حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 1
نظرت والدتي إليّ بقلق، متوقعة أن أنفجر في الرد، ولكن التغيير الذي حدث في ليلة الخميس لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل كان تحولًا كاملاً في طريقة إدارتي لحياتي.
تنفس بالهدوء وقلت بثبات احترامًا لسنه: “يا حاج عبد العظيم.. حضرتك رجل حق وتعرف الأصول. الأصول بتقول إن البيت اللي أعيش فيه لازم أكون فيه معززة مكرمة. الحاجة ثريا مش في مقام أمي، لأن أمي لما بتشوفني غلطانة ببتنصحني في السر، وما بترفعش إيدها تضربني أمام سلايفي وتشتمني في كرامتي. واليد التي ارتفعت لتضربني لم تكن يد نصيحة، بل يد قهر.”
وتابعت وأنا أقف بأناقة ووضوح: “أنا لم أعتدِ على الحاجة ثريا، أنا فقط منعتها من الاعتداء عليّ. ومن يطالبني بالإعتذار لأنه رأى رفعتي لإيدها دفاعًا عن نفسي، كان الأولى به أن يطالبها هي بالإعتذار لأنها نسيت سنها ومقامها وحاولت ضرب مهندسة متزوجة في بيت زوجها. أما بالنسبة لعودة أحمد للبيت الكبير، فهذا قرار يخصه هو، ولكن أنا لن أطأ بيتًا يُهان فيه كبريائي، ولن أقبل بزواج يعتمد على الخنوع.”
صمت الحاج عبد العظيم لثوانٍ، وبدت عليه المفاجأة من منطقي المتماسك ولهجتي القاطعة التي تخلو من أي قلة أدب ولكنها تتفجر بالاستقلالية. التفت إلى والدتي وقال: “الظاهر إن الجيل الجديد له حسابات تانية خالص يا أم ندى..”
ردت أمي بثبات: “الجيل الجديد من حقه يعيش بكرامة يا حاج. إحنا ربينا بناتنا على الأدب، بس ماربيناهمش يكونوا جواري عند حد.”
خرج الحاج عبد العظيم دون أن يحصل على الوعد الذي جاء من أجله. ولكن المفاجأة الحقيقية كانت موقف أحمد؛ عندما علم بزيارة عمّه لبيت أهلي، اتصل بجميعه فورًا وأخبره بحسم أن أي تدخل من العائلة يُقصد به إجبار ندى على الاعتذار مرفوض تمامًا، وأن قراره بالاستقلال في الشقة الجديدة قرار نهائي لا رجعة فيه.
كان هذا الموقف بالذات هو الاختبار الحقيقي بالنسبة لي. لأول مرة، يتصدى أحمد لعائلته كحائط صد يمنع الهجوم عني، بدلاً من أن يكون جسرًا يمرون عليه لدعسي.
مر شهر كامل.
خلال هذا الشهر، كانت الشقة الجديدة قد اكتملت تمامًا. اخترنا ألوانها معًا، ووضعنا كل قطعة أثاث بعد تفكير مشترك. لم تعد التفاصيل تُفرض عليّ، بل أصبحت مساحة للتفاهم والشورى. كان أحمد يزورني في بيت أهلي، ونخرج معًا، ونتبادل الأحاديث بعمق لم نصل إليه طوال سنوات زواجنا الثلاث الأولى.