حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 1
سُبته وقمت، ومشيت بخطوات ثقيلة بس واثقة.
في الأسبوعين اللي بعد كده، بدأت الحاجة ثريا تحس إن الموضوع كبر بجد، وإن “ندى” مش زي بقية الكناين اللي يرجعوا بكلمتين أو بضغط الأهل. أحمد كان بيتغير تدريجياً، بقى يقضي وقته كله خارج البيت، يرجع متأخر، ومابيفتحش بوقه مع أمه ولا بياكل معاهم على السفرة.
وفي يوم، دخل أحمد صالة البيت، وكانت الحاجة ثريا قاعدة مع سلفتي مروة بيكتبوا لستة طلبات.
بصت له الحاجة ثريا وقالت بجفاف: “إيه يا سي أحمد؟ ما بتبانش ليه؟ والمهندسة هانم لسه راكبة رأسها ومستنية عزومة؟”
وقف أحمد في نص الصالة، ولأول مرة في حياته، بص لأمه بنظرة قوة وتحدي مكنتش معتادة منها.
قال بصوت عالي وثابت هز جدران الصالة: “ندى مش هترجع هنا تاني يا أمي. وندى مش غلطانة. الغلط كان عندي أنا إني سمحتلك تتجاوزي حدودك معاها من أول يوم اتجوزنا فيه. أنا ماشي من البيت ده، وأجّرت الشقة الجديدة اللي جنبه شغلها، وهنقل عزالي الأسبوع الجاي.”
اتفتحت عينين الحاجة ثريا من الصدمة، وقامت وقفت وهي بتترعش: “إنت بتقول إيه؟ ببيع أمك عشان واحدة؟”
رد أحمد بمنتهى الحسم: “أنا مش ببيعك يا أمي، إنتي أمي وليكي كل الاحترام والبر، بس مراتي ليها كرامة وحق عليا أحميها، وأنا قصرت في حقها كتير. لو عايشين نشوف بعض بحدود واحترام، أهلاً وسهلاً.. غير كدة، أنا اخترت أبني بيتي صح للمرة الأولى في حياتي.”
سابهم ودخل أوضته يلم هدومه، بينما الحاجة ثريا وقفت مشدوهة، ومروة بتبص لها بذهول، بعد ما أدركوا إن الليلة اللي اتمدت فيها الإيد واتمسكت في الهوا، كانت الليلة اللي اتغيرت فيها قواعد اللعبة للقتيد كله.
وفي بيت أهلي، رن تليفوني في وقت متأخر من الليل. شفت اسم “أحمد” على الشاشة. المرة دي، قررت أرد.
رفعت السماعة وقلت بهدوء: “أيوة يا أحمد..”
جاني صوته من الناحية التانية، مختلف تماماً عن كل مرة، صوت راجل أخد قرار صعب ولأول مرة واقف على أرض صلبة: “ندى.. أنا لسه قافل شنطي، ونقلت الشقة الجديدة. مش بطلب منك ترجعي بكرة، بس بطلب منك تديني فرصة واحدة أثبتلك فيها إن أحمد اللي سكت زمان.. مات في الليلة دي.”
سكتّ لثوانٍ طويلة والسماعة على أذني، صوته عبر الهاتف كان يحمل نبرة لم أعتدها منه طوال سنوات زواجنا؛ لم تكن نبرة الاستعطاف المتخاذلة التي يهرب بها من المشاكل، بل كانت نبرة رجل أدرك أخيرًا ثقل الهزيمة وقرر أن يتحمل مسئولية خياراته.