بقالي تقريبا حكايات بسمه 3
محمود نزل على ركبتيه قدامي في ممر القسم!
أمام العساكر، والمحامين، ومراته وعياله، وناس واقفة بتتفرج، حط وشه في الأرض وجسمه كله بيتهز بانهيار وبكاء هيموت منه. مسك رجلي بكتفه، وصوته كان طالع مخنوق ومكسور زي صوت حد بيتخنق:
«سامحني يا أحمد… وحياة أغلى حاجة عندك سامحني! أنا قليل الأصل، أنا بني آدم وسخ، الشياطين عمتني وطمعت فيك وفي جدعنتك، وكنت فاكر إن العباطة هي السلكان! والله العظيم أنا مستاهلش اللحظة دي، ولا أستاهل إنك تقف اللحظة دي عشان عيالي! سامحني يا أحمد عشان خاطر ربنا يغفر لي!»
الممر كله سكت. العساكر واقفين يستغربوا، وأستاذ شريف باصص لمحمود بقرف وكسرة، ومراته واقفة تحط إيدها على بقها وتبكي بحرقة.
أنا واقف في مكاني، حاسس بتناقض مريب بيعتصر قلبي. منظر الراجل ده وهو مكسور للدرجة دي، الراجل اللي كان من أسبوع بيبعت لي تسجيلات صوتية بلهجة الآمر الناهي ويطلب مني أسيب أمي في الطوارئ… دلوقتي راكع تحت رجلي وبيستجدى الرحمة!
وطيت بسرعة، مسكته من دراعاته واتكيت عليه بقوة لحد ما وقفته على حيله.
بصيت في عينيه الحمرا المليانة دموع ورعب، وقلت له بنبرة هادية جداً، بس كل كلمة فيها كانت أتقل من الجبل:
«قوم يا محمود… قوم، الوقفة دي ما تتوقفش لمخلوق. أنت ما بتعتذرليش أنا، أنت لازم تستغفر ربنا وتعتذر لنفسك ولعيالك اللي أنت كنت هترسيهم في الشارع بسبب جشعك وسواد قلبك. أنا ما عملتش كده عشانك… أنا عملت كده عشان العيال دول ما يتدفعش تمن وسخة مش ذنبهم، وعشان أمي علمتني إن الراجل ما بيشتمش الميت، وما بيكسرش المكسور.»
محمود مسح دموعه بأكمام قميصه المجعد، وجسمه لسه بيترعش:
«أنا مش عارف أقولك إيه… أنا عمري ما هنسى الجميلة دي طول ما أنا حي، وربنا يعلم أنا ندمان قد إيه…»
قاطعته ورفعت إيدي:
«ما تقوليش حاجة يا محمود. الحساب بيننا اتقفل. أنت خدت جزاك الوظيفي، والشركة خدت حقها المالي، وأنا عفوت عن حقي الشخصي لوجه الله. بس زي ما دخلنا بالمعروف واستحملتك 11 شهر، نخرج بالمعروف ونقفل الصفحة دي خالص. مش عايز أشوف وشك تاني، ولا بيننا كلام ولا اتصالات. طريقك غير طريقي من النهاردة.»
محمود هز رأسه بسرعة وكسرة: