حماتي كانت ضــ,,ـــــربتني حكايات روماني مكرم 2
ظننا جميعًا أن القصّة انتهت عند هذا الحد، وأن الحق قد انتصر تمامًا.. ولكن، وفي صباح اليوم التالي، وردنا هاتف عاجل!الحاجة فوزية، بعد مواجهة شديدة مع إخوتها الأعمام وفضح محاولاتها للفتنة، سقطت مغشيًا عليها ونقلت إلى المستشفى إثر أزمة صحية حادة!
وقف حسام في ذهول تام، ونظر إليّ والدموع تتساقط من عينيه: “أمي بتضيع يا ندى.. أمي بتمــ,,ـــــوت!”
أصبحت بين نــ,,ـــــارين: نــ,,ـــــار الماضي وما فعلته بنا هذه المرأة، ونــ,,ـــــار الواجب والإنسانية والموقف الحرج الذي يختبر معادن القلوب الحقيقية…
تحول كل شيء في لحظة إلى سراب؛ الخلافات، العزة، والكبرياء.
كان حسام يتخبط في الصالة كالمجنون، يرتدي ملابسه بيدين ترتجفان، والدموع تسيل على خديه بلا توقف.
لم أتردد لثانية واحدة. أمسكت بهاتفي واتصلت فورًا بأمي “الحاجة سناء”. أخبرتها بما حدث بصوت متقطع. ساد الصمت على الطرف الآخر لثوانٍ معدودات، ظننت خلالها أن أمي ستتذكر الماضي أو تشمت، لكن صوت أمي جاء نقيًا، حاسمًا، يقطر بأصل أولاد البلد الحقيقيين:
“أنا جاية حالاً يا ندى.. البسي وانزلي مع جوزك، الوقت ده مش وقت خصام ولا زعل، ده وقت أصول ووقفة رجالة!”
وصلنا إلى المستشفى، وكانت أروقة الطوارئ تشهد حالة توتر. كان أعمام حسام يجلسون على المقاعد بوجوه واجمة.
عندما رآنا حسام، ركض نحو العناية المركزة، ووقف خلف الزجاج المزدوج ينظر إلى أمه الممددة بين الأجهزة. لم تعد الحاجة فوزية تلك المرأة القوية؛ كانت مجرد جسد ضعيف يصارع المرض.
وبينما كنا ننتظر الطبيب، أقبلت أمي الحاجة سناء بخطوات واسعة. انقبــ,,ـــــضت أجساد الأعمام ظنًا منهم أنها جاءت لتعاتب أو تشمت، لكن أمي اتجهت مباشرة إلى حسام، وضعت يدها على كتفه وثبتته وقالت بصوت دافئ:
“شد حيلك يا حسام.. المــ,,ـــــوت ما فيش فيه شماتة ولا كبر. أمك ست كبيرة، وربنا غفور رحيم.. ادعيلها يا بني.”
التفت الحاج عبد العظيم، عم حسام الأكبر، ونظر إلى أمي بإجلال واحترام شديدين، وقال:
“أصيل يا حاجة سناء.. طول عمرك ست بمليون راجل، والمواقف دي هي اللي بتبين أصل الناس.”
خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة، وتحلقنا جميعًا حوله. مسح جبهته وقال بنبرة مجهدة:
“الحالة حرجة.. الأزمة أثرت عليها، لكن قدرنا نسيطر ونستقرر. هي محتاجة هدوء تام ودعواتكم.”
مرت تلك الليلة كأنها دهور. لم أترك حسام لحظة واحدة، كنت أقدم له الماء، وأحاول التخفيف عنه، وأمي تجلس على المقعد تمسك بسبحتها وتدعو للحاجة فوزية بالشفاء. في تلك الليلة، أدركت أن القوة الحقيقية ليست في الانتقام، بل في القدرة على التسامح عندما يكون الخصم مكسورًا.