ضرتي الكركوبه حكايات اسما السيد 5

الجزء العاشر
مرّ تلات أيام…
وليلى لسه في المستشفى.
الدكاترة كانوا رافضين تخرج.
لأن ضغطها كل شوية يعلى…
وينزل.
أما كريم…
فكان كل يوم ييجي.
ويقعد على الكرسي اللي قدام أوضتها.
من غير ما يطلب يشوفها.
ولا حتى يحاول يدخل.
كل اللي كان يعمله…
إنه يسأل الممرضة:
— أكلت؟
— نامت؟
— البيبي كويس؟
ولما يعرف إنها بخير…
يمشي في هدوء.
الممرضات بقوا يتكلموا عنه.
واحدة قالت:
— شكله بيحبها بجد.
التانية ردت:
— الحب مش بعد الخراب.
—
في صباح اليوم الرابع…
دخلت سما المستشفى.
كانت لابسة نضارة كبيرة…
ومخبية وشها.
أول ما وصلت للاستقبال…
قالت:
— عايزة أشوف ليلى.
الممرضة سألتها:
— حضرتك مين؟
قالت بسرعة:
— قريبتها.
لكن في اللحظة دي…
المستشار حسام خرج من الأسانسير.
وأول ما شافها…
وقف قدامها.
وقال بحدة:
— ممنوع.
سما اتوترت.
— وأنا جاية أعتذر.
رد المستشار:
— الاعتذار ده فات معاده.
لفت تمشي…
لكن قبل ما تخرج…
شافت كريم.
كان واقف آخر الطرقة.
أول ما شافها…
وشه اتقلب.
قرب منها.
وقال لأول مرة بصوت كله غضب:
— إنتِ جاية تعملي إيه؟
سما حاولت تمسك إيده.
— كريم… اسمعني.
نفض إيدها بعنف.
— بسببك ضيعت مراتي.
وبسببك خسرت ابني قبل ما يتولد.
وبسببك خسرت أبويا وهو في قبره.
سما صرخت:
— وأنا؟
أنا سيبت الدنيا كلها علشانك!
رد عليها وهو بيبصلها باحتقار:
— لا…
إنتِ سيبتي الدنيا علشان فلوسي.
ولما الفلوس راحت…
أول واحدة فكرت تهرب كانت إنتِ.
سكتت.
لأنها عرفت…
إنه بيقول الحقيقة.
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى جوه الأوضة.
سمعت جزء من صوتهم.
قامت من السرير بالعافية.
وقربت من الباب.
وسمعت كريم وهو بيقول:
— لو الزمن رجع بيا…
كنت هطلقك إنتِ…
وأتمسك بليلى بإيديا وسناني.
الكلمة دي…
خلت دموع ليلى تنزل.
لكنها رجعت سريرها بسرعة…
قبل ما حد يشوفها.
—
بعد ساعتين…
وصلت نتيجة آخر الفحوصات.
الدكتور ابتسم.
وقال:
— الحمد لله.
الحالة استقرت.
تقدري تخرجي بكرة.
والدة ليلى فرحت.
لكن الدكتور كمل:
— بشرط…
تبعد عن أي مشاكل.
وأي شخص يسبب لها ضغط نفسي…
يبقى بعيد عنها تمامًا.
بصت الأم ناحية الباب.
وقالت في نفسها:
— يبقى كريم…
لسه ملوش مكان.
—
في مساء نفس اليوم…
كان المستشار حسام بيراجع آخر ملفات الشركة.
وفجأة…
لفت نظره تحويل بنكي قديم.
بتاريخ يرجع لسنة ونص.
التحويل كان بمبلغ ضخم جدًا.
ومكتوب في خانة المستفيد:
“سما فاروق.”
لكن الغريب…
إن التحويل خرج من حساب سري…
مش من حسابات كريم.
بدأ يدقق أكتر.
ولما فتح المستندات…
اتسعت عينيه من الصدمة.
همس لنفسه:
— مستحيل…
يعني كل اللي حصل…
كان متخطط له من زمان؟
خطف الملف…
وركب عربيته.
واتجه فورًا للمستشفى.
كان لازم يشوف ليلى حالًا.
لأن الورق اللي في إيده…
هيغير القضية كلها…
وهيكشف إن خيانة كريم…
ما كانتش البداية…
لكن كان فيه شخص تالت…
هو اللي حرك كل الخيوط من أول يوم…
الجزء الحادي عشر
وصل المستشار حسام المستشفى…
وكان بيجري.
أول ما دخل…
الممرضة حاولت توقفه.
— يا فندم… المواعيد خلصت.
قال بسرعة:
— لازم أشوف الأستاذة ليلى حالًا.
من نبرة صوته…
عرفت إن الموضوع خطير.
خبط على الباب.
والدة ليلى فتحت.
أول ما شافت وشه…
قالت بقلق:
— خير؟
دخل من غير ما يقعد.
وحط الملف قدام ليلى.
وقال:
— فيه حاجة اكتشفناها…
ولو طلعت صحيحة…
يبقى اللي حصلك مكانش صدفة.
ليلى اعتدلت في السرير.
وقالت:
— اتكلم.
فتح الملف.
طلع كشف تحويلات.
وأشار على أول عملية.
— بصي للتاريخ.
ليلى بصت.
كان تاريخ التحويل…
قبل جواز كريم من سما بستة شهور.
استغربت.
— يعني إيه؟
قال المستشار:
— الحساب اللي حول الفلوس…
حساب تابع لشركة وهمية.
لكن بعد تتبع العمليات…
لقينا إن الشركة دي…
كانت بتحول مبالغ كبيرة لسما.
كل شهر.
ليلى عقدت حواجبها.
— مقابل إيه؟
قال:
— لسه بندور.
بس فيه حاجة أغرب.
طلع صورة تانية.
كانت لسما…
واقفة مع راجل كبير في السن.
في مطعم.
قال:
— تعرفيه؟
ليلى هزت رأسها.
— أول مرة أشوفه.
قال المستشار:
— اسمه سليم الجندي.
واحد من أكبر المستثمرين…
وكان بيحاول يشتري شركتك من سنين.
لكن كل مرة…
حضرتك كنتِ بترفضي.
ليلى بدأت تربط الأحداث.
— تقصد…
إن سما كانت بتشتغل معاه؟
قال:
— لسه مقدرش أجزم.
بس كل المؤشرات بتقول…
إن دخولها حياة كريم…
مكنش صدفة.
—
في نفس الوقت…
كان كريم راجع البيت القديم…
علشان يجيب شوية هدوم.
دخل المكتب.
فتح درج أبوه.
ولأول مرة…
لاحظ مفتاح صغير جدًا.
كان متلزق بشريط من تحت الدرج.
استغرب.
مسكه.
وقلبه بدأ يدق.
افتكر…
إن أبوه كان عنده خزنة محدش يعرف مكانها.
فضل يدور.
لحد ما وقف قدام لوحة كبيرة على الحيطة.
حركها.
ولقى باب خزنة حديد.
حط المفتاح.
والباب اتفتح.
الخزنة كانت مليانة ملفات.
وفي النص…
ظرف أبيض.
مكتوب عليه بخط والده:
“يسلم إلى كريم إذا خان ليلى.”
رجفت إيده.
فتح الظرف.
طلع جواب طويل.
بدأ يقرأ.
“يا ابني…
لو فتحت الجواب ده… يبقى للأسف عملت الحاجة الوحيدة اللي كنت خايف منها.
أنا عرفتك كويس.
وعرفت إن الغرور ممكن يعميك.
وعشان كده… خبيت الحقيقة.
ليلى عمرها ما كانت محتاجة فلوسنا.
إحنا اللي كنا محتاجين عقلها… وشرفها… واسمها.
ولو في يوم ظلمتها… اعرف إنك مش هتخسر زوجة بس…
هتخسر ست كانت مستعدة تضحي بكل ثروتها علشان تعيش معاك.
ولو لقيت نفسك بتقرأ الكلام ده… اعرف إنك فعلًا خسرتها.”
وقعت الورقة من إيده.
وقعد على الأرض.
يبكي…
زي طفل صغير.
—
أما سما…
فكانت قاعدة في شقة مفروشة صغيرة.
بعد ما سابت الفيلا.
موبايلها رن.
بصت للشاشة.
ابتسمت.
وردت بسرعة.
— أيوه يا سليم بيه.
جالها صوت هادئ:
— الأخبار إيه؟
قالت بعصبية:
— كل حاجة باظت.
كريم عرف الحقيقة.
رد الرجل ببرود:
— ولا يهمك.
دورك خلص.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— والفلوس؟
قال:
— هتاخدي الباقي…
لما تنفذي آخر خطوة.
اتوترت.
— خطوة إيه؟
قال بصوت منخفض:
— ليلى لازم توقع على بيع الشركة.
ولو رفضت…
هنجبرها.
سما بلعت ريقها.
ولأول مرة…
بدأ الخوف يدخل قلبها.
لأنها أدركت…
إن الراجل اللي كانت فاكرة نفسها بتشتغل معاه…
مستعد يضحي بأي حد…
حتى هي.
وفي اللحظة نفسها…
كان المستشار حسام ينظر إلى ليلى ويقول:
— واضح إن اللي داخلين عليه…
مش مجرد قضية طلاق.
دي حرب…
على إمبراطورية كاملة.
الجزء الثاني عشر
فضلت ليلى ساكتة…
وعينيها ثابتة على الملف.
قفلته بهدوء.
ورفعته ناحية المستشار حسام.
وقالت:
— مهما حصل…
الشركة مش للبيع.
ابتسم حسام ابتسامة خفيفة.
— كنت عارف إن ده هيكون ردك.
تنهدت ليلى.
وقالت:
— مش علشان الفلوس.
علشان دي وصية الراجل الوحيد…
اللي اعتبرني بنته.
أبو كريم.
ساد الصمت للحظات.
ثم سألت:
— كريم عرف؟
هز حسام رأسه.
— عرف جزء.
لسه فيه حاجات كتير مخبيها عنه أبوه.
—
في الناحية التانية…
كان كريم قاعد في مكتب أبوه القديم.
قدامه الخطاب.
كل شوية يعيده من الأول.
كأنه بيدور على جملة تقول له…
إن كل اللي حصل كابوس.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت.
فتح ألبوم صور قديم.
لقى صورة ليلى.
واقفة جنب أبوه في افتتاح فرع جديد.
كان أبوه كاتب ورا الصورة:
“البنت دي هتحافظ على اسمنا لو إحنا نفسنا وقعناه.”
ضم الصورة لصدره.
وقال بصوت مكسور:
— سامحني يا أبي…
أنا ضيعت كل حاجة.
—
بعد يومين…
خرجت ليلى من المستشفى.
رفضت ترجع أي قصر.
ورفضت تقعد في أي فندق.
رجعت بيت أمها.
البيت الصغير…
اللي بدأت منه حياتها.
كانت محتاجة هدوء…
مش مظاهر.
وأول ما نزلت من العربية…
اتفاجأت بكريم واقف بعيد.
لابس هدوم بسيطة.
وشكله مرهق.
أول ما شافها…
ما قربش.
فضل واقف مكانه.
وقال بصوت واطي:
— الحمد لله على سلامتك.
ليلى بصت له ثواني.
ثم قالت:
— شكرًا.
وكانت داخلة.
لكنه ناداها.
— ليلى…
وقفت.
من غير ما تبصله.
قال:
— مش طالب ترجعي.
ولا طالب تسامحيني.
أنا بس…
كنت عايز أقول إني كل يوم بصحى…
وأكتشف غلطة جديدة عملتها في حقك.
لفت ناحيته لأول مرة.
وقالت بهدوء:
— والاعتراف ده…
هيغير الماضي؟
نزل رأسه.
— لا.
— يبقى حافظ عليه للمستقبل.
ودخلت البيت.
وسابت الباب يتقفل بهدوء.
لكن الباب…
كان اتقفل على قلب كريم أكتر من أي وقت فات.
—
في المساء…
كان اجتماع مجلس الإدارة منعقدًا.
أحد الأعضاء قال:
— يا فندم…
الأسواق بدأت تستعيد الثقة في المجموعة.
والأسهم رجعت ترتفع.
ابتسمت ليلى.
لكنها قالت:
— أهم من الأرقام…
سمعة الشركة.
مش عايزة حد يتشمت في عيلة المنصور.
رغم كل اللي عملوه.
استغرب الجميع.
وسأل أحدهم:
— بعد كل اللي حصل…
لسه بتفكري فيهم؟
ردت بهدوء:
— لأن الانتقام…
بيعمي صاحبه.
وأنا مش هخسر نفسي…
علشان حد ظلمني.
—
في نفس الليلة…
وصل ظرف إلى بيت ليلى.
من غير اسم مرسل.
فتحته أمها.
ولما شافت اللي جواه…
شهقت.
كان الظرف يحتوي على نسخة قديمة من وصية والد كريم.
لكن آخر صفحة…
كانت ناقصة.
وفي ظهر الظرف…
مكتوبة جملة بخط اليد:
“الحقيقة الكاملة… لسه ما اتقالتش.”
رفعت ليلى الورقة…
وعينيها اتعلقت بالجملة.
وحست لأول مرة…
إن فيه سر أكبر من كل اللي عرفته.
سر…
هيغير حياة الجميع…
الجزء الثالث عشر
فضلت ليلى ماسكة الظرف…
وعينيها على الجملة المكتوبة بخط اليد.
“الحقيقة الكاملة… لسه ما اتقالتش.”
قلبت كل الأوراق.
يمكن تلاقي الصفحة الناقصة.
لكن مفيش.
والدتها سألتها بقلق:
— إيه اللي مكتوب؟
ليلى أخدت نفس طويل.
وقالت:
— حد عايز يقولنا إن لسه فيه سر أكبر.
وفي نفس اللحظة…
رن موبايل المستشار حسام.
رد بسرعة.
وبعد أقل من دقيقة…
وشه اتغير.
ليلى قامت من مكانها.
— خير؟
قال وهو بيقفل الخط:
— حد دخل مكتب والد كريم القديم.
واخد ملفات معينة…
وساب باقي الخزنة زي ما هي.
عقدت ليلى حاجبيها.
— يعني كان عارف بيدور على إيه.
هز حسام رأسه.
— بالضبط.
ودي أول مرة تقلقني.
—
أما كريم…
فكان لسه قاعد في مكتب أبوه.
يبص لكل ركن.
وفجأة…
افتكر حاجة.
أبوه كان دايمًا يقول:
“لو ضاعت منك الحقيقة…
دور تحت المكتب.”
نزل على ركبته.
وبدأ يتحسس الخشب.
لحد ما لقى درج صغير مخفي.
فتحه.
لقى داخله مفتاح…
ومعاه ورقة صغيرة.
مكتوب فيها:
“الأمانة عند أمين.”
فضل يبص للجملة.
ويرددها.
— أمين؟
مين أمين؟
وفجأة…
افتكر.
عم أمين…
السواق القديم.
الراجل اللي اشتغل مع أبوه أكتر من أربعين سنة.
لكن اختفى بعد الوفاة بأيام.
قام بسرعة.
وراح يدور على عنوانه.
—
في بيت بسيط على أطراف المدينة…
كان عم أمين قاعد قدام بيته.
يشرب شاي.
سمع صوت عربية وقفت.
رفع رأسه.
ولقى كريم نازل منها.
أول ما شافه…
تنهد.
وقال:
— عرفت إنك هتيجي.
استغرب كريم.
— كنت مستنيني؟
ابتسم الراجل العجوز.
— أبوك قالي…
إن اليوم ده هييجي.
قعد كريم قدامه.
وقال بسرعة:
— بالله عليك…
قوللي الحقيقة.
عم أمين دخل البيت.
ورجع بعد دقائق.
شايل صندوق خشب صغير.
كان عليه قفل نحاس قديم.
حطه قدام كريم.
وقال:
— ده أمانة عندي من يوم مات أبوك.
قال إنك…
لو ظلمت ليلى…
ما أدهولكش…
غير لما تعرف قيمة اللي ضيعته.
رجفت إيد كريم.
فتح الصندوق.
لقى داخله دفتر جلد قديم.
أول صفحة كانت مكتوب فيها:
“مذكرات عادل المنصور.”
بدأ يقلب الصفحات.
وكان كل يوم مكتوب بالتاريخ.
إلى أن وصل لصفحة جعلت قلبه يقف.
“اليوم… سجلت كل أسهم المجموعة باسم ليلى.
مش لأنها غريبة.
لكن لأنها الإنسان الوحيد اللي وثقت فيه.
*وابني كريم…
لسه محتاج يتعلم إن القيادة أخلاق…
مش سلطة.”*
دموع كريم نزلت من غير ما يحس.
وقال:
— يا ريتني كنت قريت الكلام ده من سنين.
عم أمين رد بهدوء:
— كان لازم تتعلم بنفسك.
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى قاعدة في شرفة بيت والدتها.
الهوا كان هادي.
وحطت إيدها على بطنها.
وفجأة…
حست بحركة قوية من الجنين.
ابتسمت لأول مرة من أيام.
وقالت:
— شكلك سمعتني.
في اللحظة دي…
وصلت رسالة على موبايلها.
رقم غير معروف.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
“مش كل اللي حواليكي أوفياء… راجعي أقرب شخص بتثقي فيه.”
اتجمدت.
وأعادت قراءة الرسالة أكتر من مرة.
مين بعتها؟
وليه؟
وليه دلوقتي؟
رفعت رأسها…
ولقت المستشار حسام داخل من باب البيت.
وفي وشه علامات قلق واضحة.
أول ما وصل قدامها…
قال جملة واحدة…
خلّت قلبها ينقبض:
— يا فندم…
واضح إن حد بدأ يلعب لعبة أخطر…
ومش هدفه الشركة المرة دي…
هدفه إنتِ شخصيًا.
الجزء الأخير
فضلت ليلى تبص للمستشار حسام…
والرسالة لسه مفتوحة قدامها.
قالت بهدوء:
— تتبعوا الرقم؟
هز رأسه.
— اتبعت من شريحة اتخلصوا منها بعدها بدقائق.
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت.
— يبقى اللي بعتها… كان عايز يحذرني.
مش يهددني.
في نفس الوقت…
كان كريم وصل لآخر صفحة في مذكرات أبوه.
وكان فيها سطر واحد.
“لو خسرت ليلى… متحاولش تكسبها بالكلام… أصلح نفسك الأول.”
قفل الدفتر.
وقام.
وأخد قرار لأول مرة…
من غير ما يفكر في نفسه.
—
بعد أيام…
انعقدت الجمعية العمومية للشركة.
كل المساهمين موجودين.
والصحافة برا القاعة.
دخلت ليلى بثبات.
وخلفها مجلس الإدارة.
وبعد دقائق…
دخل كريم.
لكن المرة دي…
مش كرئيس للمجموعة.
ولا كرجل أعمال مشهور.
دخل بصفته مساهمًا فقط.
وقف الجميع في انتظار القرار.
بدأت ليلى الكلام.
— بعد المراجعة…
ثبت وجود أخطاء إدارية جسيمة.
لكن ثبت أيضًا…
إنها لم تكن بهدف الإضرار بالشركة.
كان سوء تقدير…
وغرور…
وثقة في الأشخاص الخطأ.
بصت ناحية كريم.
ثم أكملت:
— لذلك…
قررت بصفتي رئيسة مجلس الإدارة…
عدم المطالبة بأي تعويضات شخصية.
واكتفي باسترداد حقوق الشركة كاملة.
ساد الصمت.
الكل كان متوقعًا إنها تنتقم.
لكنها اختارت العدالة.
خرجت من القاعة…
والصحفيون جريوا عليها.
— يا فندم…
هل صحيح إن الأستاذ كريم هيرجع للإدارة؟
ردت بهدوء.
— ده قرار يخص المجلس…
وليس حياتي الشخصية.
—
بعد الاجتماع…
استوقفها كريم.
كان واقف بعيد.
وقال:
— دقيقة واحدة.
وقفت.
من غير ما تقرب.
قال:
— مش جاي أطلب ترجعي.
ولا جاي أبرر.
أنا بس…
جاي أشكرك.
استغربت.
قال:
— لأنك علمتيني درس…
مكنتش هتعلمه لو عشت مية سنة.
الفلوس…
بتتعوض.
الشركات…
بتتبني من جديد.
لكن كسر الإنسان…
صعب يتصلح.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت:
— أتمنى تكون فعلًا اتعلمت.
مد إيده.
لكن علشان يسلم عليها فقط.
بعد لحظة تردد…
صافحته.
ثم سحبت إيدها.
ومشت.
—
مرت الشهور.
وجاء يوم الولادة.
وقف كريم خارج غرفة العمليات.
مش لأنه زوجها.
لكن لأنه والد الطفل.
كان قلقان…
وبيتمشى رايح جاي.
خرج الدكتور مبتسمًا.
وقال:
— ألف مبروك.
رزقتوا بولد.
نزلت دموع كريم.
ولما سمحوله يدخل…
دخل بهدوء.
لقى ليلى شايلة الطفل.
بصتله.
وقالت:
— اتفضل…
شيل ابنك.
مد إيده وهو بيرتعش.
وشال الطفل لأول مرة.
وبكى.
وقال:
— أوعدك…
إني هكون أب أحسن…
من الزوج اللي كنت عليه.
ليلى ما ردتش.
لكنها هزت رأسها في هدوء.
—
مرت سنة كاملة.
كريم اشتغل من جديد.
بدأ من الصفر.
من غير اسم أبوه.
ومن غير نفوذ.
كان بيشتغل بجد…
علشان يثبت لنفسه قبل أي حد…
إنه اتغير.
وكان يزور ابنه بانتظام.
ويحترم كل اتفاق بينه وبين ليلى.
أما سما…
فابتعدت تمامًا عن حياتهم.
ودولت…
راحت بنفسها تعتذر لليلى.
وقالت وهي تبكي:
— سامحيني يا بنتي.
أنا ظلمتك.
ابتسمت ليلى.
وقبلت إيد الست الكبيرة.
وقالت:
— ربنا يسامحنا كلنا.
—
وفي افتتاح المقر الجديد للشركة…
وقفت ليلى على المسرح.
وقالت أمام الجميع:
— النجاح الحقيقي…
مش إنك تملك شركة.
ولا ملايين.
النجاح…
إنك لما تقدر تنتقم…
تختار العدل.
ولما تقدر تكسر…
تختار تسيب الحياة تعلم.
صفق الجميع.
وفي آخر القاعة…
كان كريم واقف يحمل ابنه.
نظر إلى ليلى…
ثم إلى الطفل.
وابتسم.
لأنه فهم أخيرًا…
أن أغلى ما خسره…
لم يكن المال.
وأغلى ما كسبه…
كانت فرصة…
أن يصبح إنسانًا أفضل.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *