مرات ابني حكايات امانى السيد 2

بكيتُ في ظلام غرفتي كما لم أبكِ في حياتي قط. بكيتُ على جهلي، على كبريائي الزائف، وعلى ظني أن الحسب والنسب يعطيان الإنسان الحق في استعباد خلق الله. أردتُ أن أراها، أردتُ أن أقبل رأسها وقدميها، أن أترجاها كي تسامحني قبل أن ألقى الله، لكن الأبواب كانت قد أُغلقت، والقلوب قد تحجرت.

بعد مرور شهرين، اشتدت الأزمة على الابن الوسطاني. صدر حكم المحكمة النهائي بتمكين الزوجة من الشقة مع طفليها، وأصبح يقع على عاتقه دفع نفقة شهريّة كبيرة ومؤخر صداق. حاول إخوته أن يمنعوه من تنفيذ الحكم، وقالوا له: “لا تدعها تأخذ الشقة، احرق الشقة ولا تتركها لها ولأهلها!”.

لكن ابني الوسطاني وقف في منتصف الصالة، وكان قد فقد نصف وزنه، ونظر إليهم بنظرة كره لم أضعها في الحسبان، وقال بصوت هز جدران البيت: “من يحرق شقته هو النذل! أنا ظلمتها، وأمي ظلمتها، وأنتم أكلتم عرقها وخدمتها سنوات. الشقة حقها وحق أطفالي الذين أهناهم وأخرجناهم من هنا كالكلاب. لو أردتم أن تحاربوا فاحاربوا أنفسكم، أما أنا فقد بعت كل شيء.. بعت الدنيا ولن أبيع آخرتي أكثر من ذلك!”.

في اليوم المحدد لتسليم الشقة، جاء محضر المحكمة ومعه زوجة الابن الوسطاني ووالدها وأخوها. كنتُ أقف خلف شيش الشباك، أسترق النظر والدموع تحرق جفنيّ.

خرجت هي من السيارة، كانت ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، ووجهها شاحب لكنه يحمل هيبة عجيبة، هيبة الإنسان الذي انتصر بحقه دون أن يرفع سيفاً. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المكسورة التي كانت ترتعد من نظرة مني، بل كانت تمشي بثبات، تضع يدها في يد ابنها الصغير الذي بدا فرحاً وهو يعود إلى بيته.

وقف ابني الوسطاني عند الباب، وسلمها المفاتيح بيده. لم ينظر في عينها من الخجل، بل قال لها وهو ينكس رأسه أرضاً: “الشقة جاهزة يا أم فلان.. وكل ما فيها حقكِ. أنا أعتذر لكِ عن كل يوم قضيته في هذا البيت مظلومة، وأطلب منكِ فقط أن تتركي لي فرصة أرى فيها أطفالي، ولا تجعلي ابننا يكرهني أكثر من ذلك”.

وقفت الزوجة للحظات، نظرت إلى المفاتيح، ثم نظرت إلى زوجها السابق وإلى العمارة الكئيبة. لم تبتسم تشفياً، ولم ترفع صوتها، بل قالت بنبرة هادئة ملؤها الحزن والترفع: “أنا لم أعد أكره أحداً يا أبا فلان.. الكره يحتاج إلى قلب يحس، وأنا قلبي مات في اليوم الذي بكى فيه ابني على درجات هذا السلم وهو يظن أنه ابن خادمة. الشقة أخذتها للقانون ولأطفالي ليجدوا سقفاً يسترهم، أما حق نفسي وفرحة شبابي التي ضاعت هنا.. فقد تركتها للقاضي الذي لا يظلم عنده أحد”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *