سلفتي وحماتي ج 1 حكـايات مني السيد
لأن في نفس اليوم، لما وصلت عند أمي، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها. أمي فتحت لي باب أوضتها، وطلعت علبة قديمة كانت تخص أبويا. وبصت لي وقالت: — أبوكي كان موصيني ما أفتحش العلبة دي غير لو حصل لك يوم واتظلمتي. اتجمدت مكاني. قلت لها: — فيها إيه؟ أمي حطت العلبة قدامي وقالت: — حاجة لو محمود عرفها… حياته كلها هتتغير. وفي اللحظة دي، فهمت إن السر اللي فضلت مخبياه عن جوزي 3 سنين… كان مرتبط بأبويا نفسه. واللي كان جوه العلبة، كان كفيل يقلب الطاولة على محمود وحماتي بالكامل.
الجزء الثاني فضلت واقفة مكاني في صالة بيت أمي، عيني متثبتة على العلبة الخشب القديمة اللي كانت ممسوحة من الجوانب ومقفولة بقفل نحاس صغير. صوت دقات قلبي كان أعلى من صوت تكتكة الساعة القديمة المتعلقة على الحيطة. قعدت على الكنبة جمب أمي، إيدي كانت بتترعش من غير ما أحس، مش من الخوف، لكن من كمية الوجع والخذلان اللي ماليين صدري. بصيت لأمي وسألتها بصوت مخنوق: — العلبة دي كانت في دولاب بابا من سنين يا ماما.. إيه اللي فيها يخصني ويخص محمود؟ أمي اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع هموم سنين، ومدت إيدها بتمسح على راسي بحنية، وقالت: — أبوكي الله يرحمه كان بيشوف أبعد مننا كلنا يا ندى.
لما جيتي من تلات سنين تقولي له إنك عايزة تتجوزي محمود، وإنه لسه بيبدأ ومحتاج زقة، أبوكي ما كانش مرتاح لحماتك ولا لنبرة التعالي اللي كانت في عين محمود وهو داخل بيتنا بجيبه الفاضي. بس أبوكي وافق عشانك.. عشان ما يكسرش بخاطرك. فتحت أمي السلسلة اللي في رقبتها، وكان فيها مفتاح صغير أوي، وحطته في القفل ولفته.
سمعت صوت التكة بتاعة القفل، وحسيت إن مع التكة دي باب حياتي القديمة اتقفل كله خلاص. فتحت العلبة. ما كانش فيها مجوهرات ولا دهب.. كان فيها أوراق رسمية، وعقود شراكة، وملف أزرق كبير مختوم بشعار شركة “الهلالي للإنشاءات والمقاولات العامة”.. نفس الشركة اللي محمود شغال فيها مدير فرع وفاكر نفسه بقى مالك الدنيا!
فتحت الملف وأنا إيدي بتترعش، وبدأت أقرأ: عقد ملكية حصة بنسبة ٤٠٪ من أسهم وأصول المجموعة، مسجلة باسم والدي، والحق الكامل في إدارة مجلس الإدارة، ومعاها توكيل رسمي عام وخاص موثق في الشهر العقاري متسجل باسمي أنا، ندى، بتاريخ قديم قبل وفاة بابا بشهرين بس! شهقت وبصيت لأمي مش مصدقة: — يعني إيه ده يا ماما؟ بابا.. بابا كان شريك الحج رأفت الهلالي؟ إزاي ده عمره ما قالي، وعمره ما اتكلم عن الشركة دي غير إنه بيشتغل فيها مستشار هندسي وخلاص! ابتسمت أمي بوجع وقالت: — أبوكي أسس الشركة دي مع رأفت زمان بالجهد والأرض اللي كان وارثها، ولما كبر وتعب، فضل إنه يبعد عن الدوشة ويسيب رأفت في الواجهة عشان ما يحسسش حد بالغيرة ولا الطمع.