.. الشقة شقة أبوك، وأنا مش هقف في طريق سعادتك.” هزيت رأسي وقولتله بصوت مخنوق:
“ألف مبروك يا حبيبي.. حقك طبعاً، البيت بيتك . وده حقك
كنت فاكرة إن دي النهاية.. إن اللحظة دي هي أقصى وجع ممكن أعيشه.. بس اللي عمله بعد موافقتي كان كابوس ما يخطرش على بال إبليس نفسه!
بعدها بيومين بس، صحيت على صوت خبط ورزع في الأوضة اللي قَضيت فيها نص عمري. خرجت أتسحب وأنا مش فاهمة في إيه، لقيتها واقفة جنبه بقمة التبجح، وجايبين عمال بيكسروا وبيطلعوا حاجتي في كراتين رمينها فى الممر بره!
بقيت واقفة في الممر، وحواليا كراتين عمري مرمية زي الهامش اللي ملوش لازمة، بس خدت نفس طويـل وبلعت إهانة رمي حاجتي. قولت في سري: “معلش.. هيعرّس ويتبسط، ويمكن لما ياخد مراده ونفسه تهدى، يحن قلبه وينسى قسوته معايا.”
بدأ التوضيب.. الشقة كلها اتقلبت، هدوا حيطان وجددوا سيراميك، وغيروا ألوان البويا. حتى أوضتي اللي كنت بنام فيها، مسحوا ملامحها تماماً وعملوها صالون مودرن مذهب يبرق!
وطول الأسابيع دي، أنا ما قعدتش وضهري متني.. كنت بلم ورا العمال، أصفي التراب، أعمل أكل وشاي للصنايعية من الصبح للمغرب، وأشيل وأحط معاهم وأنا جسمي بيتكسر. كنت فاكرة إني لما أقف جنبه وأساعده يوضب عشه، هيشوف في عيني كلمة “مبروك” ويحس بالجميل.. كنت فاكرة إن قسوته كان ليها حدود، بس أتاري الطمع والجحود مالهومش قاع!
في اليوم الأخيرة، فى التوضيب والشقة بقت تبرق وزي ألف ليلة وليلة، دخلت خطيبته بقمة العجرفة.. تلف في الأركان وتبصلي من فوق لتحت بنظرة قرف، وهو ماشي وراها زي ضلها.
وقفت في وسط الصالة المتلمعة بعرقي، وكنت لسة بمسح إيدي في المريلة من بواقي البويا، لقيته قرب مني.. عينيه ما كانش فيها ذرة امتنان، بالعكس، كان فيها نظرة تملك مريضة!
أشر بصباعه على الأرض اللي لسة ماسحاها، وقالها بصوت جاف، حاد، يقطع الخِلف:
“بصي بقى يا حلوة.. عشان نكون على نور وما نرجعش نزعل من بعض: الشقة دي اتفرشت بالكامل لعروستي، وما بقاش ليكي فيها أوضة ولا مطرح تنامي فيه زي زمان.. أنتِ من بكرة مالكيش صفة هنا غير حاجة واحدة بس!”
بصيت له باستغراب، وشفايفي بترتعش: “صفة إيه يا ابن أمي؟”
ضحك ضحكة صفرا هزت الشقة، وكمل وهو بيحط إيده في جيبه بقمة التبجح:
“أنتِ هنا هتبقي الخدامة بتاعت البيت! تطبخي، تغسلي، تمسحي تحت رجلي ورجل مراتي، وتلبي طلباتها بالثانية.. وقعدتك هنا بلقمتك وخدمتك لينا! مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل.. الشارع وراكي، روحي دوري لك على خرابة تلمك بس مش هتاخدي معاكي قرش واحد من البيت ده!”
وقفت خطيبته ورانا وربطت دراعاتها، وابتسمت ابتسامة شمتانة وهي بتقول ببرود:
ـ اول ما العفش يوصل عايزاكى تقفى مع الصنايعيه وتفرشى معاهم ولما باقى الجهاز يوصل عايزاكى ترصيه فى الدواليب
وتحضرى امل العرسان
انا بقيت واقفه دموعى على خدى بقى ده العيل الصغير اللى ضحيت بحياتى عشانه عايز يضيع باقى عمرى وانا خدامه ليه ؟؟
هى دى جزاتى ؟؟؟
مسحت دموعي بإيدي اللي كانت لسة مفحومة من التعب والتراب، وبصيت في عينيه.. ما لقتش فيهم ولا حتى خيال العيل الصغير اللي كنت باخد من قمتي وأكله، ولا الطفل اللي كنت بسهر جنبه طول الليل لما يرتفع حرارته وأنا بدعي ربنا ياخد من عمري ويديله.
سكتت.. بس السكوت المرة دي ما كانش انكسار، كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق انفجار مجرة!
خطيبته قربت مني بكل تبجح، حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة تنقط سم:
ـ “وسمعاني كويس ولا أكرر؟ الدواليب تتلمّع قبل ما الرص يبدأ، وماركات الهدوم بتاعتي تتحط بالترتيب، مش عايزة بلديات وعك.. وإياك ألمح ترابة واحدة على الصالون المذهب اللي لسة جاي، فاهمة يا… يا خالة؟”
كلمة “خالة” طلعت من لسانها زي الشفرة اللي قطعت آخر عرق كان باقيلهم عندي!
أخويا واقف وراها، بيهز رأسه بموافقة، ونظرة التشفي حارقة وشة، وكأنه صدق نفسه إنه خلاص بقى السيّد وأنا الجارية اللي اشتراها بلقمتها!
رديت بصوت هادي، هادي لدرجة خلت بؤرة عينيه تتسع باستغراب:
ـ “عايزة حاجة تاني يا عروسة؟ تأمري بأي حاجة ثانية قبل ما أبدأ تنفيذ أوامرك؟”
ضحكت هي بغرور وبصت له وقالت:
ـ “شايف؟ أهو كده الكلام.. عرفت مقاسها مظبوط من أولها!”
وهو حط إيده في جيبه وقال بكبرياء أعمى:
ـ “شاطرة.. تعجبينا لما تعقلي وتعرفي حجمك. ياللا، العمال طالعين بالعفش تحت، انزلي شيلِي معاهم الخفيف واقفة بتبصي ل إيه؟”
في اللحظة دي، حطيت إيدي في جيب المريلة، وطلعت مفاتيح الشقة.. النسيخة الأصلية اللي أصلًا مكتوب بيها عقد البيع والشراء من سنين طويلة لما أبويا اتوفى ودين البيت كان على رقبتنا.
بصيت للمفاتيح في إيدي، وبعدين بصيت له في عينيه مباشرة، ونزعت المريلة من عليا ورميتها على الأرض تحت جزمته الملمعة!
قال بحدّة ووشه اتغير:
ـ “إيه اللي بتعمليه ده يا مجنونة؟ أنتِ بتحدفي المريلة في وشي؟”
رديت، وصوتي المرة دي هز حيطان الصالون المذهب اللي فرحان بيه:
ـ “المريلة دي تحطها على رقبتك أنت وست الحسن بتاعتك! الشقة دي.. مش شقة أبوك لوحدك، ولا هي الشقة اللي هتدوس فيها على كرامتي!”
خطيبته اتنفضت وقالت بقلة أدب:
ـ “جرى إيه يا ولية أنتِ؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتِ طالعة برة من بكرة أساساً!”
مسكت خطيبته من دراعها بضغطة خلتها تصرخ، وبصيت في وشها وقلت لها:
ـ “صوتك ده ما يعلاش في بيتي! أنتِ فاهمة؟! البيت ده اللي بنى حيطانه وشال طوبه هو عرقي وشقايا، من قبل ما أنتِ تتولدي حتى!”
أخويا اتجنن، زقني بعنف وقال وهو بيشر بصباعه في وشي والشرار طالع من عينيه:
ـ “بيتك مين يا حيزبونة؟ أنتِ اتجننتي رسمي؟! الشقة دي باسم أبويا، وأنا الراجل الوحيد اللي شايل اسمه! أنتِ مالكيش هنا غير اللقمة والستر، وإن كان عاجبك.. وإلا قسمًا بالله أرميكي في الشارع بكراتينك حالا!”
ابتسمت.. ابتسامة وجع على قوة على حسرة، وقربت منه لحد ما بقى نفسي في نفسه، وقلت له بكل برود الدنيا:
ـ “أبوك الميت اللي بتتحامى فيه، ساب البيت ده عليه ديون للناس قد كده يوم ما مات، وأنا اللي سددت قرش قرش من مرتبي وعرقي! وأبوك الميت، قبل ما يسلم روحه، كتب الشقة دي باسمي أنا.. عقد بيع وشراء مسجل في الشهر العقاري من عشر سنين! عشان كان عارف إنك هتكبر، وهتبقى القساوة والجحود بيمشوا على أرضين، وكان خايف عليا منك!”
الكلمة نزلَت عليه كأنها صاعقة شلت لسانه!
وشه اتخطف، خطيبته بلعت لسانها وبصت له بذهول ورعب:
ـ “إيه اللي هي بتقوله ده يا مدحت؟! الشقة مش باسمك؟ أنت ضاحك عليا ومفهمني إن الشقة ملكك خالص؟!”
فتح بؤه وقفل، مش عارف ينطق، عينيه بتتنقل بيني وبين عقد الشقة الوهمي اللي افتكره مجرد كلام، وقالي بصوت بيلجلج وبيترعش من الصدمة:
ـ “أنتِ.. أنتِ بتكذبي! أنتِ بتعملي حوار عشان ماتخدميناش! الشقة دي بتاعتي!”
طلعت فوني من جيبي، وفتحت صور الأوراق المسجلة رسمياً اللي شايلاها معايا للموقف اللي كنت حاسة إني هحتاجه في يوم من الأيام، وحطيت الشاشة في وش خطيبته وفي وشه!
ـ “شوف يا ابن أمي وأبويا.. العقد المسجل أهو، بالشهر العقاري ! أنت مالكش هنا غير حصتك الشرعية في الميراث بعد ما أطلع حق عرقي وشقايا اللي سددت بيه ديون الشقة!.. يعني بالبلدي كده: الشقة دي شقتي أنا، وأنت اللي قاعد فيها بفضلي!”
الصمت بقى قاتل في المكان.. العمال كانوا على الباب شايلين الخشب وواقفين يبصوا لبعض ومش عارفين يدخلوا ولا يرجعوا.
خطيبته رجعت خطوتين لورا، وبصت له بقرف وازدرار وقالت له:
ـ “بقيت ممشيني وراك وبتفرجني على الشقة وبتقولي الصالون المذهب ده ليكي، وأنت طلعت شحات وقاعد في بيت أختك بالوصلات؟! أنت بجد بني آدم مزيف ومقرف!”
وقبل ما هو يرد أو يستوعب، كملت أنا بصوت حاد كالحديد، وأشرت على الباب اللي كان مفكوك:
ـ “العفش اللي تحت ده يرجع مكانه.. والعمال دول يمشوا حالا! وأنتِ يا حلوة، الباب يفوت جمل، تاخدي ديلك في سنانك وتغوري من هنا، عشان الشقة دي ما يدخلهاش ناس بتقل من أصحابها!”
أخويا بصلي بعينين مكسورة، الغل اللي كان فيها اتحول لرعب وذل، مسك إيدي وبدأ يتأتئ:
ـ “يا.. يا أختي.. يا حبيبتي.. أنتِ هتفضحينا قدام الناس ونسايبي؟ كبريني قدام خطيبتي! نتفاهم جوة.. اعتبري كل اللي قلته كان ساعة غضب!”
سحبت إيدي من إيده بقمة القرف، وبصيت له ونظرتي بتدبحه:
ـ “ساعة غضب؟ لما تقول لأختك الكبيرة اللي ربتك وشالتك ‘عجزتي واتطفتِ وغوري في خرابة’ تبقى ساعة غضب؟! لما تعاملني كخدامة تحت رجل مرتك تبقى ساعة غضب؟!
البيت ده بيتي.. وأنا اللي هقرر مين يقعد فيه ومين يغور!
وقف مدحت في وسط الصالة المذهبة مصدوم، الشحوب كاسي وشه، وخطيبته بتتراجع لورا بخطوات سريعة وهي بتسحب شنطتها وبتبصلنا بذهول وقرف، لحد ما سحبت باب الشقة وراها ونزلت تجري على السلم، وراها صوت دبت رجليها وهي بتصرخ فيه: “أنا مش هكمل مع واحد كومبارس وقاعد في بيت أخته!”
الصمت نزل على الشقة زي جبل ثقيل.. مدحت واقف متسمر مكانه، إيديه بتترعش، وبصلي ونبرة صوته اتغيرت 180 درجة، تحولت من جبروت السيّد لكسرة العيل اللي اتمسك متلبس بقلة أصله.
قرب مني خطوة وهو بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:
ـ “يا.. يا أختي.. أنتِ بجد هتعملي فيا كده؟ هتفضحي ألمسني وتهدي بيتي قبل ما يبدأ؟ أنسي اللي قلته.. والله كنت مزهوق والعيشة ضاغطة عليا، الشيطان دخل بينا يا حبيبتي.. مساحيها فيا المرة دي!”
بصيت له بنظرة حادة جردته من كل الأقنعة اللي كان يداري وراها قسوته، وقربت منه بخطوات ثابتة وواثقة، حطيت إيدي على الترابيزة المذهبة اللي كان فرحان بيها وقالت بنبرة قطعية أبرد من التلج:
ـ “الشيطان ما كانش بيننا يا ابن أمي.. الشيطان كان جواه هو، محشور في عينيك وأنت بتقولي عجزتي واتطفتِ.. وفي إيدك وأنت بتركي حاجتي في الممر! بس العروسة اللي طارت دي؟ تلحقها أو ما تلحقهاش.. دي أخر مشاكلك دلوقتي!”
ضيقت عينيا وكملت بصوت يهز أركان البيت:
ـ “أنا اديتك عمر سنين عشان تعمل لنفسك قيمة، وأنت افتكرت القيمة دي ضعف.. عشان كده، أنت قدامك بالضبط ساعة واحدة! تلم فيها كل قشّك، وهدومك، والكراتين اللي رمتها في الممر ترجع تصفيها وتحط فيها حاجتك أنت.. وتطلع برة الشقة دي فوراً!”
تنح، وفتّح عينيه على آخرهم وقال بفزع:
ـ “أطلع برة؟! أروح فين يا مجنونة في وقت زي ده؟! وأسيب الشقة اللي وضبتها بشقايا؟! أنتِ أكيد بتهزري!”
ضحكت ضحكة حادة ومكتومة، وقربت منه لحد ما بقيت قصاده مباشرة، وقلت له بثقة هزت كيانه:
ـ “شقاك؟! أنت وضبت شقتي أنا! وأنا مش بتهزر يا مدحت.. أنا المرة دي مش بس باخد حقي، أنا باخد حياتي اللي ضيعتها عشانك! الشقة دي هتنضف من جحودك، عشان أنا قررت أبدأ حياتي وأتجوز فيها.. أيوة، أتجوز في بيتي وعرقي اللي حطيت فيه عمري كله، والبيت ده مش هيعتب فيه راجل قليل الأصل ولا واحد عايرني يوم بإن عمري ضاع!”
مدحت اتجنن، وشّه احمرّ والشرار رجع لعينيه تاني من الكبرياء المكسور، وصرخ بصوت هيستيري:
ـ “تتجوزي مين يا بتاعة أنتِ؟! أنتِ اتجننتي رسمي في كبرك؟! مش طالع من هنا! الشقة دي شقتي وأنا الراجل، وأعلى ما في خيلك اركبيه! ووريني هتخرجيني منها إزاي!”
طلعت تليفوني من جيبي بالراحة، ودست على أرقام الطوارئ بثبات، وحطيت الموبايل على وذني وأنا باصة في عينيه بكل تحدي وقسوة:
ـ “لو المطبخ والفرش ده ما فضيش من حاجتك وخيالك فارق العتبة دي قبل ما العداد يجيب 60 دقيقة.. المكالمة دي هتكمل للشرطة! هطلبلك البوليس، وهعملك محضر تعدي على ملكيتي الخاصة وإثارة شغب، والورق المسجل بالشهر العقاري يرميك في التخشيبة قبل ما يرميك في الشارع! أنت اختار بقى.. تخرج بكرامتك اللي فاضلة على رجليك، ولا تخرج متكلبش قدام منطقة كاملة كنت شايف نفسك عليها؟!”
مدحت اتسمر مكانه، ونظرة الرعب في عينيه كانت أوضح من أي وقت فات.. أدرك لأول مرة إن الاخت الكبيرة اللي شالته زمان، هي نفس الإيد اللي قادرة تمسحه من حياتها تماماً!
سكت مدحت، وعينيه بقت تتنقل بين شاشة الموبايل اللي أرقام النجدة عليها جاهزة للاتصال، وبين نظرة عينيا اللي ما بقاش فيها نقطة رحمة واحدة. الشحوب غطى وشّه تمامًا، والتنفس بتاعه بقى يعلى ويهبط كأنه بيلهث ورا سراب!
لأول مرة في حياته، يشوف الوش ده مني.. الوش اللي مش بيسامح، الوش اللي فاقت صاحبته من غفلة العمر كله وعرفت إن الحنية مع الجاحد مش مجرد خيبة.. دي جري\مة في حق النفس!
حطيت الموبايل على الترابيزة المذهبة جنب مفاتيح الشقة، ورابعت دراعاتي وقلت له بصوت أبرد من صقيع الشتا:
ـ “فاضل تسعة وخمسين دقيقة.. الصمت ده بيسحب من وقتك، والبوليس لما بيجي ما بيفهمش غير الورق والإثباتات.. والورق معايا.”
بلع ريقه بعافية، وركبه كانت بتخبط في بعضها.. الشاب اللي كان من دقائق بيفرد جسمه وبيعايرني بكياني وعمري، بقى واقف قدامي زي الهامش، مكسور ومذلول.
قرب مني خطوة وصوته طالع بيلجلج، رايح منه كل كبرياء:
ـ “يا.. يا أختي.. أنتِ بجد هترضيلي التخشيبة؟ هترضيلى للولد اللي كبرتيه يتقال عليه أخته طلبت له البوليس ورمته في الشارع؟ أين الدين؟ وأين الرحمة اللي كانت عندك؟”
ضحكت ضحكة حادة هزت الشقة كلها، ضحكة طالعة من قعر الوجع:
ـ “الدين والرحمة؟! أنت افتكرت الدين والرحمة لما رمت حاجتي في الممر؟ ولا افتكرتهم لما قولتلي عجزتي واتطفتِ وادخلتيني خدامة تحت رجل مرتك؟!
أنت اللي دافنت الرحمة بإيديك يا مدحت.. واليد اللي دفنتها مش هي اللي هتطلعها من التربة عشان ترحمك!
الرحمة اللي تعرفها ماتت يوم ما حطيت كراتين عمري تحت رجليك.. ودلوقتي ما فيش غير القانون والعدل.”
بص للكراتين المرمية في الممر، وبعدين بص لشنط هدومه في الأوضة.. أدرك إن القصة اتقتلت خلاص، وإن الصفحة اتقلبت وما فيش خط رجعة.
بدأ يتحرك بذهول كأنه بيتحرك في كابوس، إيديه بتترعش وهو بيلم هدومه وبيحطها في الشنط بعشوائية.. كان بيلم بقايا القوة الوهمية اللي عاش فيها، وكل قطعة هدوم بياخدها كان بيحس إنها قطعة من كرامته اللي اتهرست تحت جزمة قسوته.
وقف عند باب الأوضة وهو ساحب شنطته في إيده، بصلي بعينين مكسورة مليانة خيبة وأمل حزين إنه يلمس ولو ذرة حنان قديمة:
ـ “أنا ماشي.. ماشي يا أختي.. بس افتكري إنك أنتِ اللي اخترتِ تقفلي الباب في وشي.”
قربت منه بثبات، وبصيت في عينيه بنظرة أخيره حسمت كل حاجة:
ـ “الباب ده ما اتقفلش في وشك.. الباب ده اتقفل في وش الجحود وقلة الأصل!
أنت اللي هديت البيت اللي لمّك، وأنا اللي هبني حياتي فيه من جديد مع اللي يقدرني ويصون كرامتي..
انزل يا مدحت، واعرف إن الشارع اللي كنت عايز ترميني فيه.. هو المكان الوحيد اللي يليق بلي يبيع أخته!”
سحب شنطته، ونزل درجات السلم وخطواته تقيلة كأنها سلاسل.. ومع كل خطوة كان صوت الباب الخارجي للعمارة بيرن في ودني، كأنه إعلان لولادة جديدة ليا!
قفلت باب الشقة ورايا، ولفيت ظهري للمكان اللي اتغيرت ملامحه.. وبصيت للصالون المذهب وللأركان الملمعة بعرقي، وابتسمت لأول مرة من سنين طويلة.. ابتسامة ست استردت حقها، ودقّت أول مسمار في بيت فرحتها الجديدة!
قفلت الباب، وحطيت ضهري عليه.. وسندت راسي لورا وأنا باخد نفس عميق، نفس طالع من قعر صدري المحروق، كان طعمه مختلف.. طعم الحرية اللي اتحرمت منها سنين، طعم الكرامة اللي رجعت أتنفسها بعد ما كانت اندفنت تحت كعب الجحود.
الهدوء نزل على الشقة فجأة.. هدوء مرعب بس مريح.
بصيت للصالة المتلمعة، للصالون المذهب اللي كان مفرش للغدر، وللأركان اللي كنت بموت فيها كل يوم ألف مرة وأنا بمسح ترابها بدموعي.
قربت من الممر اللي رمى فيه حاجتي.. الكراتين اللي كانت ملفوفة بشريط لاصق، شايلة الذكريات، الصور القديمة بتاعة أمي وأبويا، هدومي البسيطة اللي ما عجبتش “هوانم” العروسة.
قعدت على ركبتي جنب الكراتين، ومسكت صورة أمي وأبويا.. مسحت التراب من على زجاج البرقع بإيدي اللي بتترعش، وبكيت.. بس المرة دي ما كانش بكاء ضعف ولا انكسار.. كان بكاء الفرج، بكاء الست اللي وقفت طوفان ظلم وبنت سد من حجر.
همست للصورة بصوت مخنوق بالدموع بس مليان ثبات:
ـ “سامحوني يا بابا.. سامحيني يا أمي.. صنت الأمانة لحد ما الأمانة بقت هي الس\كينة اللي في ضهري.. ربيت وكبرت، بس لما العيل كبر أراد يقطع الإيد اللي اتمدت له.. وكان لازم أقطعه هو قبل ما يهد السقف عليا.”
قمت وقفت، مسحت دموعي بإصرار، ومشيت ناحية الصالون المذهب.
شلت المفارش الدانتيل اللي كانت خطيبته منقياها بعنجهية، ورميتها في الأرض.. فتحت البيبان والشبابيك على آخرها، خليت هواء ربنا وشمسه يدخلوا يطهروا المكان من ريحة الغل والتكبر اللي كانت خنقاني.
شغلت الراديو على إذاعة القرآن الكريم، وصوت القارئ ملأ البيت وسكّن الوجع اللي جوة قلبي.
في اللحظة دي، الموبايل رن على الترابيزة..
بصيت على الشاشة.. كان الرقم اللي استنيته كتير، الرقم الوحيد اللي كان شايفني في عز ما كان أخويا شايفني “كراكيب” مالهاش لازمة.
رديت بثبات، وصوتي طالع صافي زي المية:
ـ “أيوة يا عبد الرحمن..”
جالي صوته الهادي، مليان حنية واحترام كان بقالي سنين محرومة منهم:
ـ “طمنيني يا بنت الأصول.. كل حاجة تمت زي ما اتكلما؟”
ابتسمت من قلبي، وبصيت حواليا في الشقة اللي بقت ملكي بحق وحقيق:
ـ “تمت يا عبد الرحمن.. البيت فضي، والحق رجع لأصحابه.. وما بقاش فاضل في الشقة دي غير مكان للشخص اللي يعرف يعوضني عن كل شقا عمري.”
رد بصوت فيه فرحة هزت كياني:
ـ “يبقى على بركة الله.. بكره هكون عندك ومعايا المأذون وكبار العيلة، عشان نردلك اعتبارك قدام الشارع كله، ونبدأ العمر اللي فاضل سوا.. مرفوعة الراس زي ما طول عمرك.”
قفلت معاه، وحطيت الموبايل على قلبي.. وبصيت في المراية الكبيرة اللي في الصالة.
بصيت لشكي.. وشي اللي أخويا قال عليه “عجز واتطفا”.. لقيت فيه بريق تاني خالص، بريق الست القوية اللي ما انكسرتش، الست اللي خدت حقها بتعبها وعرقها.
ابتسمت لنفسي في المراية، وقلت بصوت حاسم:
ـ “لأ يا ابن أمي.. أنا ما اتطفيتش.. أنا يلا دوبك ببدأ أنور!”
دخلت أوضتي القديمة اللي مسحوا ملامحها وجددوا بوياها عشان تبقى صالون، بس المرة دي ما حسيتش بالخنقة ولا الغربة فيها.. حسيت إن المكان بيطهر، إن حيطانه بتتنفس معايا من جديد.
سحبت الكراتين من الممر ودخلتها، وبدأت أفك السوليتيب بالراحه. بطلع حاجتي حتة حتة.. الهدوم، ملايات السرير اللي غسلتها بإيدي سنين، كتاب أذكاري القديم، والمصحف اللي هدتهولي أمي قبل ما تموت..
كل حتة بطلعها كانت بترجع الروح للبيت، وكأني بفرش عرشي من جديد، مش بلم باقي حياتي!
طول الليل ما جاليش نوم، بس ما كانش أرق الخوف ولا قهر الظلم.. كان أرق الانتظار.
كنت قاعدة على الكرسي قبال الشباك، بصل للشارع الساكت، وبفتكر كل نقطة عرق نزلت من جبهتي عشان أشتري طوبة في البيت ده، كل جنيه وفرته من أملي وأكلي عشان أدفع أقساطه، وكل طموح ألتغى وحلم اندفن عشان “إخواتي يتربوا وما يحسوش باليتم”.
الشمس طلعت، ونورها غمر الصالة.. وقفت قدام الشباك وشربت كباية الشاي الدافي بثبات لم أعهده في نفسي من سنين.
على الساعة اتناشر الضهر، الشارع تحت بدأ يتحرك..
صوت عربيات بتعدي، وبعدها سمعت صوت خطوات تقيلة وكتيرة طالعة على السلم.. خطوات نابعة من الهيبة والتقدير، مش من الجشع والخيانه.
الباب انخبط.. خبطة راقية، هادية، فيها استئذان واحترام.
ربطت طرحتي، وطالعت أفتح بثبات ورأسي مرفوعة للسما.
فتحت الباب.. لقيت عبد الرحمن واقف، جنبه راجل كبير بلحية بيضا ولابس جلباب أنيق ماسك في إيده الشنطة الجلد بتاعة المأذون، ووراهم كبارات العيلة وحبايب أبويا القدام اللي كانوا عارفين أصل القصّة من أولها.
عبد الرحمن أول ما شافني، وشه ينور.. نزل عينه في الأرض باحترام وقال بصوت دافي هز العتبة:
ـ “السلام عليكم يا ست البنات.. يا أصل الخير والجدعنة. مستأذنين ندخل بيتك المكرّم؟”
دمعة سخنة هربت من عيني، بس كانت دمعة عزّ..
وقفت على الجنب ووسعت لهم الطريق وقلت بصوت جلي:
ـ “خطوة عزيزة يا عبد الرحمن.. البيت بيتكم، ودخلتكم دي على راسي من فوق.”
دخلوا الصالون المذهب، الصالون اللي أخويا افتكر إنه هيذلني بيه.. وجلسوا بثبات.
الشيخ فتح دفتره المذهب، وحط القلم على الطاولة، وبصلي بابتسامة أبوبة وقالي:
ـ “يا ابنتي.. العقد ده مش مجرد زواج، ده رد اعتبار وصون لكرامة ست شالت بيت كامل على كتافها.. بطاقتك وأوراقك يا بنتي على بركة الله.”
في اللحظة دي بالذات.. سمعت صوت حركة على السلم، وباب الشقة المفتوح يظهر منه خيال شخص واقف ورا السور..
لفت وشي.. لقيت مدحت أخويا واقف على البسطة!
وشه أصفر، عينيه منفوخة من القهر وندم الليل، لابس هدومه اللي لمها في الشنطة ومتبهدل.. جايب أمه وأبوه في خاطره اللي ماتوا عشان يترجاني، بس بقى واقف بره، مش قادر يعتب عتبة الباب اللي كان فاكر إنه هيرميني بره منها!
بصلي بعيون ذليلة ينطق منها التوسل، وكأنه بيستنجد بأخته القديمة اللي كانت بتسامح في حقها..
بصيت له بكل برود الدنيا، وجرّيت النظرة منه بالراحة، وكأني ببص لسراب مالوش وجود!
قعدت على الكرسي جنب عبد الرحمن، حطيت بطاقتي وإيدي في إيد المأذون، وقلت بصوت هز أركان الصالة ووصل للشارع تحت:
ـ “اكتب يا مولانا.. على بركة الله وعلى سنة رسوله، وبحق كل نقطة عرق صانت البيت ده!”
انطلقت زغروطة مدوية من جارتنا أم أحمد اللي سمعت باللي حصل ونزلت تشاركني الفرحة، صوتها صحى الحارة كلها وخلا الجدران ترن بالنصرة!
المأذون حط المنديل الأبيض على إيدي وإيد عبد الرحمن، وبدأ يملينا كلمات عقد الزواج..
كلام ربنا كان ينزل على قلبي زي المية الباردة تطفي نار السنين، وعبد الرحمن ماسك على إيدي بقوة ودفا، وكأنه بيبصم معايا على عهد جديد: إن الزمان اللي اتظلمت فيه انتهى، وإن اللي جاي هو العوض.
مدحت كان لسة واقف على السلم، مش قادر يتحرك ولا قادر يهرب من جحيمه.
شاف القلم وهو بيلف في إيدي وأنا بوقع باسمي على الورق الرسمى..
شاف نظرات رجال العيلة وهم بيبصوله باقتدار وازدار، كأنه غريب مالوش مكان بين أهل المروءة والجدعنة.
أول ما الشيخ قال: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، عبد الرحمن وقف، وباس على رأسي قدام الكل، وقال بصوت جلي سمع اللي جوة واللي برة:
ـ “مبروك يا أميرة البيت.. من النهاردة كرامتك من كرامتي، وضهرك هو ضهري، وما عاش ولا كان اللي يفكر يوطي لك راس أو يقل منك في بيتك!”
في اللحظة دي، مدحت ما قدرش يستحمل أكتر من كده..
انحنى وجر شنطته المبهدلة على درجات السلم، وصوت عجل الشنطة وهو بيخبط في الخرسانة كان بيعلن خروجه الأبدي من حياتي.. نزل الشارع اللي كان عايز يرميني فيه، وخرج من الشقة اللي افتكر في يوم إنه يقدر يجردني منها!
لفت وشي ناحية الشباك، وشفت الشمس وهي غامرة الصالة المذهبة كلها بنورها..
ما بقاش في الشقة أثر لتراب التوضيب، ولا أثر لقسوة الجاحدين.
مسكت إيد جوزي، وبصيت للسما وقلت في سري:
“حق العرق ما بيروحش.. والبيت اللي اتبنى بالشقاء والحلال، ما يهدموش غير صاحب الفضل فيه!”
وهنا.. ابتديت أكتب أول فصل في حياتي بجد، مرفوعة الراس، وسيدة بيتي وقراري.