جوزى طلقنى 3 ندى الجمل

الفصل الثامن
فضلت باصة لهبة وأنا حاسة إني مش قادرة أصدق اللي سمعته.
قلت بهدوء: “إنتِ قولتي إيه؟”
مسحت دموعها وقالت: “أنا كنت مراته… قبل ما يتجوزك.”
بصيت لأبويا، ولقيته هو كمان مصدوم.
قلت: “بس كريم قالي قبل جوازنا إنه عمره ما اتجوز.”
هبة طلعت صورة من شنطتها وحطتها قدامي.
كانت صورة فرحها هي وكريم.
الصورة قديمة، لكن مفيهاش أي شك.
بعدها طلعت قسيمة طلاق رسمية.
وقالت: “اتجوزني وأنا عندي واحد وعشرين سنة، وبعد سنتين طلقني.”
سألتها: “ليه مخبتيش؟”
ابتسمت بحزن وقالت: “أنا مخبيتش… هو اللي كان بيقول لأي حد يسأل إنه أول مرة يتجوز.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“أنا مجتش عشان أنتقم منه… أنا جيت عشان أحذرك.”
استغربت.
“تحذريني من إيه؟”
قالت: “كريم عمره ما بيطلق ست إلا لما يضمن غيرها… وبيسيب كل واحدة وهي فاكرة إنها الغلطانة.”
الكلام لمس قلبي.
لأنه كان نفس اللي حصل معايا.
سألتها: “إنتِ تعرفي ياسمين؟”
هزت راسها بالنفي.
“لأ… لكن أعرف كريم كويس. وأعرف إنه مستحيل يكتفي بواحدة.”
في اللحظة دي، رن تليفون هبة.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
قفلت المكالمة بسرعة.
قلت: “مين؟”
ردت بتوتر:
“كريم.”
أنا وأبويا بصينا لبعض.
قلت: “ردي عليه.”
قالت: “لو عرف إني عندك هيعمل مشكلة.”
قلت بحزم: “ردي… وسيبي السماعة مفتوحة.”
أخدت نفس عميق، وردت.
أول ما فتح الخط، سمعنا صوت كريم وهو بيقول بعصبية:
“إنتِ فين يا هبة؟! قولتلك متدخليش في حياتي تاني!”
سكتت هبة.
فكمل وهو بيقول:
“إوعي تكوني رحتي لنور… فاهمة؟ لو عرفتها أي حاجة، هتندمي!”
وقتها… اتأكدت إن هبة كانت بتقول الحقيقة، وإن كريم لسه خايف من حاجة أكبر بكتير من مجرد طلاقه ليا.
وكان السؤال اللي شغلني: يا ترى إيه السر اللي كريم مستميت يخبيه؟
الفصل التاسع
أشارت هبة بإيدها إنها هتقفل المكالمة، وقفلت فعلًا.
الصالون غرق في صمت ثقيل.
أنا أول واحدة اتكلمت.
“هو خايف من إيه؟”
هبة أخدت نفس طويل وقالت:
“خايف إنك تعرفي الحقيقة اللي خبّاها عنك من أول يوم.”
عقدت حواجبي.
“حقيقة إيه؟”
قالت وهي باصة في الأرض:
“قبل ما يتجوزك، كان مديون بمبلغ كبير جدًا.”
أبويا سأل باستغراب:
“وده إيه علاقته بنور؟”
هبة قالت:
“لما اتجوزها، كان محتاج يبدأ من جديد. وأهلها شافوه شاب محترم، فسمعته اتصلحت وسط الناس.”
بصيت لها بعدم فهم.
“يعني اتجوزني عشان صورته قدام الناس؟”
هزت رأسها وقالت:
“وفي سبب تاني…”
“إيه هو؟”
“فلوس.”
استغربت.
“فلوس إيه؟”
قالت:
“أنتِ فاكرة الشقة اللي اشتريتوها بعد الجواز؟”
“أيوه.”
“مين دفع مقدمها؟”
افتكرت…
أنا.
لما بعنا دهبي، وحطيت كل تحويشة شغلي، وقلت له وقتها:
“إحنا بنبني مستقبلنا.”
حسيت بغصة في قلبي.
هبة كملت:
“كريم كان بيستغل أي واحدة يتجوزها. يخليها تشارك معاه في تأسيس حياته، ولما يقف على رجله… يدور على غيرها.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“وده اللي عمله معايا… والظاهر كرره معاكي.”
كنت حاسة إن كل ذكرى جميلة بيني وبينه بتتكسر قدامي.
وفجأة…
رن تليفوني.
كان رقم كريم.
بصيت للشاشة شوية، وبعدين رديت.
جالي صوته هادي بشكل غريب.
“نور… محتاج أقابلك.”
قلت ببرود:
“مفيش بيني وبينك كلام.”
قال:
“فيه حاجات لازم تعرفيها.”
“اتأخرت.”
“صدقيني… مش كل اللي سمعتيه حقيقي.”
ضحكت لأول مرة من يوم الطلاق.
ضحكة كلها سخرية.
“يعني إيه؟ مش متجوز ياسمين؟ ولا مطلقتني؟”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا غلطت… بس ياسمين ضحكت عليا.”
ساعتها هبة ابتسمت ابتسامة خفيفة، كأنها كانت متوقعة الجملة دي.
أما أنا فقلت:
“الغلط الوحيد اللي عملته… إني وثقت فيك.”
وقفلت المكالمة في وشه.
بعد أقل من دقيقة…
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كان فيها صورة.
أول ما شفتها، اتسعت عيني من الصدمة.
الصورة كانت لياسمين… وهي قاعدة مع شاب غريب، وإيده في إيدها.
وكان تاريخ الصورة…
قبل أسبوع واحد فقط من زواجها السري من كريم.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
وقلت في سري:
“واضح إن يا ياسمين… إنتِ كمان مخبية أسرار.”
الفصل العاشر
فضلت أبص للصورة أكتر من مرة.
كبرتها…
وصغرتها…
يمكن أكون فاهمة غلط.
لكن مفيش شك.
ياسمين كانت قاعدة في كافيه، ماسكة إيد شاب، ووشها مليان ابتسامة عمرها ما ابتسمتهالي.
أبويا أخد التليفون من إيدي، وبص للصورة.
قال: “مين الراجل ده؟”
هزيت راسي.
“معرفوش.”
في نفس اللحظة، رن تليفون الأستاذ شريف.
رديت بسرعة.
قال: “وصلتك الصورة؟”
“أيوه.”
“الشخص اللي بعت الملف بعت الصورة دي كمان، وقالك متتسرعيش.”
سألته: “مين هو؟”
تنهد وقال: “للأسف لسه رافض يكشف عن نفسه.”
قفلت المكالمة، لكن المرة دي كنت متأكدة إن الشخص ده قريب جدًا من كريم وياسمين.
ولازم يكون عارف أسرارهم.
في الناحية التانية…
كان كريم قاعد في شقته، وعصبيته باينة على وشه.
ياسمين خرجت من الأوضة وقالت:
“مالك؟”
رمى التليفون على الكنبة بعصبية.
“حد بيلعب بينا.”
استغربت.
“يعني إيه؟”
“في حد بعت لنور مستندات وصور.”
وش ياسمين اصفر.
“إيه مستندات؟”
“مش عارف… بس أكيد حد من اللي حوالينا.”
حاولت تبان هادية.
“يمكن بتخوفك وخلاص.”
بصلها نظرة طويلة وقال:
“إنتِ متأكدة إن مفيش حاجة مخبياها عني؟”
توترت للحظة، لكن بسرعة قالت:
“أكيد لأ.”
اكتفى بهزة رأس، لكن الشك دخل قلبه.
في اليوم التالي…
كنت قاعدة في البيت، لقيت رسالة على واتساب من نفس الرقم المجهول.
المرة دي مكنتش صورة.
كان عنوان فقط.
ومكتوب تحته:
“روحي الساعة خمسة مساءً… وهتعرفي الحقيقة كلها.”
أبويا رفض في البداية.
قال: “مفيش خروج. ممكن يكون فخ.”
لكن الأستاذ شريف قال إنه هيجي معانا.
الساعة خمسة بالظبط…
وصلنا العنوان.
كان كافيه هادي في منطقة راقية.
دخلنا، وبصيت حواليّا.
وفجأة…
راجل لابس كاب ونضارة شمس، قام من على ترابيزة في آخر الكافيه.
قرب مننا، وقال بصوت هادي:
“أستاذة نور؟”
“أيوه.”
بص حواليه يتأكد إن محدش بيراقبه.
وبعدين مدلي فلاشة صغيرة.
وقال:
“كل إجابات أسئلتك هنا.”
قلت بسرعة:
“إنت مين؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“أنا… الشخص اللي كان شريك كريم.”
اتسعت عيني.
لكنه كمل قبل ما أسأله أي حاجة:
“وكمان… أنا السبب الحقيقي إن كريم عرف ياسمين.”
ثم لف وخرج بسرعة من الكافيه، قبل ما ألحق أوقفه.
بصيت للفلاشة اللي في إيدي، وأنا حاسة إن الحقيقة اللي جواها هتغيّر كل حاجة… للأبد.
الفصل قبل الأخير
طول الطريق للبيت، كنت ماسكة الفلاشة بإيدي، وحاسة إنها تقيلة كأنها شايلة عمري كله.
أبويا كان سايق، والأستاذ شريف قاعد جنبي، وكل واحد فينا ساكت.
أول ما وصلنا، دخلنا مكتب الأستاذ شريف، ووصل الفلاشة بالكمبيوتر.
ظهرت ملفات كتير.
صور…
تسجيلات…
ورسائل.
لكن أكتر ملف لفت انتباهنا كان اسمه:
“الحقيقة كاملة”.
فتحناه…
وظهر فيديو لرجل في الأربعينات، هو نفس الشخص اللي قابلني في الكافيه.
قال في الفيديو:
“لو الفيديو ده اتفتح، يبقى معناه إن كريم عرف إني هكشفه، ويمكن أكون سافرت أو اختفيت. أنا اسمي حسام، وكنت شريكه في شركة تشطيبات.”
بدأ يحكي كل حاجة.
قال إن كريم من أول يوم كان بيعتبر الجواز وسيلة يحقق بيها مصالحه.
لما اتجوز هبة، استغل فلوسها، وبعد ما استقرت أحواله طلقها.
ولما اتعرف على نور، عرف إنها بنت محترمة، وأهلها واقفين جنبها، وعندها شوية ذهب ومدخرات، فقرر يتجوزها ويبدأ بيها من جديد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما قال:
“اللي قرب بين كريم وياسمين… مكانش الحب.”
بصيت للشاشة وأنا حبسة أنفاسي.
كمل حسام:
“ياسمين هي اللي جرت وراه.”
اتجمدت في مكاني.
فتح ملف رسائل بينهم.
كانت الرسائل راجعة قبل جوازهم بأكتر من سنة.
أول رسالة من ياسمين كانت:
“أنا بحبه من زمان… ولو اتجوزته هعمل أي حاجة.”
وبعدها بشهور، رسالة تانية:
“نور عمرها ما هتعرف حاجة… وأنا هدخل بيتها كل يوم لحد ما يبقى ليا.”
دموعي نزلت غصب عني.
كنت فاكرة إن اللي بينا كان حب وأخوة.
طلعت كانت بتخطط لكل ده من البداية.
لكن آخر ملف هو اللي قلب كل الموازين.
كان تسجيل صوتي بين كريم وياسمين.
سمعنا صوت ياسمين وهي بتقول:
“طلقها يوم فرح أخوها… عايزة أشوفها مكسورة قدام الناس.”
ورد كريم:
“مش هتكون قاسية شوية؟”
ضحكت وقالت:
“زي ما كانت فرحانة بجوازها منك، أنا عايزة أشوفها وهي بتخسر كل حاجة في يوم واحد.”
أبويا ضرب المكتب بإيده من شدة الغضب.
أما الأستاذ شريف فقال:
“التسجيل ده، مع الرسائل، هيبقوا دليل مهم لو احتجناهم في أي قضية.”
قفلت اللاب توب، ومسحت دموعي.
لكن لأول مرة من يوم الطلاق…
ماكنتش بعيط على كريم.
كنت بعيط على نفسي…
على ثقتي…
وعلى سنين عمري اللي ضاعت مع ناس ميستحقوش.
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
فتح أبويا.
وبعد ثوانٍ دخل كريم.
كان وشه شاحب، وعينيه مليانة خوف.
وقف قدامي وقال بصوت مكسور:
“نور… ياسمين سابتني وهربت.”
الفصل الأخير
بصيت لكريم من غير أي تعبير.
من كام يوم، كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان يسمعني ويصدقني.
أما النهارده… بقيت مستغربة إزاي حبي ليه اختفى بالسرعة دي.
أبويا وقف قدامه وقال بغضب:
“إنت جاي تعمل إيه هنا؟”
كريم قال بصوت مهزوز:
“أنا عايز أتكلم مع نور خمس دقايق.”
أبويا كان هيرفض، لكني قلت بهدوء:
“سيبه يتكلم… خلاص مبقاش يهمني.”
دخل وقعد قدامي، وشكله كان مختلف تمامًا عن الراجل اللي طلقني بمنتهى البرود يوم فرح أخويا.
قال:
“ياسمين أخدت كل فلوسي.”
بصيتله وسكت.
كمل:
“باعت العربية… وسحبت من حسابي مبلغ كبير، واختفت.”
قلت ببرود:
“وبعدين؟”
قال وهو منزل رأسه:
“اكتشفت إنها ماكنتش حامل أصلًا.”
رفعت حاجبي باستغراب.
“إيه؟”
طلع من جيبه ورقة، ومدها ليا.
“تحاليل… كلها كانت مزورة.”
افتكرت يوم وقفت قدامي بابتسامة شماتة وهي بتقول إنها حامل.
كانت كذبة… علشان يوافق يطلقني ويتجوزها من غير تردد.
كريم مسح دموعه وقال:
“أنا اتضحك عليا.”
ابتسمت لأول مرة، لكن ابتسامة كلها مرارة.
“لأ يا كريم… إنت ما اتضحكش عليك.”
بصلي باستغراب.
قلت:
“إنت خنت مراتك بإرادتك… واتجوزت أقرب واحدة ليا بإرادتك… وطلقتني يوم فرح أخويا بإرادتك.”
سكت.
كملت:
“الفرق الوحيد إن الدور جه عليك.”
نزل دموعه وقال:
“سامحيني.”
هزيت رأسي.
“أنا سامحتك عشان أعرف أعيش… لكن مستحيل أرجعلك.”
في اللحظة دي، دخل الأستاذ شريف وقال:
“في خبر لازم تعرفوه.”
بصيناله.
قال:
“الشرطة قبضت على ياسمين في المطار.”
اتسعت عيون كريم.
كمل الأستاذ شريف:
“كانت بتحاول تسافر، ومعاها جزء من الفلوس والمجوهرات.”
نزل كريم على الكرسي وهو حاطط إيده على وشه.
أما أنا…
فأخدت نفس عميق لأول مرة من يوم الطلاق.
بعد شهرين…
رجعت لشغلي.
رجعت أضحك.
رجعت أهتم بنفسي.
وأخويا أحمد عمل حفلة صغيرة في البيت، وقال قدام العيلة كلها:
“النهارده بنحتفل برجوع أختي للحياة.”
ابتسمت وأنا وسط أهلي.
اكتشفت إن الإنسان ممكن يخسر زوج…
لكن لما يكون حواليه أهل بيحبوه بجد، عمره ما بيخسر نفسه.
وبعد سنة كاملة…
وأنا خارجة من شغلي، قابلت كريم بالصدفة.
كان ماشي لوحده، وشعره كله شاب، وملامحه متغيرة.
بصلي، لكن أنا اكتفيت بإيماءة بسيطة، وكملت طريقي.
ناداني:
“نور…”
وقفت لحظة.
قال:
“أنا خسرت كل حاجة.”
ابتسمت بهدوء، وقلت:
“لأ يا كريم… إنت خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت بتحبك بصدق.”
لفيت ومشيت.
المرة دي… من غير دموع.
ومن غير وجع.
ومن غير ما أبص ورايا.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *