حكايات بسمه1

جوزي وعدني إن أول سفرية بعد الجواز هتبقى لينا لوحدنا… ليلة السفر اكتشفت إنه حاجز لأمه وأخته معانا، والأغرب إن حجزي أنا كان الوحيد الملغي.

 

فضلت شهور مستنية السفرية دي.

 

من قبل الفرح وهو بيقولي:

 

—أول ما نستقر، هاخدك كام يوم بعيد عن كل الناس… أنا وإنتِ بس.

 

وكنت مصدقاه.

 

خصوصًا إن أول شهور جوازنا مكانش فيها يوم واحد تقريبًا لينا لوحدنا.

 

حماتي عندنا كل يومين.

 

أخته تدخل وتخرج من غير ميعاد.

 

ولو اعترضت، جوزي يقول:

 

—استحمليهم عشاني، دول أهلي.

 

فسكت.

 

ولما قالي إنه حجز لنا أسبوع في شرم الشيخ، فرحت جدًا.

 

اشتريت هدوم جديدة.

 

بدلت مواعيد شغلي.

 

وحتى رفضت أحضر مناسبة مهمة في عيلتي عشان السفر.

 

قبلها بيوم سألته:

 

—متأكد إن كل حاجة تمام؟

 

قال:

 

—متقلقيش، أنا عامل حساب كل حاجة.

 

ليلة السفر وصلنا المطار.

 

وأول ما دخلنا…

 

لقيت حماتي وأخته واقفين بالشنط.

 

افتكرت في الأول إنهم مسافرين صدفة.

 

قلت باستغراب:

 

—إنتوا هنا بتعملوا إيه؟

 

أخته ضحكت وقالت:

 

—مفاجأة.

 

بصيت لجوزي.

 

قال وهو بيتجنب عيني:

 

—ماما كانت نفسها تغير جو، وأختي قالت تيجي معاها… فقلت بدل ما يسافروا لوحدهم، ييجوا معانا.

 

قلتله:

 

—معانا فين؟ دي سفريتنا إحنا.

 

رد بعصبية:

 

—متعمليش مشكلة في المطار.

 

بلعت كلامي.

 

وقلت لنفسي خلاص.

 

أسبوع وهيعدي.

 

لكن عند كاونتر الشركة…

 

الموظفة أخدت البطاقات والحجوزات.

 

وبعد دقايق بصتلي وقالت:

 

—آسفة يا فندم، حضرتك مش موجودة على الحجز.

 

ضحكت بتوتر.

 

—إزاي؟ إحنا أربعة.

 

قالت:

 

—الحجز لثلاثة أشخاص فقط.

 

جوز حضرتك، ووالدته، وأخته.

 

بصيت لجوزي.

 

وشه اتغير.

 

قلت:

 

—وحجزي؟

 

الموظفة قلبت في السيستم.

 

وبعدين قالت:

 

—كان موجود فعلًا… لكن اتلغى من أسبوع، والمبلغ اترد على نفس وسيلة الدفع.

 

ساعتها فهمت.

 

حماتي وأخته مكانوش إضافة مفاجئة.

 

أنا اللي كنت اتشلت من السفرية.

 

قلت لجوزي:

 

—إنت لغيت حجزي؟

 

قال بسرعة:

 

—هفهمك.

 

حماتي تدخلت:

 

—يا بنتي متكبريش الموضوع. إحنا قولنا نخليها سفرية عائلية، وإنتِ ممكن تسافري معاه بعدين.

 

بصيتلها.

 

وبعدين بصيت لجوزي.

 

—وإنت وافقت؟

 

قال:

 

—ماما تعبانة نفسيًا ومحتاجة تغير جو.

 

قلت:

 

—على حساب مين؟

 

سكت.

 

الموظفة قالت:

 

—المبلغ المسترد اتحول على البطاقة اللي تم الدفع منها.

 

طلعت موبايلي وفتحت تطبيق البنك.

 

أنا اللي كنت دافعة تمن الرحلة كلها.

 

لكن الفلوس ما رجعتش لحسابي.

 

قلت للموظفة:

 

—ممكن أعرف البطاقة اللي استلمت الاسترداد آخر أربع أرقام منها كام؟

 

قالتلي.

 

بصيت لجوزي.

 

الأرقام كانت بتاعة بطاقته.

 

يعني مش بس لغى سفري…

 

ده أخد فلوس حجزي، ودفع بيها جزء من سفر أمه وأخته.

 

قلتله:

 

—هات مفتاح البيت.

 

اتوتر.

 

—إيه؟

 

—المفتاح.

 

حماتي قالت:

 

—إنتِ هتعملي فيها كرامة دلوقتي؟

 

ابتسمت.

 

—لا… أنا هسيبكم تستمتعوا بالسفرية العائلية.

 

جوزي مسكني من إيدي.

 

—هترجعي لوحدك يعني؟

 

قلت:

 

—آه.

 

—ولما أرجع نتفاهم.

 

بصيتله وقلت:

 

—لما ترجع… ابقى شوف الأول هترجع على فين.

 

ضحك.

 

افتكرني بهدده وخلاص.

 

لكن اللي هو مكانش يعرفه…

 

إني قبل الجواز كنت شارية الشقة باسمي، وهو أصر بعدها إننا نسكن فيها بدل ما نأجر.

 

رجعت من المطار.

 

وفي الصبح غيرت كالون الباب.

 

وجمعت كل حاجته.

 

وبعتها على بيت أمه.

 

لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد يومين.

 

اتصل بيا رقم غريب.

 

رديت.

 

لقيت موظف من شركة السياحة بيقولي:

 

—مدام، حضرتك قدمتي شكوى بخصوص إلغاء الحجز؟

 

قلت:

 

—لا.

 

سكت لحظة وقال:

 

—غريبة… لأن عندنا شكوى باسم حضرتك، ومرفق معاها صورة بطاقتك وتوقيعك بالموافقة على تحويل قيمة الحجز لشخص تاني.

 

قلبي وقع.

 

أنا ما وقعتش على أي حاجة.

 

طلبت منه يبعتلي الورقة.

 

وأول ما فتحتها…

 

عرفت التوقيع فورًا.

 

مش توقيع جوزي.

 

كان…..

 

كان توقيع أخت جوزي.

توقيع أعرفه كويس جدًا من أيام ما كانت بتحاول تقلد خطي وتوقيعي على أوراق الجمعية اللي كنا داخلينها سوا قبل الجواز، خطها فيه كسرة معينة في حرف الراء مستحيل تغلط فيها عيني. الموظف على التليفون كان مستني رد، صوت انفاسه الهادية على الناحية التانية من الخط كان نذير شؤم لكل حاجة جاية.

— يا فندم؟ معايَ على الخط؟

رديت بصوت حابس الدموع والعصبية، صوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ثابت زي الصخر:

— الشكوى دي مزورة، والتوقيع ده مش توقيعي، والبطاقة دي اتصوّرت من غير علمي. أنا بطلب منك حالًا توقف أي إجراءات وتديني صورة رسمية من الطلب ده بإيميل رسمي من الشركة.

الموظف اتوتر، ونبرة صوته الاتهامية تحولت لأسف حذر:

— يا مدام، الطلب ده تقدم في الفرع الرئيسي من أسبوع، والشخص اللي قدمه كان معاها تفويض وصورة بطاقتك وصورة عقد الجواز عشان يثبتوا صلة القرابة، وقالوا إنك تعبانة ومش هتقدري تحضري بنفسك.

قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع باقي كلامه. إيدي كانت بترعش، بس المشاعر اللي جواه مكانتش حزن أو قهرة، كانت نار بتاكل كل باقي من الاستسلام أو السكتة اللي عشت فيها الشهور اللي فاتت. أخته مكانتش بس بتتطفل على حياتنا، أخته كانت بتخطط وتزور، وجوزي مكانش بس مغفل أو بيمشي ورا كلام أمه، ده كان شريك في جريمة مكتملة الأركان.

طلعت على أقرب محضر شرطة، وقبل ما أعدي عتبة القسم، اتصلت بالمحامي بتاعي، واستدعيته فورًا. المحامي أخد صورة الطلب وصورة البطاقة المزورة، وقالي بالنص: “دي مش مجرد خيانة زوجية أو سرقة فلوس، دي قضية تزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور، واستيلاء على أموال.”

في الوقت ده، كان جوزي وأمه وأخته عايشين حياتهم في شرم الشيخ، بيستمتعوا بالبحر والهدوء اللي اتدفع تمنه من حريتي وفلوسي وكرامتي. ميعاد رجوعهم كان فاضل عليه يومين. خلال اليومين دول، أنا ما قعدتش أندب حظي. غيرت كالون الشقة بالكامل، وضفت قفل إلكتروني جديد. جمعت كل هدومه، كل كراكيبه، حتى شهادات تقديره وكتبه القديمة، وحطيتها في شنط ضخمة وشحنتها على عنوان بيت أمه اللي مقفول حاليًا.

اليوم التالت، وفي نفس الميعاد اللي كان المفروض يرجعوا فيه، قعدت في البلكونة أراقب الشارع. الساعة كانت حوالي ستة المغرب لما وقفت عربية أخته تحت العمارة. نزل منها جوزي، وشايل الشنط، ووراه أمه وأخته يضحكوا بصوت عالٍ وبيشتكوا من تعب السفر.

طلعت أخته الموبايل وكانت بتسجل فيديو وهي طالعة على السلم، كأنهم راجعين لبيتهم ومستنيين استقبال ملكي.

سمعت خبط المفتاح في الباب.

مرة.. اتنين.. تلاتة.

المفتاح ما بيلفش.

سكتوا لحظة، وبعدين سمعت صوت جوزي بيخبط على الباب بإيده:

— يا هنا؟ افتحي يا هنا.. المفتاح ماله مش راضي يلف؟

ما رديتش. قعدت على الكنبة في الصالون وشربت بق مية بمنتهى الهدوء.

الخبط زاد، وصوت أمه طلع بالمواويل المعتادة:

— جرى إيه يا سي حسين؟ هي من أولها كده هتعملنا حركات؟ افتحي يا بت أما نشوف السفرية اللي عكرتيها علينا دي!

جوزي ضرب الباب برجله:

— هنا! افتحي الباب ده بدل ما أكسره! إنتِ جننتيها ولا إيه؟

مسكت الموبايل، وفتحت الكاميرا الخارجية اللي متوصلة بالانتركم وسجلت كل كلمة وكل حركة بيعملوها. وبعدين فتحت الباب.. بس مش فتحة كاملة، فتحت السلسلة الحديدية وسيبت مسافة صوابع بيني وبينهم.

وش حسين كان أحمر من الغضب، وعرقان من شيل الشنط. أمه واقفة وراه ساندا أيدها على حيطة السلم، وأخته واقفة تبصلي بانتصار ولابسة النظارة الشمسية على رأسها.

حسين بصلي بشرار:

— إيه المهزلة دي؟ المفتاح ده مش راضي يفتح ليه؟ وغيرتِ الكالون ليه اصطبحي على صبحتنا كده؟

بصيتله ببرود تام، وبصيت لأخته اللي كانت بتبتسم بثقة، وقلت:

— الشقة دي بتاعتي يا حسين، مسجلة باسمي في الشهر العقاري من قبل ما أعرفك. وحضرتك ملكش فيها قشة واحدة. حاجتك كلها اتدشنت في شنط وراحت على بيت أمك.

أمه صرخت بصوت هز العمارة:

— يا لهوي! بتطردي ابني من بيته؟ يقطع الجوازة على السفرية اللي خلتك تتفرعني كده! ده بيت ابني وده سكن زوجية، والشرطة هي اللي هتجيبنا حقنا!

ابتسمت لها وقلت:

— الشرطة؟ والله فكرة ممتازة يا طنط. تحبي أطلبها أنا ولا تطلبوها أنتوا؟

أخته جربت تتدخل وبصتلي بقرف:

— بلاش شو، وافتحي الباب نغير هدومنا ونتكلم بدل الشوشرة دي، إحنا راجعين مفرهدين من الطريق.

بصيت لأخته مباشرة، وطلعت ورقة الشكوى بتاعة شركة السياحة من ورائي، ولزقتها على الإزاز الفاصل بيننا على الباب.

أخته أول ما شافت صورة التوقيع والورقة، وشها اتقلب أصفر. الضحكة اختفت تمامًا من على وشها، وعينها اتوسعت برعب.

— إيه دي؟.. رديت بلطف:

— دي ورقة التزوير اللي إنتِ بصمتِ ووقعتِ عليها باسمي يا حلوة، عشان تسرقوا فلوس حجزي وتحولوها لحساب حسين. التزوير ده عقوبته من تلات لسجل سبع سنين سجن مشدد. والمحضر حاليًا محول للنيابة العامة برقم متسجل.

حسين بص لأخته بذهول:

— تزوير إيه؟ إنتِ مش قلتيلي إنك اتفقتِ معاها وهي اللي بعتتلك البطاقة؟

أخته ارتبكت وبقت تتلعثم:

— أنا.. أنا ما عملتش حاجة، أنا كنت فاكرة إنك عارف وهي موافقة! ده هو اللي قال لي اتصرفي وعايز الفلوس ترجع لحسابه عشان يكمل حق حجزنا!

حسين صرخ فيها:

— إنتِ مجنونة؟ إنتِ ورطتيني في مصيبة!

أمهم مسكت قلبها وبقت تصوت:

— الحقوني يا ناس! البت عايزة تسجن عيالي! يا فضيحتنا وسط العمارة!

قلت بصوت صارم هز السلم كله:

— الصوت العالي ده مش هيفرق معايا. أنا مش بس غيرت الكالون، أنا كمان رفعت قضية طلاق للضرر، وقضية تبديد، وقضية تزوير ورسائل تهديد. قدامكم خمس دقايق تاخدوا الشنط اللي تحت دي وتمشوا، وإلا البلاغ اللي مع المحامي هيتحرك حاليًا بتهمة اقتحام ملك غير.

حسين حاول يمسك الباب ويدفعه:

— هنا.. استني بس، نتفاهم، أنا مكانش قصدي كل ده! أمي هي اللي أصرت، وأختي هي اللي عملت الحجز والورق، أنا مكنتش اعرف إنها زورت توقيعك!

بصيت في عينه، شفت فيهم الخوف والضعف اللي كان مداريهم ورا كلمة “دول أهلي واستحمليهم”.

— إنت كنت عارف إن الحجز اتلغى من أسبوع، وكنت عارف إن الفلوس دخلت حسابك، وكنت عارف إنك سايبني في المطار زي الهبيلة وأنا اللي دافعة القرشين من شغلي وتعبي. إنت مش راجل يا حسين، واليوم اللي افتكرت فيه إنك كسرتني، كان اليوم اللي فوقت فيه.

قفلت الباب في وشه بقوة، وصوت الخبط والقفل يرن في الممر.

سمعت أصواتهم برا بتتضارب. حسين بيصرخ في أخته، وأخته بتصرخ فيه وبترموا الاتهامات على بعض، وأمهم بتولول وتدعي عليا وعلى الجوازة. بعد ربع ساعة، سمعت صوت خطواتهم وهي نازلة على السلم بتجر شنطها وبجر خيبتها معاها.

قعدت على الكنبة، ودقات قلبي كانت سريعة بس منتظمة. الشقة كانت هادية، وأول مرة أحس إن الهواء جواه نقي ومش مكتوم بحضورهم وتطفلهم.

بس الموضوع مكانش انتهى عند الباب.

ثاني يوم الصبح، جالي إشعار على الموبايل برقم المحامي:

— يا هنا، حسين ومحاميه واصلين النيابة حاليًا وبيحاولوا يقدموا طلب للتنازل أو الصلح قبل ما ينزل استدعاء رسمي لأخته، ومستعدين يدفعوا الفلوس المزدوجة ويرجعوا كل حاجة بشروطك.

لكن قبل ما أرد على المحامي، رن تليفوني برقم مجهول جديد.

رديت، وصوت ست جاد وناشف قالي:

— أهلاً يا مدام هنا.. أنا الدكتورة نادية من جهة الرقابة المالية والشؤون القانونية بالبنك اللي حضرتك وحسين فاتحين فيه الحسابات… في حركة تحويلات تانية اتعملت من حسابك لحسابه من أسبوعين بمبالغ أكبر بكثير من تذاكر السفر، وفيها توقيع باسمك محتاجين حضرتك تحضري حالًا للفرع الرئيسي عشان تتأكدي منها قبل ما نحول الملف للنيابة المالية.

اكتشفت ساعتها إن سرقة السفرية مكانتش غير خيط صغير في كارثة أكبر بكتير حسين وأخته كانوا بيخططوا لها من ورايا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *