جمعيه حكايات امانى السيد3
علي كان قد وصل إلى قاع السقوط. بعد أن خسر الشقة السابقة، وفسخ زواجه الثاني، وطرد من عمله بسبب القضايا، حاول أن يشتغل في أعمال غير مشروعة لجمع المال سريعاً، فسقط في ديون طائلة لأناس لا يرحمون. اضطر لبيع كل ما يملك حتى ملابسه الشخصية لسداد الديون، وأصبح يعيش في ملجأ أو حجرة زراعية مهجورة على حافة الأرياف، طريداً من مجتمعه ومحروماً حتى من كلمة طيبة من عائلته التي برئت منه نهائياً.
حين سمعت الخبر، لم أشعر بأي شماتة، بل شعرت بتأكيد لسنن الحياة: “من ظلم يُظلم، ومن استهان بعرق الناس يُسلب أمسب وأبسط مقومات حياته”. لقد تركته للزمن، والزمن تكفل بالإجابة الشافية.
في النهاية، وافقت على استقبال طارق وعائلته وبنته “جودي” في بيت أهلي. كانت الجلسة هادئة، ملؤها الوقار والاحترام المتبادل. رأيت في عيني طارق الصدق الذي حرمت منه زماناً، ورأيت في تعامله مع أهلي وأخي أحمد معنى “الرجولة الحقيقية” التي تصون وتصان.
اتفقنا على كل شيء ووضعنا النقاط على الحروف، ليس على أساس الاحتياج أو الهرب من الوحدة، بل على أساس الشراكة المتكافئة بين إنسانين مكتملين يختاران أن يكملا الطريق معاً بكرامة ومحبة.
قمت وقفت في البلكونة في بيت أهلي، نفس البلكونة التي بكيت فيها ليلة الطلاق، وتطلعت إلى السماء الممتلئة بالنجوم. رفعت يدي وددت بالشكر لرب العالمين الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والذي يخرج الحي من الميت، ويخرج النجاح والرفعة من قلب الظلم والظلمة.
كنت أعلم أن هناك فصولاً جديدة قادمة في كتاب حياتي، فصولاً لن يكتب فيها سوى العزة، والعمل، والحب الصادق القائم على تقوى الله.
تمرّ الأيام وتتوالى الأحداث، لتبرهن أن الحياة حين تقرر أن تفتح أبواب العوض، تعطي بسخاء يتجاوز حتى أقصى حدود الخيال. لم تكن موافقتي على خطبة طارق مجرد خطوة للهرب من الوحدة أو للبحث عن ظل رجل، بل كانت قراراً واعياً اتخذته امرأة ناضجة تعرف قدر نفسها، واستطاعت بعد رحلة طويلة من الصمود أن تميز بين الوعود الزائفة وبين الأفعال الصادقة التي تتحدث عن صاحبها.
بدأت التجهيزات لحفل الزفاف، لكن هذه المرة لم أكن تلك العروس الصغيرة القلقة التي تتجمع قطرات العرق على جبهتها وهي تدخر القرش على القرش من جمعيات صغيرة لشتري بها كفرات وسجاداً وتخبئها تحت السرير خوفاً من الغد. هذه المرة كنت أنا من يختار، ينظم، ويحدد كل تفصيلة بمالي الخاص وبحريتي الكاملة.