رجعت البيت

رجعت البيت بعد غياب عشان أعمل مفاجأة لأمي في عيد ميلادها. أول ما دخلت وشوفتها قلبي اتقبض. كانت خست بشكل يخض، ولابسة بالطو سميك ومقفول عليه، مع إن الجو كان دافي جوه البيت.

 

قلت لها بابتسامة:

“تعالي يا أمي، أساعدك تاخدي شاور.”

 

فجأة وشها اتبدل، ورجعت لورا وهي مرعوبة، ولسانها بيترعش وهي بتقول:

“والنبي… ماتقلعيش البلطو.”

 

لكن قلبي كان حاسس إن فيه حاجة غلط.

 

شلت البلطو بالراحة… وساعتها حسيت إن الدنيا لفت بيا.

 

جسم أمي كله كان مليان كدمات زرقا وسودا، وعلى إيديها آثار حبال واضحة كأنها كانت متربطة.

 

بصيت لها وأنا مخنوق:

“مين اللي عمل فيكي كده يا أمي؟”

 

انفجرت في العياط، وقالت بصوت مكسور:

“أخوكي كريم ومراته ندى… كريم بيربطني في السرير كل ما أسأله فلوسي راحت فين… وندى كانت بتضربني لو رفضت أمضي على أي ورقة… وكل شوية يقولولي محدش هيصدق ست كبيرة خرفت.”

 

كنت راجعة من إسكندرية بعد ست ساعات سواقة عشان أعمل لها مفاجأة في عيد ميلادها التمانية وسبعين.

 

أول واحدة فتحتلي الباب كانت مرات أخويا، ندى. لابسة دهب من فوق لتحت، وباصة لي كأني ضيفة تقيلة.

 

قالت وهي متضايقة:

“كان المفروض تكلمي قبل ما تيجي.”

 

بعدها أمي ظهرت من وراها بخطوات بطيئة، لكن ماحضنتنيش غير لما ندى دخلت المطبخ.

 

بالليل، كريم قعد يحكيلي قد إيه هو ومراته “مضحيين” بحياتهم عشان يرعوا أمي.

 

طلعلي فواتير الأكل، وروشتات العلاج، وأوراق عامل بيها توكيل عام يتحكم في كل فلوسها وحساباتها.

 

ندى بصتلي باستهزاء وقالت:

“إنتي سبتِ البيت وجريتي ورا شغلك ومستقبلك… ماتجيش دلوقتي تعملي فيها البنت البارة.”

 

كنت زمان هسكت من الإحساس بالذنب…

 

لكن المرة دي لأ.

 

قلت بهدوء:

“معاكي حق… خليني أساعد وأنا موجودة.”

 

ولما دخلت بأمي الحمام، وقفلت الباب وشغلت الميه عشان محدش يسمعنا، قلعت عنها البلطو، وشوفت الحقيقة اللي كانت مستخبية.

 

أمي حكتلي إنهم باعوا أرضها اللي في البلد من وراها، وسحبوا كل تحويشة عمرها من البنك، وكمان جبروها تمضي على وصية جديدة بكل ممتلكاتها باسم كريم.

 

قالتلي إنها حاولت تكلمني مرتين، لكن كريم كسر موبايلها، وقعد يقنعها إني نسيتها ومبقتش أسأل عليها.

 

أما ندى، فكانت كل شوية تهددها إنها هتدخلها مستشفى أمراض نفسية لو فتحت بقها بكلمة.

 

في اللحظة دي، الغضب اختفى…

 

وحل مكانه برود مخيف.

 

نفسي أنزل أجري وأواجههم.

 

لكن عملت حاجة أخطر بكتير.

 

لفيت أمي في فوطة، وصورت كل كدمة وكل أثر حبل في جسمها بالموبايل مع التاريخ والوقت، وسجلت كلامها كله بالتفصيل، سؤال وجواب، عشان يبقى دليل كامل.

 

بعدها مسكت تليفوني، وعملت مكالمة واحدة بس.

 

“ألو… يا سيادة المستشار؟ مع حضرتك المستشارة مي عبدالسلام، المحامي العام الأول. أنا محتاجة أمر حماية عاجل حالًا… اللي بيحصل لوالدتي لازم يقف الليلة قبل بكرة.”

 

قفلت السكة مع المستشار وأنا صوابعي بتترعش من كتمة الغضب، لكن نظرة العجز اللي في عين أمي كانت بتفكرني في كل ثانية إن أي حركة غبية ودون تخطيط هتضيع حقها. مسحت دموعي بسرعة، وشلت الموبايل بعد ما تأكدت إن الفيديو والصور اتحفظوا على مساحة تخزينية مشفرة ومحدش يقدر يوصلهم.

لبّست أمي هدومها بالراحة، وبست إيدها اللي كانت بتترعش، وهمست في ودنها:

“حقك هيرجع يا أمي.. والنهارده بالذات، كل كلمة وكل ضربة انضربتيها هيتدفع تمنها بالقانون.”

خرجت من الحمام وأنا رافعة رأسي، وراسمة على وشي نفس ابتسامة الإرهاق العادية، وكأني مسمعتش ومشوفتش حاجة. أول ما خرجت الصالة، لقيت كريم قاعد ومستربع، ومسك التليفون وبيقلب فيه ببرود، وندى واقفة بتعمل قهوة ورجل على رجل.

ندى بصتلي بقرف وقالت:

“إيه، خلصتوا؟ القعدة معاها تطول، وورايا تنضيف ومشاغل مش فاضيين لها.”

كريم بصلي وقالي بنفس النبرة المحذرة:

“مي.. أمك كبرت وساعاتها بتهيس، لو قالتلك أي كلام شمال ولا يمين أظن إنتي فاهمة إن أدوية الزهايمر بتخليها تتخيل حاجات ما حصلتش.”

بلعت ريقي بصعوبة عشان أمنع نفسي إني أهجم عليه. بصيت له ببرود وقلت:

“عارفة يا كريم.. السن أحكام. عشان كده أنا قررت أريحكم خالص. من بكرة أمي هتسافر معايا إسكندرية.”

ندى اتنفضت من مكانها، والشرار طلع من عينها:

“تسافر فين؟! إنتي استهبلتي؟ ولا فاكرة نفسك جاية تفصلي وتوصلي على مزاجك؟ طنط مش ماشية من هنا، ومكانا هو بيتها!”

كريم قام وقف بملامح مشدودة، وعروق رقبته برزت:

“إنتي تجننتي يا مي؟ عايزة تخدشي صورتنا قدام القرايب والقضاة؟ وتقولي إننا قصرنا معاها؟ أمك مش هتتحرك خطوة واحدة بره الشقة دي، والتوكيل اللي معايا يخليني أنا بس المسؤول عن تحركاتها وعلاجها.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، هادية ومستفزة، وحطيت إيدي في جيبي:

“توكيل؟ اه صح.. التوكيل اللي اتعمل بعقد بيع الأرض وتحويل الحسابات؟”

وش كريم أصفر، وندى بصلتله برعب. السكوت ساد المكان لحظات، لحد ما صوت الباب الخارجي اتخبط بقوة هزت الشقة كلها.

كريم جرى على الباب وهو متوتر:

“مين ده اللي بيخبط كده في نص الليل؟”

أول ما فتح الباب، كانت المفاجأة اللي خلته يرجع ورا خطوتين وركبه تخبط في بعض. ضابط شرطة برتبة كبيرة، ومعاه قوة مسلحة، وملازم من الشرطة النسائية، وطبيبة شرعية.

الضابط بص لكريم بنظرة صارمة وقال بصوت جاف:

“أستاذ كريم عبد السلام؟ مدام ندى؟”

ندى طلعت تجري وهي بتترعش:

“أيوة.. خير يا فندم؟ فيه إيه؟ إحنا ناس محترمين!”

الضابط ما ادالهاش عقاد نافع، وشاور للقوة تدخل، وبصلي وقدم التحية العسكرية:

“سيادة المستشارة مي.. أمر الحماية العاجل وصدر فوراً من النيابة العامة بناءً على بلاغ سيادتك، ومرفق معاه إذن بالقبض والتفتيش فوراً، ومعانا الدكتورة لفحص الحجة طبياً وإثبات الإصابات.”

ندى صرخت بصوت هيستيري:

“إيه العبط ده؟! دي كدابة! دي ست خرفانة ومحدش هيصدقها، إحنا اللي بنراعيها وبنصرف عليها!”

كريم جرى عليا وهو بيحاول يمسك إيدي ويتوسل:

“مي.. إنتي بتعملي إيه؟ إحنا إخوات! هتفصحينا وتودي أخوكي السجن عشان حتة أرض؟”

نفضت إيده عني بكل قسوة، وبصيت له في عينه وقلت:

“أخويا مات لما ربط أمي في السرير وكسر موبايلها عشان ما تستنجدش بيا.”

الدكتورة دخلت مع الشرطة النسائية للأوضة عند أمي عشان تبدأ المعاينة وإثبات الكدمات والرباطات في تقرير رسمي فوري، وفي لحظات كان الضابط بيمسك كريم ويوثق إيديه بالكلبشات ورى ظهره، وزميلته بتمسك ندى اللي كانت بتبكي وتصرخ وبتقاوم.

لكن وأنا واقفة بتفرج عليهم وهما بيتكلبشوا، كريم بصلي بابتسامة شريرة، وميل على ودني وهو بيتسحب للخارج وقال بصوت واطي:

“فاكرة إنك كسبتي يا مي؟ الوصية الجديدة والأرض اتسجلوا باسم ندى خلاص ومكتوبين كبيع وشراء نهائي قبل شهرين.. والورق كله في مكان عمرك ما هتوصليله.. أمك مش حيلتها مليم، وقريب أوي هتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *