حماتي
حماتي كانت تبعتلي غسيل بنتها كل أسبوع عشان غسالتها بايظة وبعد سنة عرفت إنها اشترت غسالة جديدة من أول شهر وكانت سايباها مقفولة عشان توفر كهربا.
كل خميس، الساعة تسعة الصبح، الجرس كان بيرن.
وأول ما أفتح الباب ألاقي حماتي واقفة قدامي ومعاها شنطتين كبار مليانين هدوم.
غسيل سمر يا حبيبتي أصل الغسالة لسه متصلحتش.
في الأول وافقت.
قولت أخت جوزي وعندها تلات عيال، وربنا يكون في عونها.
لكن الأسبوع بقى شهر.
والشهر بقى سنة.
هدومها، هدوم جوزها، ملايات السراير، البطاطين، وحتى السجاد الصغير.
كنت بغسل وأنشر وأطبق، وفاتورة الكهربا والمياه تزيد كل شهر.
ولما اشتكيت لجوزي، قال
استحمليها دي أختي وظروفها صعبة.
لحد ما في يوم حماتي تعبت، فروحتلها أجيب الدوا.
وأنا بدور على بطاقتها في درج الدولاب، لقيت فاتورة شراء.
غسالة أوتوماتيك جديدة.
تاريخ الشراء كان من 11 شهر.
فضلت باصة للفاتورة ومش مصدقة.
روحت بيت سمر.
وأول ما دخلت المطبخ، لقيت الغسالة.
جديدة.
لسه الاستيكر عليها.
قلتلها
أمال غسالتك البايظة فين؟
اتوترت.
وقبل ما ترد، حماتي قالت بمنتهى البرود
إحنا اشترينا دي من زمان بس قولنا نوفر كهربا ومياه، ما إنتِ عندك غسالة شغالة.
بصيتلها.
يعني أنا بقالي سنة بغسل لعيلة كاملة عشان توفروا إنتوا؟
ضحكت وقالت
ما تكبريش الموضوع كلها غسلة في الأسبوع.
ما رديتش.
رجعت بيتي، وجمعت ال شنط غسيل اللي كانوا باعتينهم الصبح.
لكن بدل ما أغسلهم
عملت حاجة خلت حماتي تيجي تخبط على بابي بعد ساعتين وهي بتصرخ، وسمر واقفة وراها بټعيط.
لأن اللي اكتشفته جوه جيب بنطلون جوز سمر
خلاني أفهم إن موضوع الغسالة كان أصغر كڈبة خبّوها عني.
ساعتها وأنا بفضّي الهدوم من الشنط قبل ما أرجعها، إيدي دخلت في جيب بنطلون جوز سمر.
حسيت بحاجة ورق متنية.
طلعتها وأنا فاكرة إنها فلوس أو إيصال.
لكن أول ما فردتها، لقيتها ورقة من بنك.
إشعار بإيداع مبلغ كبير.
الاسم كان اسم جوز سمر.
والمبلغ كان أكبر بكتير من أي مبلغ كنت أتخيله.
الأغرب إن خانة الملاحظات كان مكتوب فيها
الدفعة الثانية.
وقفت مكاني.
دفعة تانية لإيه؟
وأنا لسه ببص على الورقة، وقع من نفس الجيب مفتاح صغير مربوط بسلسلة معدن.
مش مفتاح بيت.
كان مكتوب عليه رقم… 27.
حطيت الحاجة مكانها بسرعة.
لكن الفضول كان بياكلني.
رجعت كل الهدوم في الشنط زي ما هي، من غير ما أغسل قطعة واحدة.
وبعد ساعتين بالظبط…
الجرس رن پعنف.
فتحت الباب.
لقيت حماتي داخلة من غير حتى ما تستأذن.
وشها أحمر من العصبية.
وقالت وهي بتلف بعينيها في الصالة
فين الشنط؟
جاوبتها بهدوء
جوه.
دخلت بسرعة وفتحت أول شنطة، وقعدت تقلب في الهدوم بإيدين بترتعش.
وسمر كانت واقفة وراها، دموعها على خدها.
أول ما لقت البنطلون، خطفته بسرعة، ومدت إيديها جوه الجيب.
وفجأة وشها اصفر.
بصت لأمها پخوف وقالت
مش موجود!
حماتي شهقت.
إزاي مش موجود؟! دورِي كويس.
سمر قلبت البنطلون مرة واتنين وتلاتة.
وبعدين بصتلي وقالت بصوت متقطع
إنتِ طلعتي حاجة من الجيب؟
بصيتلها من غير ما أرمش.
وقلت
وليه؟ كان المفروض ألاقي إيه؟
اتبادلت هي وحماتي نظرة سريعة.
نظرة فهمتني إن الموضوع أكبر من مجرد ورقة أو مفتاح.
حماتي قربت مني وقالت بنبرة حاولت تخبي بيها خۏفها
لو لقيتي أي حاجة… هاتيها، دي حاجات خاصة.
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلوا.
وقلت بهدوء
الغريب إنكم أول مرة تقلقوا على حاجة في هدومكم… مع إن بقالكم سنة كاملة بترموها عندي من غير حتى ما تعرفوا أنا بشوف إيه.
ساد صمت تقيل.
وفجأة…
موبايل سمر رن.
بصت في الشاشة، واتخضت لدرجة إن التليفون وقع من إيدها على الأرض.
حماتي خطفته بسرعة.
وأول ما قرأت اسم المتصل، همست پخوف
يا نهار أبيض… هو عرف!
في اللحظة دي، كل اللي في البيت سكت…
وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت، وبعدها خبطات قوية على الباب، وصوت راجل بيقول
افتحوا… أنا عارف إنكم هنا!اتجمدت سمر مكانها، وبصت لأمها بړعب.
أما
موقع أيام نيوز
حماتي، فوشها بقى شاحب، وقعدت تهمس بسرعة
محدش يفتح… محدش ينطق بكلمة.
لكن الخبط على الباب زاد قوة.
افتحوا… الموضوع مش هيخلص بالسكوت!
جوزي خرج من أوضة النوم على الصوت، وبصلي باستغراب.
مين اللي بيخبط كده؟
حماتي جريت ناحيته وقالت بسرعة
متفتحش… يمكن واحد داخل في عنوان غلط.
لكن قبل ما يكمل خطوة، المتصل اللي كان على موبايل سمر بعت رسالة.
الموبايل كان واقع على الأرض، والشاشة نورت قدامنا كلنا.
ظهرت أول سطر من الرسالة
لو المفتاح ضاع… يبقى كل حاجة انتهت.
سمر شهقت وجريت قفلت الشاشة.
بس بعد ما كلنا قرينا الجملة.
بصيتلها وقلت بهدوء
واضح إن المفتاح أهم من الغسيل بكتير.
حماتي حاولت تغير الكلام.
إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ هاتي اللي لقيتيه وخلاص.
رديت وأنا مسنودة على باب الصالة
هو إنتوا متأكدين إن أنا لقيت حاجة أصلًا؟
الاتنين سكتوا.
وده كان كفاية يثبتلي إنهم مش بيكدبوا بس في حكاية الغسالة.
الخبط وقف فجأة.
ساد هدوء غريب.
بعدها بثواني… سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب العمارة.
الراجل كان معاه مفتاح!
كلنا بصينا لبعض.
حماتي همست بفزع
مستحيل… هو وصل!
ثواني، وسمعنا خطوات بتطلع السلم واحدة واحدة.
كل خطوة كانت أقرب من اللي قبلها.
لحد ما وقفت قدام شقتي بالضبط.
وبعدين…
رن جرس الباب مرة واحدة.
مش پعنف المرة دي.
لكن بهدوء مخيف.
وجاله صوت من برة قال
أنا مش جاي آخد حقي النهارده…
أنا جاي آخد الأمانة اللي اختفت من جيب البنطلون.
في اللحظة دي، لفتُّ وشي ناحية سمر.
لقيتها پتنهار على الكنبة وهي پتبكي، وبتقول بصوت متقطع
والله… إحنا مكانش قصدنا نوصل للمرحلة دي… لكن لو عرف الحقيقة… كلنا هنضيع جوزي بصلنا كلنا باستغراب.
حد يفهمني في إيه؟ أمانة إيه؟ ومين الراجل اللي برة؟
ولا واحدة ردت.
سمر كانت مڼهارة، وحماتي ماسكة إيديها وبتقول لها
اسكتي… كلمة زيادة هتودينا في داهية.
لكن الراجل خبط تاني، وقال بصوت أوضح
آخر مرة هقولها… افتحوا الباب.
جوزي اتعصب.
أنا هفتح وأشوف مين ده.
حماتي وقفت قدامه بسرعة.
لأ… بالله عليك متفتحش.
المنظر كله بقى غريب.
أمه بتمنعه يفتح باب بيته، وأخته بترتعش، وأنا الوحيدة اللي واقفة بتراقب.
في اللحظة دي، جوزي بصلي وقال
إنتِ تعرفي حاجة؟
اترددت ثانية.
وبعدين قلت
لقيت ورقة في جيب بنطلون جوز سمر… وبعدها وقع مفتاح صغير برقم 27.
أول ما نطقت رقم 27…
سمر صړخت.
ليه قولتي الرقم!
أما حماتي، فقعدت على الكرسي كأن رجليها شالوها.
وبرة…
الخبط وقف تمامًا.
وسمعنا صوت الراجل وهو بيضحك ضحكة قصيرة.
وقال
يبقى المفتاح كان عندكم فعلًا.
بعدها ساد صمت.
ثم خطواته بدأت تبعد عن باب الشقة.
جوزي استغرب.
هو مشي؟
لكن بعد أقل من دقيقة…
رن موبايل حماتي.
بصت في الشاشة، ووشها اتقلب.
كانت الرسالة من رقم مجهول.
فتحتها، واتجمدت.
مديت إيدي وخدت الموبايل منها قبل ما تمنعني.
كان مكتوب فيها
احتفظوا بالمفتاح… أنا خلاص عرفت مكان الخزنة.
تحت الرسالة مباشرة كانت فيه صورة.
صورة لباب معدني قديم.
وفوق الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها
27
لكن اللي خلاني جسمي يقشعر…
إن الباب ده كان مألوف جدًا.
فضلت أبص للصورة ثواني، وفجأة افتكرت.
أنا شفت الباب ده قبل كده…
في يوم نقلنا فيه عفش حماتي من شقتها القديمة.
كان موجود في أوضة مقفولة، ويومها لما سألتها عنها، قالت لي
ده باب مخزن قديم مالوش لازمة… ومحدش يفتحه.
ساعتها بس حسيت إن كڈبة الغسالة، والورقة، والمفتاح… كلهم خيط واحد بيقود لسر أكبر بكتير.
لكن فضلت ساكتة…
لأني قررت الأول أعرف إيه اللي مستخبي ورا الباب رقم 27، قبل ما أواجه أي حد فضلت مركزة في الصورة، وكل تفصيلة فيها كانت بتأكدلي إني شفت المكان ده قبل كده.
الراجل كان بعت الصورة من جوه العمارة نفسها.
يعني كان قريب… قريب جدًا.
جوزي خد الموبايل من إيدي وقال باستغراب
إيه باب 27 ده؟
حماتي ردت بسرعة وكأنها كانت مستنية السؤال
أي كلام… واحد بيبتزنا وخلاص.
لكن سمر صړخت فيها
خلاص يا ماما… الكذب مش
هينفع!
حماتي بصتلها بحدة.
اسكتي!
سمر غطت وشها بإيديها، وهي بټعيط.
أنا تعبت… بقالنا سنة بنخبي… وكل يوم المشكلة بتكبر.
جوزي بدأ يفقد أعصابه.
حد ينطق! سنة إيه؟ بتخبوا إيه؟
أنا فضلت ساكتة.
كنت عارفة إن أي كلمة دلوقتي ممكن تخلّيهم يقفلوا على نفسهم تاني.
بعد دقائق من الصمت…
رن جرس الباب مرة تانية.
المرة دي كان خبط خفيف.
جوزي فتح الباب بسرعة قبل ما حد يمنعه.
لكن مفيش حد كان واقف.
كان فيه كيس أسود صغير على الأرض.
بس.
رفعه وډخله.
لقينا عليه ورقة متلزقة بشريط لاصق.
مكتوب عليها
آخر فرصة… افتحوا الخزنة قبل ما غيركم يفتحها.
فتحنا الكيس.
جواه نسخة قديمة من مفتاح.
وصورة فوتوغرافية باهتة.
أول ما حماتي شافت الصورة، شهقت وقعدت على الأرض.
أما سمر، فبقت تبكي باڼهيار.
جوزي خطڤ الصورة من إيديها.
كانت الصورة لخمسة أشخاص واقفين قدام محل قديم.
عرفت منهم ثلاثة فورًا
حماتي…
وجوزها الله يرحمه…
وجوز سمر.
أما الشخص الرابع، فكان الراجل اللي كان بيخبط على الباب.
والشخص الخامس…
كان حد أنا عمري ما شوفته.
لكن الغريب إن وشه كان متشطب عليه بقلم أسود، كأن حد متعمد يخفي هويته.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط اليد
الخمسة اتفقوا…
وأربعة فقط نفذوا الاتفاق…
أما الخامس، فقرر يرجع بعد عشر سنين ياخد حقه.
جوزي رفع عينه ناحية أمه وقال بصوت كله ڠضب
اتفاق إيه؟
حماتي حاولت تتكلم…
لكن فجأة سمعنا صوت تكسير زجاج جاي من البلكونة.
جرينا كلنا.
لقينا طوبة مرمية جوه الصالة.
ومتربط فيها ظرف أبيض.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان فيه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها
بما إنكم رفضتوا تسلموا المفتاح…
بكرة الساعة 12 الظهر…
هكشف السر قدام كل أهل المنطقة.
وفوق الجملة دي…
كان فيه اسم واحد بس.
اسم، أول ما قريته، لقيت حماتي فقدت الوعي في نفس اللحظة صړخت سمر وهي جريت على أمها.
أما جوزي، فخطڤ الورقة من إيدي قبل ما ألحق أبص عليها كويس.
قرأ الاسم بصوت عالي، وفجأة سكت.
وشه اتغير تمامًا.
قلت بلهفة
مين؟
بصلي ثواني، وبعدها نزل الورقة على الترابيزة.
كان الاسم
الحاج عبدالحميد منصور.
الاسم ده رجعني لورا سنين.
افتكرت إن ده كان صاحب العمارة القديمة اللي كانت حماتي ساكنة فيها قبل ما تنقل.
لكن الغريب…
إني كنت فاكرة إن الراجل ده ماټ من أكتر من عشر سنين.
بصيت لحماتي، أول ما فاقت، وسألتها
هو مش كان مټوفي؟
غمضت عينيها وقالت بصوت واطي
كل الناس فاكرة كده…
سمر صړخت
يا ماما بلاش!
لكن حماتي كملت وهي بترتعش
لأن الحقيقة… محدش يعرفها غيرنا.
جوزي ضړب بإيده على الترابيزة.
يعني إيه؟ أنا ابنك، وفيه حاجة مستخبياني عني طول السنين دي؟
حماتي دموعها نزلت لأول مرة.
كنت فاكرة إن السر ھيدفن مع أصحابه.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت إشعار من موبايل سمر.
رسالة جديدة.
فتحتها، واتجمدت.
كانت صورة لمدخل العمارة.
الصورة متصورة في نفس اللحظة.
يعني اللي باعتها كان واقف تحت البيت دلوقتي.
وتحت الصورة مكتوب
أنا شايفكم كلكم…
ولو الساعة عدت 12، هتكون الشرطة أول ناس تعرف الحقيقة.
جوز سمر، اللي كان ساكت طول الوقت، دخل الشقة فجأة وهو بيجري.
وشه كان مليان عرق.
وقفل الباب وراه بالمفتاح.
وقال وهو بيلهث
الموضوع خرج عن السيطرة… الراجل وصل للمخزن!
كلنا بصينا له في صدمة.
جوزي سأله بعصبية
مخزن إيه؟
بلع ريقه وقال
المخزن اللي ورا باب 27…
قبل ما يكمل، قطع كلامه صوت رسالة صوتية وصلت على موبايله.
فتحها من غير ما يفكر.
وجالنا صوت الراجل نفسه
متتعبوش نفسكم… أنا فتحت الباب بالفعل. واللي لقيته جوه هيقلب حياة كل واحد فيكم… ولسه البداية.
وساد الصمت في الشقة…
لأننا كلنا أدركنا إن السر اللي كانوا بيستخبوا وراه سنين… خرج للنور بالفعل، لكن محدش فينا كان يعرف إيه اللي كان موجود فعلًا داخل المخزن جوز سمر خطڤ مفاتيح عربيته من على الترابيزة وهو بيقول بانفعال
لازم نروح حالًا… يمكن نلحقه.
حماتي قامت رغم تعبها.
أنا جاية معاكم.
جوزي وقف قدامها.
ولا خطوة. محدش هيتحرك قبل ما أفهم الحكاية
من أولها.
لكن محدش رد.
كان واضح إن الخۏف أكبر من أي شرح.
في الآخر، ركبنا كلنا العربية.
أنا، وجوزي، وحماتي، وسمر، وجوزها.
طول الطريق، مفيش حد نطق بكلمة.
لحد ما وقفنا قدام العمارة القديمة.
نفس العمارة اللي كنت رحتها مرة واحدة من سنين.
طلعنا على السلم بسرعة.
ولما وصلنا للدور الأرضي، لقينا باب حديد كبير مفتوح.
وفوقه لوحة نحاس مكتوب عليها
27
الباب كان مخلوع.
والقفل مرمي على الأرض.
دخلنا بحذر.
المكان كان عبارة عن مخزن قديم، مليان كراتين وتراب وأثاث متهالك.
لكن كل الكراتين كانت متفتحة.
كأن حد قلب المكان كله.
وفجأة، سمر صړخت وهي بتشاور على ركن بعيد.
كان فيه صندوق خشب كبير.
غطاه مرفوع.
ولما قربنا…
لقيناه فاضي.
حماتي حطت إيديها على قلبها وقالت
خلاص… أخده.
جوزي مسكها من دراعها.
أخد إيه؟
قبل ما ترد، لفت نظري ورقة صغيرة متثبتة بمسمار جوه الصندوق.
شلتها.
كان مكتوب فيها بخط واضح
دورتوا على اللي جوه الصندوق…
لكن عمركم ما سألتوا ليه الصندوق كان مستخبي أصلًا.
قلبت الورقة.
ولقيت مرسوم عليها عنوان.
العنوان كان لشقة في حي تاني.
وتحته جملة واحدة
هناك ستجدون الشخص الذي يعرف الحقيقة كاملة.
بصينا لبعض.
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت باب المخزن بيتقفل بقوة.
لفينا بسرعة.
الباب الحديد اتقفل لوحده.
وسمعنا صوت قفل من برة.
بقينا محبوسين.
وفي نفس اللحظة، دوّى صوت الراجل من خلف الباب وهو بيقول بهدوء
دلوقتي… هتسمعوا القصة الحقيقية، لكن مش هتخرجوا من هنا إلا لما تعترفوا بكل اللي عملتوه من عشر سنين.
وتبادل الجميع نظرات مليانة خوف…
أما أنا، فبدأت أشك إن السر اللي بيطاردهم من عشر سنين مش سر فلوس ولا مفتاح…
وإن اللي كان في الصندوق، يمكن يكون دليل على چريمة محدش اعترف بيها لحد النهارده الباب اتفتح ببطء.
دخل الراجل بهدوء، وكان في آخر الخمسينات من عمره، لابس بدلة قديمة وماسك ملف بني كبير.
بص لكل واحد فينا، لحد ما وقفت عينه على حماتي.
وقال
هربتي عشر سنين… لكن مفيش سر بيفضل مدفون للأبد.
حماتي كانت بترتعش.
إنت… إنت لسه عايش؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
أهو قدامك.
جوزي قرب منه بعصبية.
أنا مش فاهم حاجة. مين حضرتك؟
الراجل فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق وصور قديمة.
قال
أنا كنت شريك والدتكم في مشروع زمان… وكل اللي في الملف ده يثبت إن فيه اتفاق اتعمل، واتخان.
مد صورة على الترابيزة.
فيها حماتي، وجوزها الله يرحمه، والراجل، وشخصين تانيين.
نفس الصورة اللي لقيناها قبل كده… لكن المرة دي كانت كاملة، من غير أي وش متشطب.
الكل بص للشخص الخامس.
وسمر شهقت.
ده… ده عمي فؤاد!
حماتي غمضت عينيها.
واضح إنها كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.
الراجل قال
أخو جوزك كان شريك معانا… لكن بعد اللي حصل، اختفى من حياتكم تمامًا.
جوزي قال باستغراب
إحنا مفيش عندنا عم اسمه فؤاد!
رد الراجل بهدوء
وده اللي اتقالكم طول عمركم.
ثم طلع ظرف تاني من الملف.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
وقال
الظرف ده فيه اعتراف بخط إيد أبوكم.
حماتي جريت تحاول تاخده منه.
لكنه رجع لورا.
مش قبل ما الكل يسمع الحقيقة.
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية شرطة وقفت قدام العمارة.
كلنا بصينا لبعض.
سمر همست پخوف
هو بلغ فعلًا…
الراجل هز رأسه وقال
أنا ما بلغتش.
أمال مين؟
بص ناحية حماتي وقال
اللي بعت البلاغ… واحد منكم.
سادت حالة ذهول.
كل واحد بص للتاني.
مين اللي بلغ؟
وليه؟
وفي نفس اللحظة، موبايل جوزي رن.
رقم مجهول.
رد وهو فاتح السماعة.
وجالنا صوت واحد بيقول
لو عايزين تعرفوا مين خانكم… بصوا تحت الكرسي اللي قاعدة عليه والدتكم.
كل الأنظار اتجهت ناحية الكرسي.
نزلت أبص تحته.
ولقيت جهاز تسجيل صغير… لسه النور الأحمر فيه شغال.
يعني…
كل كلمة اتقالت من ساعة ما دخلنا المخزن كانت بتتسجل، ولسه البث شغال ساد صمت ثقيل.
حماتي كانت أول واحدة اڼهارت.
قعدت على الأرض وهي پتبكي لأول مرة من ساعة ما عرفتُها.
وقالت بصوت متقطع
كفاية… كفاية لحد كده.
جوزي بص لها وهو
مصډوم.
يا أمي… قولي! أنا ابنك، ومن حقي أعرف.
لكنها هزت راسها.
لو عرفت… هتكرهني طول عمرك.
في اللحظة دي، سمعنا صوت الراجل من برة الباب
قوليلهم الحقيقة… ولا أقولها أنا؟
سمر جريت ناحية الباب وخبطت عليه.
إحنا هنرجعلك كل حاجة… افتح بس.
ضحك الراجل وقال
المشكلة إن اللي أخدتوه ما ينفعش يرجع.
الكلمة دي خلتني أركز.
ما ينفعش يرجع.
يعني مش فلوس.
ولا دهب.
ولا أوراق.
بصيت للصندوق الفاضي مرة تانية.
كان في قاعه تجويف صغير، كأنه درج سري.
ركعت على ركبتي، ومديت إيدي.
فعلاً… كان فيه لسان خشب صغير.
شدّيته.
طلع درج مخفي.
الكل اتلفت ناحيتي.
جوه الدرج كان فيه ظرف بني قديم، متغطي بالتراب.
حماتي أول ما شافته، صړخت
لاااا… سيبيه مكانه!
لكن كان فات الأوان.
فتحت الظرف.
كان جواه صور قديمة، وشهادة ميلاد، ورسالة مكتوبة بخط اليد.
أول حاجة وقعت في إيدي كانت شهادة الميلاد.
قريت الاسم…
واتجمدت.
الاسم كان مألوف جدًا.
رفعت عيني ناحية جوز سمر.
ولقيته باصص للشهادة، ووشه فقد لونه.
همس من غير ما يحس
مستحيل…
جوزي خطڤ الشهادة من إيدي.
قرأها بسرعة.
وبعدين بص لأمه وقال
إزاي؟
حماتي دفنت وشها بين إيديها.
أما أنا، فخدت الرسالة وبدأت أقرا أول سطر فيها.
كان مكتوب
إذا وصلت الرسالة دي لحد غيرنا… يبقى السر خرج أخيرًا، وحان وقت يعرف الجميع مين الطفل الحقيقي… ومين الطفل اللي اتبدل يوم ولادته.
وقبل ما أكمل باقي الرسالة…
سمعنا صوت مفتاح بيلف في الباب من الخارج.
والباب الحديد بدأ يفتح ببطء…
وظهر ظل شخص واقف، ماسك في إيده ملف كبير، وقال بهدوء
واضح إنكم وصلتوا لنص الحقيقة… أما النص التاني، فهو اللي هيقلب حياتكم كلها جوزي انحنى بسرعة وشال جهاز التسجيل.
لكن أول ما ضغط عليه عشان يقفله، ظهر ضوء أخضر، واشتغل صوت آلي
تم إرسال النسخة الاحتياطية بنجاح.
بصينا لبعض في صدمة.
الراجل ابتسم لأول مرة.
كنت عارف إنكم هتحاولوا توقفوه… عشان كده التسجيل خرج من هنا أول ما بدأ.
جوزي رمى الجهاز على الأرض بعصبية.
إنت عايز مننا إيه بالضبط؟
رد الراجل وهو بيقفل الملف بإيده
مش عايز فلوس… ولا اڼتقام.
أمال؟
عايز الحقيقة.
سمر مسكت إيد أمها وهي پتبكي.
يا ماما… خلاص. احكيلهم.
حماتي فضلت ساكتة شوية، وبعدها رفعت راسها وقالت
الحكاية بدأت من أكتر من عشر سنين… يوم ما أبوكم دخل شراكة مع أخوه فؤاد.
الكل سكت يسمع.
كانوا خمسة شركا… وجمعوا فلوسهم عشان يشتروا قطعة أرض ويبنوا عليها مخازن ومحلات.
بصيت للراجل.
كان ساكت، كأنه بيسيبها تتكلم.
كملت حماتي
بعد سنة، سعر الأرض ضړب أضعاف. وقتها… الطمع دخل القلوب.
جوزي سألها
وأبويا عمل إيه؟
حماتي نزلت دموعها.
وافق على خطة… إنه يزور بعض العقود، ويخلّي الأرض تتسجل بأسماء أقل من عدد الشركاء.
الراجل قاطعها
وكان أول واحد اتشال اسمه… أخوه فؤاد.
سمر حطت إيديها على بقها.
يعني عمي اتنصب عليه؟
الراجل هز رأسه.
مش بس كده… لما طالب بحقه، اختفى من يومها.
جوزي رجع خطوة لورا.
اختفى يعني إيه؟
الراجل فتح الملف، وأخرج صورة جديدة.
الصورة كانت لفؤاد واقف قدام الأرض، وتاريخها قبل اختفائه بيوم واحد.
وتحت الصورة بخط اليد
لو حصلي حاجة… دوروا على العقد الأصلي.
في اللحظة دي، افتكرت الورقة اللي لقيتها في جيب بنطلون جوز سمر.
إشعار البنك.
والدفعة الثانية.
بصيت لجوز سمر وسألته
الدفعة الثانية كانت تمن إيه؟
وشه اصفر.
فضل ساكت.
لكن حماتي بصت له وقالت بصوت مكسور
قول… خلاص مفيش فايدة من السكوت.
بلع ريقه وقال
كانت… دفعة مقابل بيع الأرض.
جوزي صړخ فيه
إزاي تبيعوا أرض عليها ڼزاع؟
قبل ما يرد…
اتفتح باب المخزن فجأة.
ودخل ظابط شرطة، ومعاه اتنين أمناء.
وقال بهدوء
مساء الخير…
واضح إن الاعترافات بدأت قبل ما نوصل.
ثم رفع ورقة في إيده وقال
بس في حاجة واحدة لسه ناقصة…
العقد الأصلي للأرض… واللي لحد دلوقتي، محدش يعرف هو فين الظابط دخل بخطوات ثابتة، وبص في وشوشنا واحد واحد.
وقال
اللي بلغنا قال إن العقد الأصلي موجود هنا… وإن فيه ناس
مستعدة تعمل أي حاجة عشان يختفي.
جوزي رد بسرعة
إحنا لسه بندور عليه.
الراجل اللي كان معانا ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
لا… إنتوا بتدوروا في المكان الغلط.
الكل بصله.
مد إيده ناحية شنطة الغسيل اللي كانت سمر جابتها معاها من غير ما تاخد بالها.
وقال
كل المصېبة بدأت بسبب شنط الغسيل… وهتنتهي بيها.
حماتي شهقت.
مستحيل…!
جريت بسرعة على الشنطة، لكن الظابط سبقها.
فتحها قدامنا.
طلع هدوم… وملاية… ومنشفة.
وبعدين، وهو بيفتش في القاع، حس بحاجة ناشفة.
شق بطانة الشنطة بحذر.
وفجأة…
طلع ظرف بلاستيك محكم الغلق.
كل اللي في المخزن وقف مكانه.
حماتي حطت إيديها على وشها.
أما جوز سمر، فوشه اصفر وقال
إحنا… إحنا كنا فاكرين إنه ضاع.
الظابط فتح الظرف.
كان جواه عقد قديم مختوم، وعدة أوراق رسمية.
بص فيه ثواني، ثم رفع عينه وقال
واضح إن ده فعلًا العقد الأصلي.
الراجل ابتسم وقال
قلتلكم… الحقيقة كانت بتدخل بيتها كل أسبوع بإيديها… وهي مش واخدة بالها.
بصيت لشنطة الغسيل، وافتكرت إنها كانت بتيجي عندي كل خميس من غير انقطاع.
يعني…
العقد كان بيتنقل من بيت لبيت طول سنة كاملة داخل شنطة الغسيل، عشان محدش يشك فيه.
ولو ما كنتش رفضت أغسل الهدوم في اليوم ده…
كان زمان الشنطة رجعت تاني، والعقد فضل مستخبي شهور أو سنين كمان.
الظابط قفل الظرف، وقال
من النهارده، القضية هتاخد مجراها القانوني.
وفي اللحظة دي…
حماتي بصتلي لأول مرة من غير كبرياء.
وقالت بصوت كله ندم
لو كنت أعرف إن كڈبة صغيرة زي حكاية الغسالة هتكشف كل ده… ما كنتش عملتها.
تمت.