حماتي حكايات بسمه

لم يجد ما يرد به. خرج من الغرفة وهو يجر قدميه، متوجهًا إلى شقة أمه في الدور الأسفل. لم أتبعه، بل جلست على مقعدي وأنا أشعر بحالة غريبة من الخفة والتحدد. السحر انقلب على الساحر، والناعمة التي كانت ترتدي ثوب البراءة والكرم أصبحت الآن مواجهة بحقيقتها أمام ابنها.

بعد نصف ساعة، سمعت أصوات صراخ شديدة قادمة من شقة حماتي. صوت محمد كان مرتفعًا لأول مرة في حياته بوجه أمه، وصوتها هي كان ينتقل بين البكاء والإنكار، ثم التحول إلى الهجوم.

“إنت بتصدق مرتك عليا؟ دي هي اللي لعبت في مخك! أنا كنت عايزه أكبر بيك قدام الناس وأقول ابن مرتاح وبيته مفتوح!”

رد محمد بصوت مزق صمت العمارة: “تكبري بيّا على حساب شقايا وشقى مراتي؟ دي كانت بتدفع من ورثها ومكافآت شغلها يا أمي! أصلًا الفلوس دي إحنا كنا بنحوشها عشان نغير العربية ونحط وديعة للبنت! إنتِ كنتِ بتستغلينا!”

انتهى الشجار بصوت باب يُغلق بقوة، وصعود محمد إلى الشقة. كان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتان. جلس أمامي وقال بصوت متكسر: “أنا آسف.. أنا مش عارف أقولك إيه. أنا كنت أعمى. كنت فاكر إنها مجرد طيبة زيادة وعشم قرايب، ما تخيلتش أبداً إن الموضوع فيه نية كسر وتحدي.”

نظرت إليه وقلت: “الأسف ما بيرجعش الفلوس ولا بيمسح حرق الدم، لكن المهم إحنا هنعمل إيه من هنا ورايح؟”

قال بصرامة لم أعهدها فيه: “مفيش عزومة واحدة هتدخل البيت ده تاني. ومفيش جنيه هيتدفع في بيت أمي غير المصاريف الشهريّة اللي ببعتهالها، وأنا اللي هسددلك كل المبالغ دي من شغلي، حتى لو هشتغل شغلتين.”

لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. حماتي لم تكن امرأة تستسلم بسهولة، خاصة بعد أن شعرت أن هيمنتها على ابنها قد اهتزت، وأن كبرياءها قد جُرح بعد كشف ملعوبها.

في اليوم التالي، بدأت الحرب الباردة. أرسلت حماتي أخت محمد الكبرى إلى منزلنا. دخلت الأخت وعلى وجهها علامات الغضب والوعيد، ولم تكد تجلس حتى بدأت بالهجوم: “إيه اللي عملتيه ده يا هانم؟ جرجرتِ أخويا وجاي يصرخ في وش أمه عشان عزومة وكام كيلو لحمة؟ هو ده أصلك؟ تتحسبي على اللقمة وتعملي مشكلة بين الراجل وأمه؟”

كنت أقف في المطبخ أعد القهوة، فخرجت إليها بكل ثبات، وأمسكت بملف المصاريف الذي أعددته سابقًا، ورميته على الطاولة أمامها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *