رجل وامرأتان ندى الجمل
أنا عمري ما كنت أتخيل إن اليوم اللي خرجت فيه علشان أفرح مع أعز صاحبة ليا… هيبقى اليوم اللي حياتي كلها هتتقلب فيه.
اسمي نادين، دكتورة أسنان، ومتجوزة من كريم بقالنا خمس سنين. عمره ما خلاني أشك فيه، بالعكس، كان دايمًا بيعاملني باحترام، وكل الناس كانت بتحسدنا على حياتنا.
كريم شغله في التجارة، وبيسافر كتير، وكنت متعودة على ده. ولما جه قبل أسبوع وقالي:
“السفرية دي هتطول شوية… ممكن أغيب شهر.”
ابتسمت وقلت: “ربنا يوفقك… أهم حاجة ترجع بالسلامة.”
لكن من أول يوم وهو مسافر، حسيت إن في حاجة غلط.
كل مرة أكلمه فيديو، يرفض.
“أنا في مخزن.”
“أنا وسط الناس.”
“النت وحش.”
ألف حجة وحجة… وكنت كل مرة أقول لنفسي: يمكن فعلًا مشغول.
لحد ما اتصلت بيا صاحبة عمري، ياسمين، اللي كانت مسافرة بره مصر بقالها سنين.
قالتلي وهي فرحانة: “رجعت أخيرًا… واتخطبت، وفرحي بعد يومين، ولازم تكوني أول واحدة موجودة.”
فرحت من قلبي.
نزلت اشتريت فستان جديد، وروحت الكوافير، وكنت متحمسة أشوفها بعد الغيبة الطويلة.
وجاء يوم الفرح…
دخلت القاعة، وسلمت على المعازيم، واستنيت الزفة.
وفجأة…
الباب اتفتح.
العريس دخل.
وأول ما رفعت عيني…
الدنيا اسودت قدامي.
العريس…
كان كريم.
جوزي.
الراجل اللي المفروض مسافر.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لكن الغريب…
إن ولا هو، ولا ياسمين، شافوني وسط الزحمة.
وقفت ورا عمود كبير في القاعة، وأنا ببص عليهم من بعيد.
كان بيضحك.
وبيسلم على الناس.
وكأنه عمره ما عرفني.
ساعتها حسيت إن قلبي بيتكسر ألف حتة.
لكن في نفس اللحظة، عقلي قاللي:
“لو صرختي دلوقتي… هتبقي انتي الخسرانة.”
خدت نفس عميق…
ومسحت دموعي…
وقررت إن الفرح ده مش هيكمل بسهولة.
وبدأت أفكر…
إيه الحركة اللي ممكن أقلب بيها الدنيا كلها… من غير ما أتكلم كلمة واحدة؟
فضلت واقفة بعيد، وقلبي بيدق بسرعة، لكن ملامحي كانت ثابتة.
كل الناس كانت بتضحك، والزغاريد مالية القاعة، ولا حد فيهم يعرف إن العريس متجوز أصلًا.
بصيت لياسمين… كانت لابسة الفستان الأبيض، ووشها كله فرحة. من شكلها كانت مقتنعة إنها هتبدأ حياة جديدة مع راجل أعزب، ومكنتش أعرف إذا كانت ضحية زيه ولا كانت عارفة الحقيقة.
قلت لنفسي: “مش هظلم حد… لازم أعرف الأول.”
طلعت موبايلي، وفتحت ألبوم الصور.
كان عندي صور كتير ليا أنا وكريم، وصور من كتب الكتاب، ومن فرحنا، وصور في البيت، وحتى فيديو وهو بيعايدني في عيد جوازنا.
ساعتها جاتلي فكرة.
مش هعمل فضيحة…
لكن هخليه هو اللي يفضح نفسه.
روحت بهدوء لواحدة من البنات اللي واقفين مع العروسة، وقلت لها: “ممكن لو سمحتي تقولي للعروسة إن في واحدة صاحبتها القديمة نفسها تسلم عليها دقيقة؟”
البنت ابتسمت وقالت: “حاضر.”
بعد أقل من دقيقة، ياسمين خرجت من الكوشة وهي مبتسمة.
أول ما وقفت قدامي، حضنتني بكل حب وقالت: “نادين! أخيرًا شفتك.”
حضنتها، وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع.
قلت لها بهدوء: “مبروك يا حبيبتي… ربنا يتمملك على خير.”
ابتسمت وقالت: “مستغربة إنك جيتي متأخرة.”
قلت لها: “قبل ما أباركلك… ممكن أبصك على حاجة على الموبايل؟”
قالت باستغراب: “أكيد.”
فتحت أول صورة…
أنا وكريم يوم كتب الكتاب.
بعدين قلبت للصورة اللي بعدها…
إحنا لابسين دبلة الجواز.
بعدين فيديو قصير وهو بيقولي: “كل سنة وإنتِ مراتي وحبيبتي.”
ابتسامتها اختفت.
وشها اصفر.
وبصتلي وقالت بصوت مهزوز: “مين ده؟”
بصيت في عينيها وقلت: “ده… جوزي.”
سكتت.
فضلت تبص للموبايل… وبعدين بصت ناحية الكوشة.
رجعت بصتلي تاني.
وقالت وهي بتترعش: “إنتِ بتهزري… صح؟”
طلعت بطاقة الرقم القومي من شنطتي، وبعدها صورة قسيمة الجواز اللي كنت محتفظة بيها على الموبايل.
قلت: “نفسي أكون بهزر.”
في اللحظة دي، ياسمين بدأت تعيط.
وقالت: “والله العظيم… أنا كنت فاكرة إنه أعزب. قال لي إنه عمره ما اتجوز.”
حسيت إنها اتكسرت هي كمان.
وقبل ما أتكلم…
لقينا كريم جاي علينا بسرعة، واضح إنه لاحظ إننا واقفين مع بعض.
وأول ما شاف الموبايل في إيدي…
اتغير لون وشه.
وعرف…
إن كل حاجة انتهت.
أول ما كريم وصل عندنا، وشه كان شاحب، وعنيه مليانة خوف لأول مرة أشوفه بالشكل ده.
بص لياسمين، وبعدين بصلي، وقال وهو بيحاول يبتسم: “إيه يا جماعة؟ واقفين هنا ليه؟”
ياسمين رجعت خطوة لورا، وهي بتبصله بصدمة، وقالت بصوت مهزوز: “إنت… متجوز؟”
اتلخبط وقال بسرعة: “اسمعي الأول… الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.”
قاطعتُه وأنا بهدوء: “طيب قولها… قولها إن دي مش صورك. قولها إن دي مش قسيمة جوازنا. قولها إني مش مراتك.”
فضل ساكت… ولا عرف ينطق.
في اللحظة دي، ياسمين صرخت فيه: “رد عليا!”
بدأت الناس تلم حواليهم، وكل واحد بيسأل: “في إيه؟”
والدة ياسمين قربت وهي مستغربة، وقالت: “حصل إيه يا بنتي؟”
ياسمين كانت بترتعش، ومسكت الموبايل من إيدي، وورّت أمها صور جوازي من كريم.
الأم بصت للصور، وبعدها بصت لكريم، وقالت بغضب: “الكلام ده صحيح؟”
كريم حاول يلف ويدور: “أنا كنت هقول… بس الظروف…”
لكن محدش كان بيسمعه.
والد ياسمين جه هو كمان، وخطف الموبايل، وقعد يقلب في الصور، لحد ما وقف عند صورة عقد الجواز.
رفع عينه ناحية كريم وقال: “يعني إنت داخل تتجوز بنتي وإنت على ذمة واحدة؟”
كريم سكت.
وسكوته كان أكبر اعتراف.
في ثواني، الفرح كله اتقلب.
المزيكا وقفت.
والمعازيم بقوا واقفين بيتفرجوا.
وفي ناس بدأت تمشي، وناس تانية ماسكة موبايلها وبتصور.
ياسمين قلعت الدبلة من إيدها، ورمتها في وش كريم وهي بتعيط، وقالت: “أنا كنت فاكرة إني هبدأ حياة جديدة… طلعت ههد بيت واحدة زيي.”
أما أنا…
فكنت واقفة بهدوء.
مكنتش فرحانة.
ولا شمتانة.
كنت حاسة إن خمس سنين من عمري انهاروا في لحظة.
لكن لسه الأصعب ماجاش…
لأن كريم فجأة بصلي وقال قدام كل الناس:
“أنا مستعد أطلقك دلوقتي… بس متبوظيش حياتي.”
الجملة دي كانت الشرارة اللي خلت كل الموجودين يلتفتوا ناحيتي…
وساعتها أخدت قرار هيغير حياة كل واحد في القاعة.
أول ما سمعت كريم بيقول قدام الناس:
“أنا مستعد أطلقك دلوقتي… بس متبوظيش حياتي.”
بصيتله ثواني من غير ما أتكلم.
كل الموجودين كانوا مستنيين إني أصرخ، أو أعيط، أو أشتمه.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
ابتسمت ابتسامة هادية، وقلت:
“أنا؟ أبوظ حياتك؟ ده إنت اللي بوظتها بنفسك.”
سكتت القاعة كلها.
كملت كلامي وأنا بثبات:
“أنا مجتش هنا أدور عليك… أنا جاية أحضر فرح صاحبتي. القدر هو اللي كشفك.”
ياسمين كانت واقفة بتعيط، فمسكت إيدها وقلت لها:
“بصيلي… إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة. لو كنتِ تعرفي إنه متجوز، كنتِ عمرك ما كنتي وافقتي.”
هزت راسها وهي منهارة، وقالت: “والله ما كنت أعرف… أقسم بالله.”
حضنتها، وقلت: “أنا مصدقاكي.”
الكلام ده خلّى أهلها يقتنعوا إنها كانت ضحية هي كمان.
أما كريم، فبدأ يحاول يبرر:
“أنا كنت ناوي أقول الحقيقة بعدين… بس كنت خايف أخسرها.”
رد عليه والد ياسمين بغضب:
“يعني كنت هتضحك على بنتي لحد بعد الجواز؟”
في اللحظة دي، والد كريم وصل القاعة بعدما حد اتصل بيه.
أول ما فهم اللي حصل، بص لابنه بنظرة كلها خيبة أمل، وقال:
“دي التربية اللي ربيتك عليها؟”
كريم حاول يقرب من أبوه، لكن والده زقه بعيد وقال:
“متتكلمش… أنا مكسوف أرفع عيني في الناس بسببك.”
أم كريم كانت بتعيط، وكل شوية تقول:
“يا خسارة… يا خسارة.”
أما أنا، فطلعت دبلة جوازي من إيدي، وحطيتها على الترابيزة قدامه.
وقلت بكل هدوء:
“من اللحظة دي… انتهى كل اللي بينا.”
لفيت أمشي.
لكن قبل ما أخرج من القاعة، سمعت ياسمين بتناديني.
جريت عليا، وقالت وهي بتبكي:
“سامحيني… والله ما كنت أعرف.”
حضنتها تاني، وقلت:
“إنتِ مش محتاجة سماح… لأنك كنتِ ضحية زيي.”
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن قلبي مكسور…
لكن لأول مرة من ساعات، كنت حاسة إني كسبت كرامتي.
مكنتش أعرف إن اللي حصل في الفرح كان مجرد البداية…
لأن تاني يوم الصبح، لقيت على موبايلي رسالة من رقم غريب، مكتوب فيها:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها عن كريم… قابليني الساعة ٥، لأن اللي تعرفيه لحد دلوقتي مجرد أول صفحة.”
وقتها عرفت إن ورا الخيانة دي… أسرار أكبر بكتير.
بقلم ندى الجمل