جوزي نصب ع اخوه ج3 حكايات روماني مكرم
**الجزء السادس**
تامر أول ما سمع كلام أحمد أخويا، اتجنن وسكت ثواني من الصدمة، وبعدها قفل السكة وهو بيصرخ وبيهدد إنه هيرفع قضية سرقة. بس تهديداته كانت زي فقاعة الهواء، لأن كبارات العيلة وعمامه كانوا خلاص غسلوا إيدهم منه تماماً ومبقاش ليه ظهر ولا كلمة في بيت العيلة.
مرّت أيام، وتامر كان بياكل في نفسه، الخزنة مقفولة ومش عارف يوصل للفلوس ولا عقود الشقة، وكل ما يحاول يقرب من بيت أبويا، أحمد أخويا والرجالة يوقفوا له زي السد المنيع.
في يوم، الباب خبط في بيت أبويا. أحمد فتح، وكان اللي واقف برة هو مصطفى سلفي، وبصحبته الحاج عبد الصمد عمهم الكبير.
أبويا رحّب بيهم ودخلهم الصالة، ومصطفى كان واجم، حاطط وشه في الأرض من الخجل. بعد ما شربوا القهوة، الحاج عبد الصمد اتكلم وقال:
* “يا حاج منصور.. إحنا جايين النهاردة في حق وواجب. تامر أخونا وربنا يهديه للحق اللي أكل منه، بس سمر بنتك أثبتت إنها بألف راجل، ووقفت جنب الحق ودينها في الوقت اللي كان ممكن تبيع فيه ضميرها عشان تعيش مستورة.”
مصطفى رفع رأسه، وعينيه كانت مليانة احترام وتقدير كبير، وبص لأبويا بصوت ثابت وواثق:
* “عمي الحاج منصور.. أنا طالع النهاردة وطالب قربك وطالب إيد ست البنات، سمر. سمر أختي في الأصول ووقفتها معايا دي دين في رقبتي لحد ما أموت. أنا عارف إنها لسه طالعة من تجربة قاسية وتامر طلقها بالثلاثة واستوفى كل شهور عدتها، بس أنا مش شايف في الدنيا كلها أصلح ولا أطهر منها تصون بيتي وتربي عيالي.”
أبويا اتفاجئ بالطلب، وبص لأحمد وبعدين بص لمصطفى وقال بوقار:
* “يا مصطفى يا بني.. أنت راجل وشهم وما شفناش منك غير كل خير، بس سمر مرّت بظروف صعبة، وتامر أخوك… مش خايف من كلام الناس والقيل والقال؟”
مصطفى اتعدل في قعدته وقاطعه بقوة وثبات:
* “كلام الناس تحت رجليا يا عمي! تامر هو اللي خسرها وهو اللي أكل حقي ورماها بالباطل، أما سمر فدي بنت أصول والذهب الأصلي ما يغيروش التراب. أنا شاريها على دينها وأصلها وشهامتها، وهكتب لها مهر وقايمة تشيلها فوق الراس، وحقها وحق شهادتها هيكون تاج على رأسي طول العمر.”
أبويا ابتسم ابتسامة هادية وحس بالراحة، وقال:
* “الرأي رأي سمر يا بني.. وإحنا مش هنلاقي راجل يصونها ويقدر أصلها زيك.”
أنا كنت واقفة ورا باب الأوضة، سامعة كل كلمة.. دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة وعوض من ربنا. العوض اللي بيجي بعد الصبر والوقوف مع الحق.
بس وأحنا قاعدين والموضوع بيتحسم بالخير، تليفون أحمد أخويا رن برقم غريب.. أحمد فتح الخط وحطه على السبيكر، وجينا نسمع صوت تامر وهو بيصرخ بصوت مخنوق وراجل مرعوب:
* “أحمد! الحقني يا أحمد! البيت محاصر ومصطفى وعمامي عاوزين يودوني في داهية… الخزنة اتفتحت والمفتاح اللي كان معاكم ضاع مني والشرطة تحت البيت!”
**الجزء السابع**
الصالة كلها سكتت، والصوت المذعور اللي طالع من تليفون أحمد خلى الكل يتبادل النظرات في ذهول. مصطفى اتعدل في قعدته والحاج عبد الصمد حط إيده على عصايته بجمود.
أحمد رد على تامر بصوت بارد كالثلج:
* “شرطة إيه ويا راجل أنت اتجننت ولا إيه؟ أنت بتصرخ ليه كدة؟”
تامر كان بيلهث وصوته بيترعش من الخوف والغل:
* “الشرطة تحت البيت يا أحمد! الملازم ومعاه قوة جايين بتفتيش ومحضر رسمي من النيابة! مصطفى الكلب جابلي المباحث، وبيقولوا إن فيه بلاغ بالنصب والاحتيال والتحفظ على الخزنة! والمفتاح اللي سمر أخدته.. المفتاح فين؟! لو الضابط فتح الخزنة ولقى المليون ونصف هتكون نهايتي!”
مصطفى ابتسم ابتسامة هادية وهو قاعد جنب الحاج عبد الصمد، وقام وقف بكل ثبات، وأخد التليفون من إيد أحمد وحطه على ودنه، وقال بنبرة رجالة ما بتهابش:
* “يا تامر.. المفتاح مش مع سمر، ولا سمر أخدت حاجة من بيتك. المفتاح ده أنا اللي أخدته بيدي من أختك الكبيرة اللي دخلت الشقة تجمع حاجتك، وأنا اللي سلمت المفتاح والبلاغ وقوائم الفلوس للنيابة العامة بنفسي!”
تامر اتصدم على الناحية الثانية، وصوته قطع ثواني قبل ما يصرخ بانهيار:
* “أنت عملت إيه يا مصطفى؟! أنت بتبيع أخوك للشرطة وللسجن؟! عشان واحدة خاينة باعت جوزها؟!”
مصطفى صرخ فيه بصوت هز أركان الصالة:
* “أنت اللي بايع الدين والأصول والدم يا تامر! أنت اللي استقويت على مراتك وعاوز تحلفها زور على المصحف! أنت اللي أكلت شقايا وعرقي في الغربة! أنا ما ظلمتكش، أنا أخدت حقي بالقانون وبرضا كبارات العيلة والعموم كلهم يشهدوا!”
في السكة، اتسمع صوت خبط شديد على باب تامر وصوت ضابط الشرطة بيزعق: “افتح يا تامر بالمرضية بدال ما نكسر الباب!”.. والتليفون اتعلق وتسد الخط بصوت صريخ وتامر بيبكي وينادي على عمامه.
الحاج عبد الصمد هز رأسه بأسف وقال:
* “الظالم لازم يذوق العذاب في الدنيا قبل الآخرة.. تامر اختار طريقه بإيده، وربنا جاب حقك يا مصطفى، وحق سمر اللي أراد يكسرها ويفضحها.”
أبويا بص لمصطفى وقال بوقار:
* “ربنا ينصر الحق يا بني.. ودلوقتي، بعد ما الحق رجع لأصحابه وتامر بينادي على نفسه بالخراب، نرجع لموضوعنا. سمر طلبت مني وقت تفكر، وأنا شايف إن الرد هتاخده منا قريب قوي باللي يرضي الله.”
نزلت دموعي وأنا واقفة ورا الباب.. حسيت إن الدنيا دارت وربنا بياخدلي حقي وحق كل مظلوم في لحظة واحدة. تامر اللي كان مهددني بالشارع والفقر، بقيت الشرطة على بابه، ومصطفى الشهم اللي صان الحق، واقف يطلبني بالحلال وأمام ربنا والناس.
بس وأنا برجع لأوضتي، التليفون في إيدي رن.. رقم غريب جداً.. فتحت الخط بالراحة، ولقيت صوت ست بتعيط وبتبكي بحرقة على الناحية الثانية:
* “الحقيني يا سمر.. أنا اخت تامر.. تامر أغمى عليه والشرطة أخدته على المستشفى وهو بين الحياة والموت!”
**الجزء الثامن (قبل الأخير)**
وقفت مكاني متسمرة، ومسكت التليفون بإيد بتترعش.. صوت أخت تامر وهو بيبكي وبيصرخ في التليفون كان بيقطع القلب، رغم كل الشر والظلم اللي شفته منه، بس حسيت بقشعريرة هزت كياني.
أنا بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مجهد:
* “اهدي يا شيماء وافهميني.. تامر مالوا؟ المستشفى ليه؟!”
شيماء كانت بتتكلم وهي بتلهث وبتبكي بحرقة:
* “تامر أول ما الضابط فتح الخزنة وطلع المليون ونصف وعقود الشقة، وجاي يكلبشه عشان يقتادوه على القسم.. وقع على الأرض ووشه ازرقّ تماماً وما بقاش ينطق! الشرطة طلبت له الإسعاف ونقلوه على العناية المركزة، الدكاترة بيقولوا جاله جلطة شديدة في المخ من زعلة الفلوس والفضيحة! الحقيني يا سمر، هو ملوش حد دلوقتي.. عمامي ومصطفى غسلوا إيدهم منه!”
قفلت الخط وأنا حاسة بركبي بتخبط في بعضها.. خرجت الصالة ووشي أصفر كالأوراق الميتة.
أبويا ومصطفى وأحمد والحاج عبد الصمد بصوا لي باستغراب. أحمد قام وقال:
* “في إيه يا سمر؟ مين اللي كان بيكلمك على التليفون وشك جاب ألوان ليه؟”
أنا بصيت للحاج عبد الصمد ولمصطفى وقلت بصوت متقطع:
* “تامر… تامر جاله جلطة في المخ وهو في العناية المركزة دلوقتي بين الحياة والموت.. بعد ما الشرطة فتحت الخزنة وأخدت الفلوس.”
الصالة خيّم عليها سكون مرعب.. الحاج عبد الصمد غمض عينيه وأسرع بيردد: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. الطمع قلّ ما جمع، وربنا ما بيرضاش بالظلم.”
مصطفى وشه اتغير تماماً.. رغم كل اللي تامر عمله معاه ورغم إنه كان عاوز ياكل شقاه، بس الأخوة والدم أقدم وأقوى من الفلوس. مصطفى نزل رأسه في الأرض والدموع انحبست في عينيه، وقال بصوت مكسور:
* “مهما كان.. ده أخويا الكبير، ومجلس الحق خلاص انفض وحقي رجع بالشرع والقانون.. بس أنا ما أتمناش له الموت ولا الخراب.”
قام مصطفى وقام معاه الحاج عبد الصمد عشان يجرو على المستشفى يطمنوا عليه. ومصطفى قبل ما يخرج من الباب، بص لأبويا ولأحمد وقال بصدق:
* “يا عمي منصور.. طلبي لسمر قائم ومش حيدخل فيه أي طارئ، بس الواجب يحكم عليا أقف جنب أخويا في محنته ومرضه، ولما يقوم بالسلامة وياخد جزاؤه بالقانون، هنيجي نتمم الأصول.”
أبويا طبطب على كتفه وقال:
* “أنت اصيل يا بني.. وربنا يشفيه ويعفو عنه ويكفيك شر الغضب والطمع.”
مرّت الأيام، وتامر محجوز في المستشفى تحت حراسة الشرطة، الجلطة سابت أثرها عليه.. أثر أثقل من السجن؛ تامر اتصاب بشلل نصفي وفقد النطق تماماً! الراجل اللي كان بيصرخ ويهدد ويحلف زور ويقول: “ما أخدتش مليم”.. بقيت عينيه بس هي اللي بتتكلم وتترجى الناس والرحمة، ومش قادر ينطق كلمة واحدة!
سبحان من يعز من يشاء ويذل من يشاء.. الفلوس رجعت لمصطفى بالكامل، والنيابة حفظت حق الجميع، وتامر بقا عبرة لكل واحد يفكر ياكل حق غيره أو يجبر حد على يمين الزور.
وفي يوم جمعة مبارك، بعد ما العدة انتهت تماماً وتامر خرج من المستشفى وراح يعيش مع أخته ترعاه، الباب خبط في بيت أبويا…
كان مصطفى والحاج عبد الصمد ومعاهم المأذون وكبار العيلة جايين يكتبوا الكتاب!
قعدت قدام المراية، وأنا لابسة فستان أبيض هادي، وحاسة إن ربنا بيكافئني بعد الصبر والظلم. المأذون حط إيده في إيد أبويا ومصطفى..
بس وقبل ما المأذون ينطق كلمة “بارك الله لكما”.. الباب اتفتح فجأة، ودخلت شيماء أخت تامر وهي بتصرخ وتولول بصوت هز العمارة كلها!
**الجزء التاسع والأخير**
اتنفض الكل من أماكنهم، والمأذون وقف والورق في إيده. دخلت شيماء أخت تامر، ودموعها نازلة مغرقة وشها، بس المرة دي ما كانتش دموع صريخ وخوف.. كانت دموع اندهام وندم.
الحاج عبد الصمد قام وقف وقال بحدة:
* “في إيه يا شيماء؟! بتولولي ليه في يوم خير وكتب كتاب زي ده؟!”
شيماء قربت بخطوات متسارعة، وقفت قدام مصطفى وسمر وأبوها، ونزلت رأسها في الأرض وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:
* “سامحوني.. أنا مش جاية أوقف الفرح ولا أعمل مشاكل.. أنا جاية بطلب من تامر بنفسه!”
مصطفى اتفاجئ وبص لها باستغراب:
* “تامر؟! تامر عاوز إيه يا شيماء؟ هو مش مش قادر يتكلم؟!”
شيماء طلعت من شنطتها ورقة وقلم ورقية متطبقة، وإيدها بتترعش وهي بتقدمها لمصطفى وسمر، وقالت:
* “تامر صحي النهاردة الصبح، وناداني بإشارته.. طلب مني ورقة وقلم، وقعد ساعة كاملة يكتب الحروف بالعافية وإيده مقطوعة من الشلل.. وكتب الرسالة دي، وأصر بالدموع إني أجيبهالكم قبل ما المأذون يكتب الكتاب!”
مسك مصطفى الورقة، وفتحها وسمر وقفت جنبه تقرأ معاه. الخط كان متعرج وضعيف، بس الكلمات كانت طالعة زي جمر النار من قلب راجل اتكسر:
> *”إلى مصطفى أخويا.. وإلى سمر اللي كانت مراتي:*
> *أنا كتبتلكم الكلمات دي وأنا بين إيدين ربنا.. الذنب قتلني قبل المرض، والشلل اللي أخد لساني كان عقاب ربنا العادل عشان اللسان ده نطق الباطل وكان عاوز يحلفك يا سمر زور على كتاب الله.*
> *يا مصطفى.. سامحني على كل قرش طمعت فيه من شقاك، الفلوس راحت والجسم راحت عافيته وما فضليش غير الخزي.*
> *ويا سمر.. سامحيني على كل تهديد وكلمة ظلم.. أنتِ بنت أصول ووقفتك مع الحق هي اللي نجدت أخويا من الضياع، ومصطفى أولى بيكي وأنتِ تستاهلي راجل يصونك.*
> *سامحوني عشان أعرف أقابل ربنا من غير جبال الذنوب دي على كتفي.”*
>
السكوت خيّم على الصالة تماماً.. مصطفى مسح دمعة نزلت من عينيه، ورغم كل اللي حصل، قلب الأخ حن. بص لشيماء وقال:
* “قوليلو مصطفى مسامحك في حقك وفي شقايا، وربنا يشفيك ويعفو عنك ويتقبل توبتك.”
سمر بصت للورقة واتنهدت تنهيدة طوّلت في صدرها، حسيت إن الحجر اللي كان كاتم على نفسها انزاح تماماً، وقالت بقلب صافي:
* “مسامحاه لله.. وربنا يتولاه برحمته.”
شيماء مسحت دموعها وأخدت نفس عميق، وباركت ليهم ومشت وهي حاسة إن العيلة أخيراً صفيت من الغل.
قعد المأذون مكان تاني، وحط إيد مصطفى في إيد الحاج منصور والد سمر.. وانطلقت الكلمات المباركة: *”بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”*.
الزغاريد ملأت البيت، ومصطفى بص لسمر بنظرة مليانة حب واحترام وتقدير، ومسك إيدها وقال:
* “أنتِ مش بس مراتي يا سمر.. أنتِ تاج راسي والأصل الطيب اللي هيبنى عليه بيتي.”
### **الحكمة من القصة**
> **”مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ”**
>
* **شهادة الحق نجاة:** الوقوف مع الحق قد يبدو مكلفاً في اللحظة الأولى وقد يهدد بسترك أو استقرارك الظاهري، لكنه في الحقيقة هو النجاة الوحيدة في الدنيا والآخرة. سمر خسرت بيتاً ظالماً ولكنها كسبت كرامتها ودينها وعوضاً كريماً.
* **اليمين الفاجر يورث الخراب:** الطمع واليمين الكاذب لا يجلبان رزقاً ولا يحميان مالاً، بل يمحقان البركة ويورثان الصغار والمرض والندم كما حدث مع تامر.
* **العوض الإلهي حتمي:** من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ سمر تمسكت بكتاب الله، فعوضها الله برجل صينها وقدر أصلها الطيب.