حكاوى شيمو2

بعدها بيومين، وصلتني الورقة..

جت لي مع ولد صغير من شارعهم. فتحت الورقة وأنا إيدي بترتعد. كانت مكتوبة بخط نور.. خطها المترتب الجميل اللي كنت بدوب فيه.

الورقة كانت فيها جدول دقيق جداً:

* جمعة كذا: كذا وكذا.. التكلفة:…

* جمعة كذا: صينية بشاميل وبط.. التكلفة:…

حتى ثمن الحلقة الدهب اللي أمها باعتها، كان مكتوب جنبها قيمته بسعر الدهب اليوم.

وفي آخر الورقة، كانت كاتبة جملة واحدة بخط إيدها:

“ده حق ربنا وحق عرق أبويا.. عشان لما تمشي، ميكونش لك عندنا حبة خردل، ولا نكون إحنا مديونين لك بأي حاجة.”

المبلغ كان كبير بالنسبة لي، تقريباً محتاج مرتب ثلاثة أو أربعة شهور عشان أسدده مرة واحدة. وفي اللحظة دي بالذات، فهمت جزء من الدرس.. فهمت يعني إيه راجل ينزل يستلف المبالغ دي كل أسبوع عشان يغطي “أوهامي وطلباتي”.

قررت إني مش هكتفي بمرتبي من الشغل. أنا شغال موظف في شركة مبيعات من الساعة 9 للـ 5. قررت أبدأ رحلة التكفير عن ذنبي بالعمل الشاق.

قدمت على شغلانة ثانية بعد الظهر.. شغال في مطعم وجبات سريعة، بدخل من الساعة 6 المغرب وأفضل وافق على رجلي لحد الساعة 2 بعد منتصف الليل، أغسل أطباق وأشيل شكاير البطاطس وأمسح الأرضيات.

في أول أسبوع عمل شاق، جسمي كان بيصرخ من التعب. أطراف صوابعي اتشققت من المية والصابون، وضهري كان بيتكسر من الشيل. ولما كان التعب بيغلبني وأحس إني مش قادر أكمل، كنت بفتكر عم أحمد.. الراجل العجوز اللي كان بيقف في محل الخضار يشيّل شكائر بعد شغله الصباحي عشان يوفر ثمن البطة اللي الباشا طلبها!

كنت ببكي وأنا بغسل الأطباق وأقول لنفسي: “دوق يا حازم.. دوق عرق الجبين اللي كنت بتبلعه في صينية البشاميل وأنت بتشتكي إن الملح قليل!”

مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايش في الساقية دي. الشغل الصباحي، والشغل المسائي. مباكلش غير لقمة جافة تسد رمقي، ومبشتريش لنفسي أي حاجة. كل جنيه يدخل جيبي كنت بجمعه في ظرف، بحطه تحت المرتبة وأحسب الأيام.

خلال الشهر الثالث، جالي خبر من واحد صاحبنا مشترك بيني وبين منطقتهم..

قالي إن عم أحمد تعب جداً، ونزل المستشفى الحكومي بسبب إجهاد شديد وهبوط في الضغط، وإن الديون ملاحقاه لأن التاجر اللي كان بيستلف منه الطيور بيطالب بفلوسه بقلة أدب، والراجل مش قادر ينزل يشتغل شغلانته الثانية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *