رد شرف منى السيد

بس الډم في عروقي كان متلج كأني واقفة في فريزر. الشنطة اللي فيها الدوسيه الأحمر كانت مضمومة بين ضلوعي وإيدي متشبثة بدراعها لدرجة إن صوابعي ابيضّت من كتر الضغط.
الراجل اللي اتكلم كان لابس بدلة سودا كلاسيك، عريض المنكبين، رقبته غليظة وملامحه ناشفة زي الجرانيت، صوته كان هادي ومفيهوش ذرة تردد، نبرة واحد متعود يؤمر ويتطاع من غير نقاش اتفضلي يا مدام شروق، مفيش داعي للوقفة في الشارع والفضايح، الباشا مستني في المكتب ومش حابب الأمور تتعقد أكتر من كدة.
أنا رجعت خطوة لورا ناحية بسطة السلم، وعيني راحت للراجل التاني اللي كان واقف جمب باب العربية المفتوح، إيده اليمين تحت جاكت البدلة في حركة تخلي أجدع راجل يبلع ريقه. بس بعد كل اللي شوفته فوق في شقة حماتي بعد الغدر والسړقة والتمثيلية الرخيصة الخۏف اللي جوايا كان اتحرق وبقى مكانه غل وقوة غريبة مكنتش أعرف إنها فيا.
مسكت التليفون اللي لسه شاشته منورة، ورفعت صوتي بثبات
باشا مين يا كابتن؟! أنتوا فاكرين نفسكم في غابة ولا إيه؟ وسّع من طريقي بدل ما أصرخ وألم عليك الشارع وقسم الهرم كله، وابن خالي المستشار هشام معاه اللوكيشن بتاعي وسامعك دلوقتي حالا!
الراجل بص للتليفون بابتسامة سخرية خفيفة، مطلعتش من غير ثقة، وقرب نص خطوة وهدى صوته أكتر بحيث ميوصلش لحد من بوابين الشارع
ابن خالك المستشار هشام هو اللي باعتنا يا مدام… وهو بنفسه اللي مستني مع الباشا عشان تلموا الليلة قبل ما محمود يهرب بالفلوس اللي في البنك الأهلي فرع الدقي، وقبل ما العقود اللي في شنطتك دي قيمتها تبقى صفر على الشمال.
الكلمة خبطت في دماغي زي المرزبة. هشام؟ هشام ابن خالي باعت عربية مفيّمة ورجالة بالشكل ده؟ طب ليه مقاليش على التليفون؟ وليه قفل المكالمة فجأة من غير ما يديني أمارة؟
وقبل ما ألحق أفكّر أو أرد، سمعت صوت دوشة ورزع فوق في بير السلم، وصوت جزمة بتجري بسرعة چنونية نازلة على الدرجات. كان محمود! نازل ينهج وعرقه سايح على قميصه المفتوح، ووراه هناء بتصرخ من فوق السور اقف يا حرامي! والله ما هسيبك تخرج بالشنطة اللي في جيبك!
محمود نزل لمدخل العمارة وعينه عليا وعلى الشنطة اللي في إيدي، بس أول ما لمح العربية السودا والراجلين اللي واقفين، وشه اتجمد ورجليه خانته واتكعبل في آخر درجتين وكاد يقع على وشه. بص للراجل أبو بدلة وعينيه طلعت لبره من الړعب وصړخ بصوت مشروخ
حازم بيه؟! أنتوا… أنتوا عرفتوا مكاني إزاي؟!
الراجل اللي اسمه حازم لف لمحمود بنظرة احتقار تامة، وقاله ببرود
الباشا مش بيسيب قرش من فلوسه يا محمود، خصوصاً لو كان القرش ده مسروق من شحنة المكن اللي دخلت المينا باسم شركته وأنت بعتها لحسابك بمساعدة نهى وقبضت تمنها وحطيته في حساب دعاء أختك.
الصورة بدأت تتركب في دماغي زي قطع البازل المرعبة… محمود مكنش بس بينصب عليا في دهبي وأرض أبويا، ولا على هناء في ورث أبوها، محمود كان طمعان في حيتان كبار، ودخل في غسيل أموال وتهريب بضايع مع ناس لو داسوا عليه يمحوه من على وش الأرض!
محمود زحف على الأرض وهو بيمسك في بنطلون حازم وبيتوسل بدموع حقيقية
والله يا حازم بيه كل مليم هيرجع، الفلوس في البنك والورق كله مع شروق… شروق معاها العقود اللي تثبت إن دعاء هي اللي مستلمة الشيكات، خود الورق منها وملكش دعوة بيا!
الراجل بصلي وهز راسه بهدوء
شوفتي بقى يا مدام؟ جوزك المصون

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *