حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 1
تعلمنا كيف نتحدث دون خوف من طيف الحاجة ثريا، وكيف نخطط لمستقبلنا بعيدًا عن نظرات التقييم المسمومة.
وفي يوم سبت هادئ، قررت أن الوقت قد حان للعودة، ولكن وفق شروطي وقواعدي الجديدة.
جمعت حقائبي، وركبت السيارة مع أحمد متوجهين إلى الشقة الجديدة. كانت الشقة تقع في حي هادئ قريب من مقر عملي، تشرق فيها الشمس من نوافذ واسعة، وتحمل رائحة البدايات الجديدة.
عندما فتح أحمد باب الشقة، وقف جانباً وتركني أدخل أولاً. خطوت خطواتي الأولى داخل البيت الجديد، وشعرت بخفة عجيبة، كأن جبالاً من الهموم قد أزيحت عن كاهلي.
قال أحمد وهو يضع الحقائب جانباً ويقترب مني: “نورتِ بيتك الحقيقي يا ندى.. البيت ده مش هيدخله غير الحب والاحترام.”
نظرت إليه وقلت: “والحاجة ثريا يا أحمد؟ إنت عارف إنها أمك، وأنا مش هطلب منك تقطعها، بس لازم تكون الحدود واضحة.”
أمسك أحمد بيدي، ولكن هذه المرة برفق وحنان، واسترجع تلك اللحظة الفارقة قائلاً: “أمي ليها البر والزيارة مني أنا، ولما تحب تزوريها معايا هيكون بخاطرك وفي المناسبات، وفي بيتنا ده، مفيش أي إنسان يقدر يملي علينا نعمل إيه أو نعيش إزاي. الليلة اللي مسكتِ فيها إيد أمي في الهواء، كانت الليلة اللي أنا صحيت فيها من الغيبوبة.. وعرفت إن السكوت على الظلم مش حلم، ده ضعف، وأنا مش هكون ضعيف تاني.”
قضينا أيامنا الأولى في الشقة الجديدة في هدوء واستقرار لم نذقه من قبل. أعدنا ترتيب حياتنا، وأصبح لدينا نظامنا الخاص؛ نعمل معًا، نطهو معًا، ونتناقش في قراراتنا بكل حربة.
ولكن الدراما لم تنتهِ تمامًا، فالنفوس التي اعتادت السيطرة لا تستسلم بسهولة.
بعد مرور ما يقرب من أسبوعين على استقرارنا، وفي يوم أربعاء داكن، ورد اتصال هاتفي لأحمد أثناء وجودنا في المساء. كان المتصل هي “مروة” سلفتي، وكان صوتها يعلوه التوتر والاضطراب.
أخبرت أحمد أن الحاجة ثريا تعرضت لأزمة صحية مفاجئة، وأن ضغط دمها ارتفع بشكل خطير بعد مشادة كلامية مع أحد الأقارب بسبب كلام شاع في العائلة عن استقلال أحمد، وأنها ترقد في المستشفى وتطلب رؤيته.
ارتبك أحمد وبدت عليه علامات القلق البالغ. رغم كل ما حدث، تظل الأم أمًا، والمشاعر المعقدة لا يمكن محوها بلحظة.