امانى السيد 2 ناكر العشره 2

وصلت مكتب الأستاذ فريد وأنا حاسة إن كل خطوة بتمشيها رجلي بتحفر في الأرض قسوة وتصميم جديد.. دخلت عليه، وأول ما شاف وشي المخطوف ونبرة صوتي الصارمة، قام وقف واهتم فوراً:

* “خير يا بنتي؟ في إيه؟ بدر جراله حاجة ولا الشركة فيها مشكلة؟”

قعدت قدامه، وحكيتله كل حاجة ببرود شديد من غير ما تنزل مني دمعة واحدة.. حكيتله عن الإهانة، والتقليل، واللي شفته بعيني في مكتب بابا، والسكرتيرة اللي بياخد فلوس الشقى يصرفها عليها.

الأستاذ فريد فضِل ساكت وبيسمعني بتركيز، ووشه بيتغير تدريجياً من الذهول للغضب. أول ما خلصت كلامي، ابتسم ابتسامة هادية وفيها ثقة وارتياح، وقام فتح الخزنة اللي وراه وطلع منها ملف أوراق كبير، وحطه قدامي على المكتب وقال:

* “أنا كنت مستني اللحظة دي يا بنتي.. عمك أحمد الله يرحمه كان راجل أصول وعقله يوزن بلد، وكان فاهم كويس ومحسب للزمن. هو آه ربى بدر واعتبره ابنه، بس كان عارف إن النفوس بتتغير والفلوس بتعمي النفوس الضغيفة.”

بصيت للملف بفضول، والأستاذ فريد كمل كلامه بثبات وهو بيشاور على العقود:

* “والدك الله يرحمه كاتبلك كل الأملاك، والشركة، والعقارات، والأسهم.. بيع وشرا نهائي ومسجلين في الشهر العقاري بعقود رسمية! بدر ما حيلتوش في الليلة دي كلها غير كلمة ‘مدير تنفيذي’ ودا الإجراء اللي بابا عمله عشان الشغل يستمر لحين ما أنتِ تستلمي.. يعني أنتِ المالك الفعلي والوحيد لكل حاجة! يحق لكِ في أي وقت تلغي توكيله، وتشيليه من الإدارة، وتطرديه بره الشركة وبره البيت كمان في ثانية واحدة وبحكم القانون!”

الكلام نزل عليا كأنه طوق نجاة رد فيا الروح.. بصيت للأوراق ورجعت بصيت للمحامي وقلت بنبرة هادية بس طالع منها شرار:

* “يعني بدر طلع كومبارس في مسرحية هو فاكر نفسه بطلها؟”

رد الأستاذ فريد بثقة:

* “بالظبط كده.. القرار قرارك دلوقتي، تحبي نتحرك إزاي ونبدأ نكسر شوكته إمتى؟”

سألته بذهول وأنا مش مصدقة اللي بستوعبه:

* “يعني بدر ما يعرفش أي حاجة عن العقود دي يا أستاذ فريد؟”

ابتسم الأستاذ فريد وقال بنبرة هادية:

* “ولا عنده أدنى فكرة.. أبوكِ الله يرحمه قالي نصاً: ‘يا فريد، السر ده يفضل بيني وبينك، ولو بدر صان بنتي وعاملها بما يرضي الله هيفضل هو الكبير واللي ماسك كل حاجة، لكن لو غدر بيها أو استقوى عليها.. الأوراق دي تطلع وتكسر عين أي حد يمس كرامتها.’ وهو للأسف اختار الطريق التاني بنفسه.”

خرجت من عند المحامي وأنا شايلة في إيدي خطة الهجوم اللي هتخليه يندم على كل لحظة بصلّي فيها باستخفاف.

ثاني يوم الصبح، دخلت عليه المكتب بنفس الجمود.. أول ما شافني، رفع رأسه بغرور وابتسم بتهكم وكان لسه هيفتح بقه يكمل إهانته، بس أنا سبقت وحطيت ورقة قدامه على المكتب وقلت بنبرة باردة ومفيهاش أي انفعال:

* “أنا عايزة أترجى منك طلب يا بدر.. طلقني.”

بصلي باستغراب، فكملت بمسكنة متقنة تمثيلها:

* “أنا عرفت مقامي خلاص، وشفت بعيني إن ماليش مكان في حياتك ولا هقدر أستحمل العيشة دي.. أرجوك طلقني، وأنا مستعدة أتتنازل عن كل حقوقي الشرعية من مؤخر ونفقة وكل حاجة، ومش عايزة منك أي حاجة غير إنك تسيبني في حالي وأبقى حرة.”

عينيه لمعت بطمع وجشع ما قدرش يداريه، وبص للورقة وهو مش مصدق السذاجة اللي أنا فيها! بالنسبة له، هو كده خلص مني ومن وجع الدماغ، وفي نفس الوقت مكمل في الشركة وفاكر إن كل حاجة بقت بتاعته بالكامل.

مسك القلم بسرعة بلهفة خايف أغير رأيي، وقال وهو بيمضي الأوراق بابتسامة نصر وازدراء:

* “والله كويس إنك طلعتِ بتفهمي وعرفتي حجمك الحقيقي بدري.. أنتِ اللي اخترتِ، ومن النهاردة أنتِ حرة يا بنت عمي!”

سحب الأوراق وهو حاسس إنه كسب كل حاجة، وما كانش يعرف إن التوقيع ده كان أول خطوة في الحفرة اللي حفرها لنفسه بجهله وجشعه.

ثاني يوم الصبح، أخدت معايا طقم بودي جارد شداد وشكلهم يرهب، وأخذت كل أوراقي وعقود البيع والشرا المسجلة الموثقة ومعايا الأستاذ فريد المحامي.

دخلت الشركة بهيبة أول مرة يحسوها فيا، وطلعت على مكتب بدر مباشرة.. فتحت الباب ودخلت والبودي جارد ورايا سادين المدخل.

بدر بصلي بذهول وغضب، وقام وقف يزعق بصوته كله:

* “إيه التهريج ده؟! أنتِ إزاي تتجرأي تدخلي عليا بالشكل ده ومعاكي البلطجية دول؟! اطلعي بره يا متخلفة أنتِ وهي قبل ما أطلبلك الأمن يرموكي بره!”

بصلته ببرود شديد، وحطيت ملف الأوراق الموثقة على مكتبه وقلت بابتسامة ثقة هادية:

* “الأمن اللي بتتكلم عنهم دول شغالين عندي أنا يا بدر.. والشركة دي شركتي أنا بالورق والقانون، بيع وشرا من بابا الله يرحمه من زمان، أنت هنا مجرد موظف مطرود فوراً بقرار من المالك الوحيد!”

وشه أصفر والدم اتصفى منه، مسك الورق بإيد بتترعش يقرأ العقود وهو مش مصدق.. لما استوعب الصدمة، صرخ وجري عليا يحاول يعمل مشكلة ويهاجمني، بس البودي جارد كانوا عارفين شغلهم كويس؛ مسكوه في ثواني وثبتوه مكانوش بيدوا له فرصة يتحرك.

في نفس الوقت، كان الأستاذ فريد مدعي لمجلس الإدارة لاجتماع طارئ في القاعة الرئيسية.. دخلت القاعة والورق في إيدي، وعرضت عليهم كل المستندات الرسمية اللي بتثبت ملكيتي الكاملة للشركة، مع كشف كامل بالانحرافات الماليّة والمبالغ اللي بدر كان بيطيرها على سفاهته وخرجاته والمجوهرات اللي بيشتريها على حساب الشركة.

أعضاء مجلس الإدارة كانوا مصدومين من حجم الجشع والسفاهة اللي شافوها، وبالإجماع تم التأكيد على ملكيتي وإني أستلم إدارة الشركة مكان والدي الله يرحمه، وصدر قرار رسمي بطرد بدر وإلغاء صلاحياته كلياً ومنعه حتى من دخول المبنى.

خرج بدر من الشركة يجر أذيال الخيبة والفضيعة قدام الموظفين كلهم اللي كانوا بيبصوله بشماتة، ولأول مرة حسيت إن حق بابا رجع، وإن كرامتي اللي حاول يكسرها رجعتلي أضعاف.

 

وقفت عند شباك مكتب بابا اللي بقى مكتبي خلاص، وبصيت عليه من فوق وهو مطرود بره المبنى، واقف في الشارع مشدوه ومش مصدق إنه في لحظة خسر كل حاجة.. العز، والفلوس، والشركة، والبيت.

تليفونه ما بطلش رن، والسكرتيرة الجديدة اللي كان بيغرقها مجوهرات ولبس ماركات، أول ما شافت المنظر وعرفت إنه أطرد وما بقاش حيلته حاجة، سابته في الشارع ومشت من غير حتى ما تبصله، عشان يفهم إنها ما كانتش معاه غير عشان الفلوس اللي كان بيسرقها من عرق بابا.

بعدها بكام يوم، ردّيت على أول مكالمة منه.. كان صوته مكسور وبيعيط، وبيترجاني أسامحه ونبدأ من جديد، وبيفكرني بإننا قرايب وبدم عمي اللي عاش وسطنا.

رديت عليه ببرود ونبرة أشد من الصخر:

* “افتكرت دم عمك دلوقتي يا بدر؟ افتكرت الأصول لما بقيت في الشارع؟ أنت زمان قلتلي إن ماليش قيمة ومن غيرك الشركة تفلس.. والنهاردة أنا بقيت الكل في الكل، وأنت اللي بقيت من غير قيمة ولا وجود.”

قفلت السكة في وشه، وبدأت مرحلة جديدة في حياتي.. مسكت الإدارة بإيد من حديد، ورجّعت مدام ماجدة لمكتبها وسلّمتها الشغل بنفسي، والشركة كبرت ونمِت أكتر من الأول.

عرفت يومها إن الوجع اللي ما بيموتش بيبني بني آدم تاني خالص.. بني آدم قوي، ما بيسمحش لأي حد يكسره، وبياخد حقه بالقانون والعقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *