٨ سنين 4 رومانى مكرم

 

دخلت الشقة وبابها اتقفل عليا أنا وعيالي بحكم القانون وقوة الشرطة. الشقة اللي عشت فيها ثمان سنين بدماء قلبي، رجعتلها المرة دي مش زوجة مقهورة بتستجدى الرضا، لكن كأم مرفوعة الرأس محمية بقوة حظر وتعهد بعدم التعرض.

حماتي فوق في شقتها ما استحملتش الفكرة. كانت فاكرة إن التمكين مجرد ورقة على ورق، وإنها بأسلوبها القديم تقدر تطفشني أو تخوفني وتخليني ألم هدومي وأمشي تاني.

ثاني يوم على طول، سمعت خبط شديد ورزع على باب الشقة، صوت حماتي جايب آخر الشارع:

ـ “افتحي يا بت! فاكرة نفسك بقيتي صاحبة بيت بحتة ورقة من المحكمة؟! دا بيت ابني وشقا عمره، والله ما أنتِ قاعدة فيها يوم واحد يا بعيدة!”

فتحت الباب ببرود تام، ووقفت على العتبة مسكت تليفوني في إيدي، وبصيتلها بثبات يهد الجبال:

ـ “اسمعي يا حماتي.. المحضر والشرطة بلغوكم إن أي تعرض ليا أو للعيال في الشقة دي معناه بلاغ كسر تعهد وممكن يتسجن فيه محمود أو أي حد يضايقني. التليفون دا بيسجل دلوقتي، ولو ما مشيتيش من قدام الباب بكرامتك، هطلب النجدة فوراً والتسجيل دا هيروح للنيابة!”

حماتي اتفاجأت بالنشفان واللغة الجديدة، وقفت تتنطط من الغيظ وعينيها طالع منها شرار:

ـ “بتتهدديني بالشرطة يا بنت فلان؟! بقيتي تعملي علينا معلمة؟! بكره ابني يطلقك ويسيبلك الشقة خاوية على عروشها وما تلاقيش مليم تاكليه أنتِ وعيالك!”

قغلت الباب في وشها بهدوء ومن غير ما أرد بكلمة زييدة. عرفت ساعتها إن الضعيف بس هو اللي بيصرخ، أما القوي فبيسيب القانون والأفعال هي اللي تتكلم.

في نفس الأسبوع، سلفتي كانت لسة قاعدة عند أهلها، وسليمان جوزها رفض يرجعها إلا بشرط إنها تنزل تعتذر لأبوي ولعيلتي عن الفضيحة اللي تسببت فيها، وإنها ما تحطش إيدها في حاجة تخص بيت حماتها ولا تتشرط تاني. أختها وأمها حاولوا يضغطوا على سليمان، بس سليمان كان قاطع وقالهم: “اللي تطفش مرات أخويا الأصيلة وتخرب البيت، ما يتقعدش معاها في مكان واحد إلا لما تتعلم الأصول!”

أما محمود، فكانت حياته عبارة عن دوامة نكد. الشقة اللي عند أمه بقت مزبلة، أمه مش قادرة تتحرك ولا تطبخ، وهو بيلف على المطاعم يأكل، وكل ما ينزل السلم ويعدي من قدام باب شقتي ويسمع صوت عياله بيلعبوا ويدحكوا جوة معززين، قلبه يتقطع من الندم والحسرة.

جت ليلة جلسة الطلاق للضرر والمؤخر ونفقة العيال.

القاعة كانت مليانة، ووقفت أنا وأبوي والمحامي في ناحية، ومحمود ومحاميه في الناحية الثانية. محمود كان شكله يعرّي؛ هدومه مش متظبطة، وشحه أصفر، وعينيه دبلانة.

القاضي نصبه الميزان، وبدأ يسأل ويتفحص أوراق التقارير الطبية وشهادة الجيران عن واقعة الطرد والضرب ونفقة علاج الواد.

محامي محمود حاول يناور ويقول إن الزوجة هي اللي سابت البيت ومتمردة، بس المحامي بتاعي قدم تسجيل المكالمة وتقرير المستشفى وشهادة شهود الجلسة العرفية اللي أثبتت إن الضرب والإهانة كانا بسبب رفضها تتخدم عند سلفتها!

القاضي بص لمحمود بنظرة تحقير وقال بصوت هز القاعة:

ـ “الزوج أهان زوجته واعتدى عليها بالضرب واستغل صبرها لخدمة غيرها دون وجه حق، وثبت الضرر المادي والمعنوي.”

وبدأ القاضي ينطق بالأحكام الأولى: إلزام محمود بنفقة شهرية محترمة للعيال، وسداد كافة مصاريف العلاج السابقة، وتأجيل نطق حكم الطلاق النهائي للجلسة القادمة لاستكمال أوراق المؤخر وسكن الحضالة!

خرجنا من القاعة، ومحمود جرى ورايا في الطارقة، ومسك في دراع أخويا أحمد وهو بيعيط بالدموع قدام الناس:

ـ “يا أحمد عشان خاطر ربنا! بلاش الطلاق.. اعتبرني أخوك الصغير وغلطت! مستعد أعملكم كل اللي عايزينه، بس بلاش تخربوا بيتي خالص!”

أحمد زق إيده بهدوء وقال: “اللي بيخرب بيته بإيده يا محمود.. ما يطلبش من الناس تبنيهوله تاني. أنت اخترت أمك وسلفتك على كرامة مراتك.. ودلوقتي شرب من كاسك!”

بصيت لمحمود ونزلت عيني عنه، ومشيت وأنا عارفة إن الجلسة الجاية هي جلسة القطع الفعلي للرباط اللي جمعنا ثمان سنين، وإن خطوتي الجاية مش بس طلاق.. دي بداية مشروعي وحياتي الجديدة اللي هبنيها بعيد عن قهرهم!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

**الجزء الثامن**

مر الشهر الفاصل بين الجلسات وكأنه دهر على محمود وأمه، لكنه كان بالنسبة لي فترة ترتيب أوراق وبداية استعادة نفسي. الشقة كانت هادية، عيالي صحفوا ورجعوا لضحكتهم ولعبهم، وأنا بدأت أحسب كل خطوة بحساب الجوهرجي.

في الناحية الثانية، كان البيت عندهم فوق بيغلي. سلفتي بعد ما ولدت جابت ولد، وضغطت على أهلها عشان يرجعوها. سليمان وافق ترجع لكن بشروط قاسية: تسكن في شقتها وماتنزلش عند أمه إلا للضرورة، ومايكونش ليها أي طلبات من أي حد.

أول ما رجعت السلفة بالمولود الجديد، افتكرت إن الدنيا هترجع لعهدها الأول، وإن حماتي هتشيلها وتحطها. بس اتفاجأت بواقع تاني خالص! حماتي كانت كبرت وتعبت من النكد والشيل والحط، ومبقتش قادرة حتى تعمل لقمة أكل لنفسها، ومحمود بقى راجع طالع من الشغل كئيب ومهموم ومش طايق كلمة من حد.

أول احتكاك حصل بينهم، لما سلفتي نزلت المولود لحماتي وقالتلها:

ـ “يا حماتي امسكي الولد شوية عقبال ما أروق الشقة وأطبخ لسليمان.”

حماتي زقتها بعصبية وزعقت فيها بصوت سمعته وأنا قاعدة في شقتي:

ـ “شيلي ابنك عني يا بت أنتِ! أنا مش دادة عند حد، ولا حيلتي حيل شيل وحط! ما كفاية خراب البيت اللي جابتهولنا من يوم ما دخلتِ علينا! بسببتك البيت اتقرب وخسرنا بنت الأصول اللي كانت شايلانا!”

سلفتي وقفت مصدومة ولسانها اتعقد، والست اللي كانت فاكرة إنها “عروسة العيلة الدلوعة” اكتشفت إنها بقت المغضوب عليها، وإن الكل بيبصلها على إنها السبب في الفضيحة وخراب البيت وشتات العيال!

أما أنا، ففي الفترة دي ما قعدتش أحط إيدي على خدي أستنى حكم النفقة. أخدت جزء من تحويشة صغيرة كنت شايلاها، وبدأتها بمشروع صغير من قلب شقتي؛ تجهيز وجبات أكل بيتي ومخبوزات شرقية للمناسبات وللموظفات في المنطقة. أخي أحمد عملي صفحة على الفيسبوك، وبفضل الله ونظافة شغلي وأمانتي، الطلبات بدأت تزيد يوم عن يوم، وبقى ليا دخل مستقل يخليني مش محتاجة أمد إيدي لمحمود ولا لغيره.

وجاء يوم الجلسة الفاصلة.. جلسة الطلاق النهائي واستلام المؤخر.

دخلنا القاعة، القاضي ندى على القضايا، ووقفنا قدامه. محامي محمود حاول للمرة الأخيرة يطلب مهلة للصلح، بس أبوي وقف وقال بكل ثبات:

ـ “يا سيادة القاضي، بنتنا أخدت قرارها، والضرر أثبتناه، والصلح مع راجل رفع إيده على مراته عشان يرضي طمع غيرها مابقاش ممكن.”

القاضي بص في الأوراق، وخبط بالمطرقة خبطة هزت أركان القاعة، ونطق بالحكم الفاصل:

ـ “حكمت المحكمة تطليق المرفوع ضدها طلاقاً بائنا للضرر، وإلزام المطلق بآداء كافة مستحقاتها الشرعية من مؤخر ونفقة متعة وحضانة، مع استمرار تمكينها من مسكن الحضالة!”

في اللحظة دي، حسيت كأن جبل تقيل اتزاح عن صدري. بصيت لمحمود، شفته واقف متسمر في مكانه، الدموع هربت من عينيه وهو شايف ثمان سنين بيتقفل بابهم للابد، وعارف إن اللي ضيعه بجهله وأنسيقه ورا كلام أمه مش هيتعوض تاني أبداً.

قرب مني قبل ما أخرج من القاعة، وصوته بيترعش من القهر:

ـ “خلاص كده يا أم فلان؟ بقينا أغراب؟”

رديت عليه وأنا حاطة وشي في عينيه بكل قوة وثبات:

ـ “إحنا بقينا أغراب من يوم ما رفعت إيدك عليا يا محمود.. اليوم دا أنت بعت، والنهاردة أنا استلمت ثمن البيعة!”

خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد أبوي وأخويا، وراسي مرفوعة للسماء. رجعت شقتي، واستلمت طلبية كبيرة لمشروعي، وبدأت أجهزها وأنا بسمع صوت عيالي بيلعبوا حوليّ بكرامة وأمان.

الحكاية كانت قربت توصل لمحطتها الأخيرة.. خطوة واحدة فاضلة عشان يتقفل الفصل دا بالكامل وتفتتح الحياة الجديدة على نظافة!

**الجزء التاسع والأخير**

مرت سنة كاملة على يوم الطلاق.. سنة كانت كفيلة بأن تبدل أحوالي من حال إلى حال، وتثبت لي إن الرب لما بياخد حاجة بالظلم، بيبدلها بالأحسن والأعز.

مشروعي الصغير بتاع الأكل البيتي كبر بفضل الله وتوفيقه؛ ما بقتش مجرد ست بتطبخ في شقتها، فتحت محل صغير للمخبوزات والوجبات الجاهزة في الشارع الرئيسي بالمنطقة، واستعنت بتلات ستات معايا يساعدوني وبقى ليهم باب رزق من ورايا. بقيت أصحى كل يوم الفجر وأنا حاسة بقمة الفخر والحرية، ما حدش بيكسر عيني ولا يؤمرني ولا يقلل من كرامتي، وعيالي كبروا ودخلوا أفضل مدارس، وعايشين في عز وكرامة وأمان.

في المقابل، الديرة دارت على العيلة إياها وجابتهم الأرض.

سليمان—جوز سلفتي—ما استحملش النكد والمشاكل اللي ما بتخلصش بين أمه ومراته، وقرر يرجع الكويت وياخد مراته معاه عشان يخلص من قرف العيلة ووجع الراس، وسابوا أمه قاعدة في الشقة لوحدها، لا حيل ليها ولا قوة، مالهاش حد يخدمها ولا يعملها لقمة أكل، بعد ما طردت البنت الأصيلة اللي كانت شايلتة ثمان سنين من غير كلمة.

أما محمود، فذاق المر ألوان. النفقة والمؤخر ومصاريف المحاكم أكلوا شقاه، وبقى عايش مع أمه الخرفانة المريضة، يرجع من شغله طاحن نفسه عشان يطبخلها وينضف تحت رجلها ويغسل هدومها، يذوق بنفسه التعب والإهانة اللي كان يفرضه عليا وعايزني أعمله لسلفتي!

في يوم من الأيام، كنت نازلة من العمارة رايحة شغلي، متأنقة ومرفوعة الرأس، ومعايا عيالي لابسين أنضف لبس ورايحين تمارينهم. اتفاجأت بمحمود نازل على السلم، شكله كبر عشر سنين، ظهره منحني، وشحه شاحب، وهدومه مش متظضباطة.

أول ما شافني وشاف العيال ونظافة عيشتهم والراحة اللي باينة عليا، اتسمر على السلم وعينيه اتملت دموع ندم وقهر.

قرب خطوة بصوت مكسور يقطع القلب:

ـ “ما شاء الله يا أم فلان.. بقيتِ حاجة كبيرة أوي، والعيال بقى شكلهم يفرح.. أنا أكلت نفسي بالندم يا بنت الناس، أقسم بالله الدنيا لفت بيا وشربت من نفس الكاس اللي سقيتهولك.”

بصيتله بهدوء وثبات تام، من غير كره ولا تشفي، بل بنظرة شفقة على راجل ضيع بيته وكرامته بإيده:

ـ “الحمد لله يا محمود.. ربنا ما بيبقاش ظلام للعبيد. أنت اخترت الظلم وجحدت الفضل، وأنا اخترت كرامتي وربنا، وكل واحد فينا أخد اللي اختاره.”

محمود مسح دموعه بكسرة وقال:

ـ “أمي فوق مسنودة على السرير ومبقتش تقوى تحرك دراعها، وكل يوم تبكي وتقول ‘سامحيني يا بنت فلان.. أنا اللي فتحت على ابني باب الجحيم’.. نفسك تسامحيها يا بنت الناس؟”

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقولتله وأنا باخد عيالي في إيدي وبنزل السلم بخطوة واثقة:

ـ “ربنا هو اللي بيسامح يا محمود.. أما أنا فسبت حقي لعدالة السماء، والحمد لله إن حسبي ونعم الوكيل جابتلي حقي تالت ومتالت في الدنيا قبل الآخرة.”

خرجت للشارع والشمس كانت مالية الدنيا ضفء وأمل، ركبت عربيتي الصغيرة اللي اشتريتها من شقايا وعرقي، وبصيت لعيالي في المراية لقيتهم بيضحكوا.

عرفت ساعتها إن النهاية مش دايماً بتكون بالرجوع والصلح المزيف.. النهاية الحقيقية هي إنك تسترد كرامتك، وتبني نفسك من جديد، وتعيش عزيز النفس.. والكتف اللي يشيل القهر ثمان سنين، قادري يهد المعبد وينور حياته من جديد!

**تمت**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *