حماتي حكايات بسمه

في البداية، كنت أشعر بالضيق الشديد والظلم. كيف تتحول الضحية التي استُنزفت مالياً ونفسياً لسنوات إلى جانية وبخيلة في نظر الجميع؟

لكنني قررت ألا أقف في موقف الدفاع بعد الآن.

جاءت المناسبة التالية سريعًا: سبوع مولود جديد لأحد أقارب زوجي. كان الكبار والصغار مجتمعين في بيت الجد الأكبر للعائلة. حماتي كانت تجلس في صدارة المجلس، وحولها النساء، وكانت تتعمد إلقاء الكلمات والتلميحات وهي تنظر إليّ: “الله يرحم أيام زمان، كان البيت مفتوح للكل، بس يلا.. الزمان اتغير والناس بقت تحسب اللقمة والحسنة.”

همس النساء بدأ يعلو، والأنظار اتجهت إليّ في انتظار رد فعلي. كانوا يتوقعون أن أتنصل، أو أعتذر، أو أدخل في شجار.

وقفت بهدوء، وأخرجت من حقيبتي مظروفاً مغلقاً. مشيت بخطوات وثيقة نحو منتصف المجلس، ووجهت كلامي لجميع الحاضرين بصوت واضح وسميع:

“يا جماعة، بما إن ماما بتتكلم عن الكرم والبيوت المفتوحة، وعن الحسبة واللقمة، أنا حابة أوضح حاجة بسيطة جدًا عشان محدش يفهم غلط أو يظن إننا نقصر في حق حد.”

سكت الجميع، ونظرت حماتي إليّ بتوجس مفاجئ.

تابعت حديثي: “أنا طول عمر بحب البيت المليان والضيوف، ومن يوم ما دخلت العائلة وأنا بعتبر بيت محمد هو بيتكم كلكم. بس لما الموضوع يتحول من كرم وعشم، لـ امتحان واستنزاف، هنا لازم أقف. ماما كانت بتعزم بعشرات الأشخاص من غير ما تقولي، وأنا اللي بجهز وبدفع من مصروفي الخاص وورثي. ومع ذلك سكت ورضيت، لحد ما وصلتني الرسالة دي من تليفونها.”

أخرجت هاتفي، وفتحت مكبر الصوت، وقرأت الرسالة النصية بصوت مرتفع وواضح أمام كل كبار العائلة، ثم عرضت شاشة الهاتف على عم زوجي الأكبر وعلى خالتها.

ساد الصمت الغرفة كأن على رؤوسهم الطير. شهقت إحدى الخالات، وعم زوجي أخذ النظارة ووقف يقرأ الرسالة بعينيه للتأكد.

ثم أخرجت الورق من المظروف وقلت: “ودول كشوفات الحسابات والعزومات على مدار السنتين اللي فاتوا، المبالغ دي دفعتها من جايبي عشان أستضيف ناس ما أعرفهاش، وفي الآخر يتقال عليا بحسب اللقمة.”

تحول وجه حماتي من الغرور إلى الحمرة الشديدة، ثم إلى الاصفرار. لم تستطع إيجاد كلمة واحدة للرد. حاول بعض الأقارب التغطية على الموقف، لكن عم زوجي الأكبر وقف، ضرب بعصاه على الأرض وقال بصرامة شديدة موجهة لحماتي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *