وداد 2 قصص وروايات أمانى سيد

بعد ما حمايا قال الكلمتين دول، ساد السكون والهدوء التام في الصالة. جوز وداد وشه جاب ميت لون، وحماتي سكتت وعينها كانت بتطلع شرار، والغيظ كان بياكل فيها لأن لأول مرة حمايا يكسر كلمتها ويدافع عن وداد قدام الكل.

وداد لفت وشها ودخلت شقتها وهي بتعيط، بس المرة دي ما كانتش دموع انكسار، كانت دموع شخص لقى أخيراً حد بيحس بيه وينصفه وسط الغابة اللي عايش فيها.

حماتي ما سكتتش، طبعاً كبريائها كـ “كبيرة البيت” انجرح. أول ما حمايا نزل وراح شغله، لفت حماتي لابنها (جوز وداد) وقعدت جنبه بنبرة كلها خبث وسم:

“شفت؟ شفت أبوك كسر كلمتك ووقف صفها إزاي؟ بكره البنت دي تدوس على رقبتك وتشوف نفسها عليك وتفتكر إن ليها ضهر في البيت ده! لو ما كسرتش مناخيرها من دلوقتي، عمرك ما هتعرف تمشيها تاني.”

الكلام سخّن وِدن الراجل، اللي هو أصلاً حاسس بالنقص مقارنة بإخواته. كلام أمه جه على الجرح وعمى عينه أكتر.

مرت كام يوم، وحماتي كانت بتعامل وداد بجفاء شديد، ومبقتش تطلب منها شغل زي الأول، ودي كانت علامة تقلق مش تطمن. في يوم، كنا كلنا متجمعين كالعادة، وفجأة حماتي بدأت تصرخ وتصوت:

“يا مصيبتي! يا خراب بيتي! الدهب بتاعي مش في الدولاب!”

البيت كله اتقلب. نزلنا كلنا على صوتها، وحمايا جه جري.

حماتي بصت لوداد مباشرة وقالت قدام الكل:

“محدش بيدخل أوضتي ويمسحها ويقشها غيرك يا وداد! الدهب كان في علبته الصبح، راح فين؟”

وداد اتصدمت، وشها بقى أبيض زي القماش، وقالت وهي بتترعش:

“والله العظيم يا ماما ما لمسته ولا أعرف مكانه فين! أنا دخلت نظفت وخرجت علطول!”

جوزها مكدبش خبر، وقام رايح عليها ومسكها من دراعها جامد وقال بغل:

“أهو ده اللي ناقص! كمان حرامية؟ جايبالي العار في كل حتة؟ انطقي وديتي الدهب فين يا بنت الفقر، أكيد أديتيه لأبوكي المحاسب يشغلهم له!”

بعد ما جوز وداد نزل وهو شادد في إيده العلبة القطيفة وبيزعق ويقول إنه لقى الغويشتين تحت المرتبة، حمايا اتدخل بقلب جامد وبص لحماتي وقالها بنبرة مرعبة:

“مفتاح أوضتك مش مع حد غيرك يا أم فؤاد.. والغويشتين دول إنتي كنتي لابسياهم في إيدك امبارح بالليل وأنا شايفك! إنتي اللي حطيتيهم فوق في شقة ابنك عشان تلبسي البنت تهمة وتكسريها!”

أم فؤاد ارتبكت والدم هرب من وشها، وبدأت تتلعثم في الكلام وهي بتبص لحمايا بخوف:

“أنا.. أنا يا حاج؟ هتبلّى على البنت؟”

حمايا ضرب كف بكف وبص لابنه فؤاد بحسرة وقال له:

“يا خسارة تربيتي فيك يا فؤاد.. بعت مراتك اللي صايناك وشيلاكم فوق راسها عشان تسمع كلام أمك وتظلم بنت ناس غلبانة وأمينة. دهب أم فؤاد معاها ومضاعش، ودي كانت لعبة من أمك عشان تطردوا البنت من البيت بالعار.”.

وداد في اللحظة دي، مسحت دموعها فجأة. السكوت المكسور اللي كان ملازمها شهور وسنين اختفى. بصت لجوزها وبصت لحماتي بنظرة قوية ومستقرة، وقالت بكرامة تهز المكان:

“لحد هنا وكفاية.. أنا استحملت الإهانة، والخدمة، والتقليل مني ومن أهلي، وكنت بقول بكره يتغيروا وبكره جوزي يعرف قيمتي. لكن تتبلوا عليا في شرفي وأمانتي؟ لأ.. أنا أبويا فقير أه، بس علمني إن الكرامة أغلى من لقمة العيش اللي بتذلوني بيها.”

وداد لفت وضهرها للحاضرين، وطلعت شقتها، ولمت هدومها في شنطة واحدة، ونزلت وحمايا بيحاول يهديها ويقولها: “اقعدي يا بنتي وحقك عليا أنا.”

لكن وداد بصت له باحترام وقالت: “كتر خيرك يا عمي، إنت الراجل الوحيد اللي في البيت ده عرفت الحق.. بس أنا ماليش قعاد هنا تاني.”

وخرجت من باب البيت، وسابتهم في حالة ذهول، وجوزها واقف مكانه مش عارف يستوعب إن “الخدامة” -زي ما كان بيقول- هي اللي سابته ومشيت بكرامتها ورفعت راسها فوق الكل.

 

لما وداد وصلت بيت أبوها والشنطة في إيدها، عم أحمد المحاسب أول ما شاف دموعها المغرقة وشها والكسرة اللي في عينها، قلبه اتعصر من الوجع. وداد مكانتش مجرد بنته، دي كانت حتة من قلبه، البنت المطيعة الشغيلة اللي عمرها ما زعلته.

قعدت وداد على الكنبة وهي بتترعش وحكت له كل حاجة من طقطق للسلام عليكم؛ حكت له عن معايرة أم فؤاد ليها، وعن شغل البيت والسلم والحوش اللي كانت بتعمله لوحدها، وعن قسوة فؤاد وإهانته ليها بالليل، وأخيراً المكيدة الكبيرة اللي عملتها أم فؤاد عشان تلبسها تهمة السرقة.

عم أحمد وشه جاب ألوان، وعروق وشقته برزت من كتر الغضب. الراجل الطيب الأمين اللي كان بيوطي راسه في الشغل احترماً لأكل عيشه، ثار ثورة عمى عنها الضوء لما الموضوع وصل لكرامة بنته وشرفها. وقف وقال بصوت زلزل البيت:

> “لحد شرفك وأمانتك يا وداد، ورقبتي تتقطع قبل ما حد يمسك بكلمة! أنا صحيح راجل على قد حالي ومحاسب بسيط عند حماكي، وصحيح جوزتك بقرشين غلابة، لكن كرامتك عندي تسوى ملايين حماكي وابنه!”

>

أبوها مَستحملش عليها كلمة واحدة زيادة، وبص في عينها وقالها بحسم:

* **”والله ما إنتي راجعا له تاني، وأنا اللي هخليه يطلقك ورجله فوق رقبته!”**

 

تانى يوم الصبح، عم أحمد ماراحش على مكتبه الصغير كالعادة يراجع الدفاتر وهو ساكت. دخل علطول على مكتب الحاج الكبير (حما وداد).

الحاج أول ما شاف عم أحمد داخل ووشه غضبان وعينه حمرا، فهم علطول هو جاي ليه. الحاج قام من ورا مكتبه ووقف ترحيباً بيه وقال بنبرة أسف:

* “أهلاً يا أحمد.. اقعد يا أبو وداد، أنا عارف إنك زعلان، وحق بنتك على راسي وأنا…”

قطع عم أحمد كلامه برفع إيده وبنبرة قوية وعزيزة مكانش الحاج متعود يسمعها منه:

> “يا حاج.. أنا بقالي سنين بشتغل عندك، عمري ما خدت قرش حرام، وعمري ما قصرت في شغلي، وإنت عارف أمانتي كويس وعشان كده ناسبتني. أنا جوزت بنتي لابنك فؤاد عشان تصونه وتشيله في عينيها، مش عشان تبقى خدامة لأمه، ولا عشان ابنك يهينها بالليل ويقولها يا بنت الفقر، ولا عشان في الآخر يتهموها في أمانتها وشرفها ويقولوا عليها حرامية!”

>

الحاج وطى راسه في الأرض وهو حاسس بالخزي من أفعال مراته وابنه، وقال:

* “والله يا أحمد أنا نصفتها قدامهم، وأنا اللي كشفت ألاعيب أم فؤاد، وبنتك طاهرة وشريفة وغالية عندي.”

رد عم أحمد بكرامة وشموخ:

> “كتر خيرك يا حاج، إنت راجل حقاني وأنا عارف، بس بنتي مش هترجع البيت ده تاني. أنا جاي أطلب منك تخلّي ابنك يطلق بنتي بالمعروف ومن غير محاكم وقضايا. فؤاد م يستاهلش وداد، والبيت اللي ملوش كبير يصون حريم الناس، يبقى القعاد فيه ملوش عازة.”

في نفس الوقت في البيت الكبير، كانت الدنيا مقلوبة بعد ما وداد مشيت. أم فؤاد كانت فاكرة إن البيت هيروق لها، لكن السحر انقلب على الساحر:

* **شغل البيت اتقسم:** أم فؤاد لقت نفسها فجأة مطالبة بتنظيف البيت الضخم، وبصت لينا أنا وسلفتي الصغيرة وقالت لنا: “يلا يا بنات همتكم معايا في المطبخ وغسيل المواعين.”

* **موقفنا أنا وسلفتي:** طبعاً أنا وسلفتي رفضنا تماماً، وقولنا لها بكل برود: “معلش يا ماما، إحنا بيوت أهلنا متعرفش الخدمة، وإحنا متجوزناش هنا عشان نغسل سلالم ونمسح حوش، وداد اللي كانت بتستحمل، إنما إحنا لأ، وأهلنا لو عرفوا مش هيسكتوا.”

أم فؤاد لقت نفسها محتاسة، والبيت بقى يضرب يقلب، وفؤاد رجع من بره لقى شقته تضرب تقلب ومفيش لقمة ياكلها، ولا هدوم مغسولة، ولا حد يستقبله بكلمة حلوة زي ما كانت وداد بتعمل رغم قسوته.

وفجأة دخل الحاج البيت، ووشه زي الضلمة. بص لفؤاد وأمه وقالهم بصوت كسر قلوبهم:

> “ارتاحوا  عم أحمد جالي المكتب، ورفض كل محاولات الصلح، وطلب الطلاق لبنته. وداد مش راجعة، وعم أحمد قاللي كرامة بنتي تسوى الدنيا.. إنت يا فؤاد خسرت الست اللي كانت شايلاك وشايلة طينك، ودلوقتي هطلقها وإنت رجلك فوق رقبتك!”

 

أم فؤاد بدأت تلطم على وشها لما عرفت إن اللعبة قلبت بجد، وفؤاد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيفتكر كلام وداد الأخير: *”أنا خرجت من بيت أبويا مكرمة”*.. وبدأ يحس لأول مرة بالنقص الحقيقي، مش عشان وداد فقيرة، بس لأنه اكتشف إنه هو اللي قليل من غيرها!

 

بعد كلام الحاج، فؤاد حس إن الدنيا اسودت في وشه. البيت الكبير اللي كان دايما نظيف ومرتب ومستقر بفضل وداد، اتقلب حاله في أيام قليلين. أم فؤاد تعبت من شغل البيت اللي مكنتش متعودة تشيل منه قشة، وبقت طول النهار تشتكي وتأن، ولما حاولت تطلب مني أنا وسلفتي الصغيرة نساعدها، وقفنا ليها وقفة حاسمة وقولنا لها: “إحنا هوانم في بيوت أهالينا، وعمرنا ما نمد إيدنا في خدمة حد.”

هنا فؤاد بدأ يفوق ويشوف الحقيقة؛ عرف إن الست الكبيرة بفلوسها وجاهها مش هي اللي بتسعد الراجل، وإن “بنت الأصول” اللي كانت شايلاله طينه وراضية بقليله هي الكنز اللي ضيعه بغبائه. ضغط على أمه وعلى إخواته، وطلب مننا إحنا السلايف إننا نتدخل ونيجي معاه بيت عم أحمد عشان نصالح وداد ونرجعها.

في ركن هادي ببيت عم أحمد البسيط، كنا قاعدين.. فؤاد وشه في الأرض من الكسوف، وأنا وسلفتي الصغيرة قاعدين جنبه، وبنحاول نلطف الجو.

فؤاد بص لعم أحمد ووداد وقال بنبرة كله انكسار ورجاء:

* “يا عم أحمد.. أنا جاي وشاري، وعارف إني غلطت في حق وداد، والشيطان عمى عيني. أنا مستعد أكتب لها شقة لوحدها، ومستعد أعملها كل اللي هي عايزاه، بس ترجع معايا وما تخرّبش بيتها.”

أنا وسلفتي دخلنا في الكلام وقولنا:

* “عشان خاطرنا يا وداد.. البيت من غيرك بقى يضرب يقلب، وحماتك تعبانة ومحدش فينا قادر يشيل البيت زي ما كنتي شايلاه. فؤاد ندمان وجاي لحد عندك يصالحك.”

 

وداد كانت قاعدة، لامة شعرها ورافعة راسها لفوق، ملامحها مكانش فيها أي أثر للضعف أو الوجع اللي عيشناه معاها. بصت لفؤاد وبصت لنا إحنا السلايف بنظرة قوية، وابتسمت ابتسامة وجع وسخرية في نفس الوقت، وقالت بصوت هادي ومزلزل:

> “إنتوا جايين تصالحوني عشان مصلحتكم.. مش عشاني أنا!”

سكتنا كلنا، وكملت كلامها وهي بتوجه نظرها ليا أنا وسلفتي:

> “جايين تصالحوني عشان البيت يضرب يقلب وعايزين الشغالة اللي كانت شايلة السلالم والحوش والمطبخ ترجع تشيل مكانكم! وعايزين الست اللي بتتهان وتتهزأ وتسكت ترجع تخدمكم عشان تعيشوا إنتوا هوانم في بيوتكم!”

>

ولفت وشها لفؤاد، وعينها بقت زي الصقر وقالت له بحدة:

> “وأنت يا فؤاد.. جاي تصالحني مش عشان بتحبني أو عرفت قيمتي كبني آدمة، أنت جاي عشان ملقتش لقمة تاكلها ولا شقة تنام فيها نضيفة، وعشان شكلكم بقى وحش قدام الناس بعد ما حمايا كشف لعبتكم! أنت كنت بتسمع أمك وهي بتهين أمانتي وشرفي وبتقول عليا حرامية وكنت واقف فرحان وتفتش ورايا!”

فؤاد دموعه نزلت وحاول يقرب منها ويقولها: “أنا أسف يا وداد، اديني فرصة أخيرة عشان خاطر الأيام اللي بينا.”

وداد وقفت وربعت إيدها، وقالت بكلمات قاطعة سدت كل أبواب الرجوع:

> “الأيام اللي بيننا أنت اللي دست عليها.. أنا خلاص قفلت صفحة فؤاد نهائي، ومبقاش ليك مكان في حياتي. لو جبتلي مال الدنيا كله، ولو كتبتلي البيت كله باسمي، أنا كرامتي وكرامة أبويا المحاسب البسيط تسوى عندي الدنيا باللي فيها. أنا خرجت من بيتكم بالهدوم اللي عليا، بس خرجت وأنا راسي في السماء.. ومستحيل أرجع للذل تانى. ورقتى توصلي بالمعروف، وإلا المحاكم بيننا.”

 

عم أحمد وقف في اللحظة دي، وحط إيده على كتف بنته بكل فخر، وبص لفؤاد وقال له:

* “سمعت رد بنتي يا فؤاد؟ اتفضل بالسلامة، وقول للحاج يجهز ورقة طلاقها.. بنتي غالية، ومفيش ليها مكان في بيت مبيعرفش قيمة بنات الأصول.”

خرجنا من البيت وفؤاد بيبكي زي العيل الصغير، وعرفنا كلنا إن الست لما بتنجرح في كرامتها وشرفها وتقفل الباب، مستحيل أي جاه أو فلوس في الدنيا يرجع يفتحه تاني.

 

خرجنا من بيت عم أحمد والكل منكسر، فؤاد لقى نفسه في نص الهدوم؛ ضيّع الست اللي صانته وشالته، وفوق كل ده، الحقيقة المرة بقت واضحة قدام عينه.

 

أول ما رجعنا البيت الكببر، كان الحاج قاعد مستنينا في الصالة، وعينه باين فيها الغضب الشديد. بص لوش فؤاد المنكسر ولقانا داخلين من غير وداد، ففهم علطول النتيجة. الحاج وقف بكل هيبته وجبروته وبص لفؤاد وقال له بنبرة حاسمة مفيهاش رجعة:

> “سمعت كلام عمك أحمد وبنته؟ البنت رفضت ترجع.. وبصراحة عندها كل الحق، الراجل اللي ميعرفش يحمي مراته في بيته ويصون عرضها وأمانتها من كلام أمه، م يستاهلش يعيش معاها.”

>

فؤاد حاول يتكلم وصوته مخنوق: “يا حاج، أنا ندمان وعايز…”

قاطعه الحاج بضربة قوية على التربيزة زلزلت المكان:

* **”مفيش خلاص! من النجمة تاخد بعضك وتروح للمأذون وتطلق وداد بالمعروف، وتديها كل حقوقها لحد آخر مليم، وإلا ورب الكعبة لا أنت ابني ولا أعرفك، والشركة وشغلي تنسى إن ليك فيهم قرش واحد!”**

أم فؤاد حاولت تتدخل وتصوت: “تطلقها يا حاج؟ ده إحنا كسرنا مناخيرنا ورحنا لحد عندها!”

لكن الحاج بص لها بنظرة خلتها تخرس تماماً، وقال لها: “أنتي بالذات تسكتي خالص، أنتي اللي خربتي بيت ابنك بظلمك وجبروتك.” وفعلاً، تاني يوم الصبح، وتحت ضغط وإجبار الحاج، فؤاد راح ومضى على ورقة طلاق وداد، ودموعه نازلة على الورق، لكن بعد إيه؟ الصفحة اتقفلت ووداد بقت حرّة بكرامتها.

 

من بعد يوم الطلاق ده، والبيت الكبير اتحول من حال لحال.. بقى حرفياً زي **”الخرابة”**.

* **الأوساخ والتراب:** أم فؤاد اللي كانت متعودة تقعد حاطة رجل على رجل وتأمر وتنهي، لقت نفسها فجأة لوحدها في بيت ضخم محتاج تنظيف ومسح وطبيخ وغسيل. وبما إني أنا وسلفتي الصغيرة رفضنا تماماً نمد إيدنا في حاجة برا شققنا، البيت بدأ يتبهدل. التراب بقى يغطي العفش، والمواعين تتكوم في المطبخ باليام، والروائح بقت لا تطاق.

* **الاكتئاب والهم:** الضحكة واللمة اللي كانوا بيعملوها على حساب وجع وداد اختفوا. البيت بقى ضلمة، ومفيش فيه حس ولا حركة غير صوت شكوى أم فؤاد من وجع ضهرها وركبها بسبب الشغل اللي مكنتش متعودة عليه.

## قسوة الحاج وعقاب أم فؤاد

أما الحاج، فمن يومها م نسيش حق البنت الغلبانة ولا لحظة. الراجل الحقاني ده حس إن مراته وعياله صغروه قدام نفسه وقدام راجل أمين بيشتغل عنده. من اليوم ده، اتغيرت معاملته لأم فؤاد تماماً وبقى بيعاملها بجفاء وقسوة عمرها ما شافتها منه طول سنين جوازهم:

* بقا يدخل البيت ميبصش في وشها، ولو طلبت منه حاجة يرد عليها ببرود

* كل ما تشتكي له من التعب وشغل البيت، كان يبص لها بسخرية ويقول لها نفس كلمتها اللي كانت بتقولها لوداد:

> “مالك بتشتكي ليه؟ هو أنتي بتشتغلي في مصنع؟ ده شغل بيت زيه زي أي ست محترمة.. ولا أنتي متعودة على الهوانم والخدمة من بيت أبوكي؟”

>

الكلام كان بينزل على أم فؤاد زي الكرباج، لقت نفسها بتدوق من نفس الكأس اللي شربته لوداد، وبقت قاعدة في بيتها منبوذة، تعبانة، ومكسورة العين قدام جوزها وعيالها، بعد ما البيت اللي كان عمران بنظافة وداد وبركتها بقى خرابة تضرب تقلب. وبقت دي نهاية الظلم والجبروت؛ وداد خرجت وراسها في السماء، والبيت اللي ظلمها اتهد واتملى بالهم والنكد.

 

 

 

 

ومع مرور الأيام، بدأت الحياة تبتسم لوداد من جديد، وكأن ربنا كان بيعوضها عن كل لحظة ذل وانكسار عاشتها في البيت الكبير.

بعد فترة مش طويلة من طلاق وداد، عم أحمد المحاسب طلع معاش. الراجل الطيب ده حس إن رسالته في البلد دي انتهت، ومبقاش حابب يفضل في مكان يفكر بنته بالوجع، ولا يشوف فيه ناس ظلموها.

أخو وداد الكبير كان عايش ومستقر في بلد تانية بره المحافظة وشغال هناك في مكان كويس. عم أحمد أخد وداد، ولموا حاجتهم، وقرروا يسافروا يقعدوا جنبه ويبدأوا حياة جديدة تماماً في مكان محدش يعرف فيهم قصتهم القديمة.

 

أخو وداد مكانش قليل، أول ما استقروا عنده، بدأ يدور لأخته على فرصة تعوضها وتخليها تعتمد على نفسها. وبفضل شهادتها وبمساعدة أخوها، لقت فرصة شغل ممتازة في شركة كبيرة ومحترمة هناك.

وداد اللي كانوا بيقولوا عليها “خدامة” ومبتفهمش غير في المسح والطبيخ، أثبتت في شهور قليلة إنها بنت ذكية، شاطرة، ومنظمة جداً في شغلها.

شكلها اتغير، وثقتها في نفسها رجعت لها، وضحكتها اللي كانت غايبة سنين رجعت تنور وشها من تاني. بقت تنزل كل يوم الصبح وراسها في السماء، والكل في الشركة بيحترمها ويخاف على زعلها لأمانتها وشطارتها اللي ورثتها عن أبوها.

في الشركة دي، وداد لفتت نظر شاب محترم جداً اسمه “طارق”. طارق كان مهندس في الشركة، ومن عيلة مستورة ومحترمة، راجل بجد بيعرف قيمة الست.

طارق راقب وداد لفترة؛ لقاها بنت أصول، هادية، ومحترمة في تعاملها مع الكل، وشايلة شغلها بضمير.

أعجب بيها وقرر يتقدم لها. وداد في الأول كانت خايفة ومترددة بسبب تجربتها الأولى، لكن طارق لما عرف حكايتها من أخوها، احترمها أكتر وتمسك بيها وقال:

> “البنت اللي تصون بيتها وتستحمل كل ده عشان تعيش، دي تشيلها فوق الراس، وأنا شاري كرامتها قبل أي حاجة.”

>

وفعلاً، عم أحمد وافق بعد ما شاف في عين طارق الرجولة والتقدير اللي ملقاهوش في فؤاد. واتجوزت وداد في فرح جميل وبسيط، وراحت شقتها الجديدة وهي ملكة متوجة، جوزها بيعاملها بحب واحترام، ومبيخليهاش تطلب الحاجة مرتين.

في نفس الوقت، الأخبار وصلت للبلد القديمة وللبيت الكبير اللي بقى زي الخرابة. فؤاد اللي كان عايش في نكد دائم وأمه اللي تعبت من الشغل والخدمة، عرفوا إن وداد اتجوزت، ومش أي جوازة.. دي اتجوزت مهندس محترم، وعايشة معاه في عز واحترام، ومشتغلتش عنده خدامة، بالعكس، طارق جايب لها اللي يخدمها ومرفهة في بيتها.

فؤاد قعد في الصالة يبكي بحرقة لما سمع الخبر، وبص لأمه وقال لها بكسرة:

> “أهي اللي قولتوا عليها بنت فقر وخدامة، ربنا رفعها وبقت هانم في بيت راجل صانها.. وأنا اللي خسرت كل حاجة بسببكم.”

>

أما الحاج أبو فؤاد، فابتسم ابتسامة رضا وقال بصوت عالي قدام أم فؤاد:

* **”يمهل ولا يهمل.. ربنا نصر بنت الغلبان اللي اتقيتوا عليها، وداير الأيام عشان تدوقوا من نفس الكاس.”**

وخرجت وداد من المحنة وهي أقوى، وعاشت حياتها سعيدة ومكرمة، بعد ما أثبتت للكل إن ابن الأصل بيفضل غالي، وإن دوام الحال من المحال.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *