تانى يوم بعد الفرح كامله2

وصلتُ إلى المقر الرئيسي لشركات “المنشاوي للغزل والنسيج” في قلب القاهرة. مبنى زجاجي شامخ يتوسط المنطقة الاقتصادية، يرتفع بعظمة تعكس تاريخ السيدة التي أقامته من العدم.

ترجلتُ من السيارة المرسيدس، متخليةً عن الروب الحريري وبقايا الليلة الماضية، لارتدي بدلة رسمية سوداء حادة القَطْع، ورفعتُ شعري لأعلى في كعكة منتظمة، مطعمة بحلق الألماس الخالص الذي أورثتني إياه جدتي “أمينة”. لم أعد “ليلى الطيبوبة الغلبانة”، بل أصبحتُ رئيسة الإمبراطورية.

كان الموظفون والمهندسون يقفون على جانبَي البهو العريض يتهامسون برهبة واحترام. فمنذ وفاة جدتي، كانت الشائعات تدور حول إمكانية انهيار الشركة أو استحواذ زوجي الشاب وأهله عليها.

استقبلني “عم ناصر” عند المصعد البانورامي، وأعطاني ملفًا أزرق سميكًا.

— “كل أعضاء مجلس الإدارة في انتظارك فوق يا ست ليلى.. بس في مشكلة.”

وقفتُ داخل المصعد ونظرتُ إليه ببرود:

— “مشكلة إيه يا عم ناصر؟”

— “أستاذ طارق المنشاوي.. ابن عمك. استغل غيابك الأيام اللي فاتت والشائعات اللي نشرها فؤاد السيوفي، وقدر يقنع تلت أعضاء المجلس بضرورة سحب الثقة منك وتعيينه هو رئيس تنفيذي مؤقت بحجة إنك ‘عروسة جديدة ومش فاضية للبزنس’.”

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة، فيها من مكر جدتي الكثير.

— “طارق؟ طارق طول عمره بيحلم يركب الموجة.. فاكر إن الجو فضي له لمّا جدتي ماتت.”

عندما فتحتُ أبواب قاعة الاجتماعات الكبرى في الدور الأخير، ساد الصمت التام. القاعة كانت تضم أربعة عشر رجل أعمال من كبار المستثمرين والشُركاء، وعلى رأس الطاولة كان يجلس ابن عمي “طارق”، يرتدي بدلة فاخرة ويتحدث بثقة مفرطة.

توقفتُ عند الممر الأوسط، ونظرتُ لطارق اللي اتفاجئ بوجودي، لكنه حاول يداري ارتباكه بابتسامة خبيثة وقام وقف:

— “أهلاً أهلاً بالعروسة! ألف مبروك يا ليلى.. بس مش غريبة تكوني هنا تاني يوم فرحك؟ كان المفروض تكوني في شهر العسل في أوروبا، مش في قاعة اجتماعات مع رجال الأعمال!”

بعض الأعضاء الموالين لطارق ضحكوا بخفة ومجاملة، بينما التزم القادة الكبار الصمت.

مشيت بخطوات واثقة وثابتة، ووقفتُ أمام المقعد الرئيسي على رأس الطاولة—المقعد الذي كان ملكًا لأمينة المنشاوي ولم يجرؤ أحد على الجلوس عليه. طارق كان يجلس على المقعد المجاور له مباشرة.

وضعتُ الملف الأزرق بقوة على الطاولة، فنجم عن ذلك صوت حاد جعل الجميع يعتدلون في جلساتهم.

— “شهر العسل اتأجل يا طارق..” قلتُ بصوت هادئ ومسموع لكل زاوية في القاعة. “لأن العريس مشغول حاليًا في النيابة العامة.. بتهم اختلاس وتزوير وبلاغات كيدية.”

شهقة مكتومة صدرت من الحضور. طارق لونه اتغير ووشه اصفرّ:

— “إنتِ بتقولي إيه؟! كريم السيوفي في النيابة؟!”

— “كريم وأبوه فؤاد..” أضفتُ وأنا أفتح الملف. “وكانوا فاكرين إنهم يقدروا يستولوا على أسهم الشركة دي بمساعدة ‘خائن’ من جوة مجلس الإدارة، كان بيسرب لهم أرقام المناقصات وعقود التوريد في العاشر من رمضان والإسكندرية مقابل نسبة من أرباح شركة السيوفي للاستيراد.”

ساد القاعة توتر خناق. نظرتُ ببطء في وجوه الأعضاء جميعهم، حتى استقرت عيناي المباشرتان على طارق.

طارق ضرب الطاولة بيده وقال بعصبية محاولاً التغطية على توتره:

— “إنتِ جايّة ترمي بياضك وتعملي مسرحيات هنا عشان تداري على فشلك؟ الجوازة الغلط دي اختيارك إنتِ! إحنا هنا بصدد إنقاذ شركة بمئات الملايين من طيش بنت صغيرة مالهاش في إدارة الأزمات!”

وقفتُ بثبات، وسحبتُ جهاز التحكم وقمتُ بتشغيل الشاشة الضخمة المعلقة في القاعة.

ظهرت على الشاشة تسجيلات صوتية، ومستندات تحويلات بنكية حية من حسابات سريّة في دبي وسويسرا، تربط بين حساب طارق الشخصي وحساب فؤاد السيوفي.

— “دي التحويلات اللي تمت الشهر اللي فات يا طارق..” قلتُ بنبرة حاسمة كالسيف. “خمسين مليون جنيه دخلوا حسابك الشخصي في مقابل إنك تسهل للموثق دخول بيتي الصبح، وتبصم على تنازل مبدئي باسم كريم السيوفي عن أراضي مصانع غزل المحلة.”

الجميع في القاعة قاموا واقفين في حالة ذهول وصدمة.

أحد كبار المالكين، “الحاج راغب”، صرخ في طارق:

— “أنت بتبيع شركة جدتك للسيوفي يا طارق؟! يا خسارة التربية!”

طارق بدأ يعرق بغزارة، وصوته يقطع:

— “ده.. ده كذب! المستندات دي مفبركة! إنتِ بتتبلي عليا عشان تمسكي الشركة لوحدك!”

— “المستندات دي موثقة من الهيئة العامة للاستثمار وبلاغ رسمي اتقدم للنيابة من ساعة واحدة بس.” ردستُ وأنا أغلق الملف. “وبصفتي المالك لأغلبية الأسهم بنسبة 60%—واللي جدتي سابتهالي بالكامل في وصيتها المغلقة—أنا بعلن رسمياً إقالة طارق المنشاوي من مجلس الإدارة، ورفع دعوى قضائية عاجلة بتهمة الإضرار العمدي بأموال الشركة والتآمر مع جهات منافسة.”

أشار “عم ناصر” للحرَس الخاص بالشركة، فدخل رجلان ضخمان وقفا خلف طارق مباشرة.

طارق نظر لي بغل وكراهية لم أرها من قبل، وقال وهو بيتجر لبرا القاعة:

— “مش هسيبك يا ليلى! فاكرة إنك كسبتي؟ السيوفي مش هيسيبوكي، وأنا مش هسيبك.. الإمبراطورية دي هتتهد على دماغك!”

— “الإمبراطورية دي أركانها حديد يا طارق..” قلتُ وأنا أنظر إليه باحتقار. “واللي يحاول يهدها.. بيتسحق تحتها.”

تم سحب طارق للخارج وسط صمت وذهول باقي الأعضاء. أعدتُ جليسي على المقعد الرئيسي لجدتي أمينة، وسحبتُ أوراق العقد الجديد.

نظر إليّ جميع الأعضاء باحترام ورهبة جديدة، وكأنهم يمتثلون لأول مرة للأمر الواقع: ليلى المنشاوي ليست امتدادًا لأمينة فحسب، بل هي النسخة الأكثر شراسة وتطورًا.

— “دلوقتي يا سادة..” قلتُ وأنا أوزع الأوراق عليهم. “نفتح جدول الأعمال.. عندنا صفقة توسع جديدة بـ 200 مليون يورو مع الماركات العالمية في أوروبا، ومش هسمح لأي عثرة معطلة إنها توقفنا.”

لكن.. وأنا أوقع أول ورقة، رن هاتفي الخاص برقم غير مسجل.

استأذنتُ الحضور ورفعتُ الهاتف بهدوء.

جاءني صوت أنثوي حاد ومصحوب بصفير رياح، صوت سهير السيوفي:

— “فاكرة نفسك ذكية يا ليلى؟ فاكرة إنك حبستي كريم وطرقتي طارق يبقى اللعبة خلصت؟”

قلتُ ببرود:

— “عايزة إيه يا سهير هانم؟”

ضحكت سهير ضحكة هستيرية ومرعبة عبر الهاتف:

— “انزلي بصي على المخزن الرئيسي لشركتك في العاشر من رمضان دلوقتي.. الشعلة ولعت يا ليلى، والتاريخ اللي جدتك بنته في أربعين سنة.. بياكله النار في أربعين ثانية!”

انقبض قلبي فوراً، وقمتُ واقفة في وسط القاعة، والجميع ينظرون إليّ بذعر.

سمعتُ صوت الانفجار المكتوم عبر الهاتف قبل أن تغلق سهير الخط بضحكة منتقمة. لم يتغير وجهي أمام أعضاء مجلس الإدارة، بل وقفتُ بثبات يسكنه غضب عارم، ونظرتُ إلى “عم ناصر”.

— “عم ناصر.. اطلبلي عربيات الحراسة فورًا، ومسؤول الأمن والسلامة في مصانع العاشر من رمضان يكون معايا على التليفون خلال دقيقة.”

صرخ أحد الأعضاء وهو ينظر لهاتفه المحمول:

— “يا ست ليلى! الأخبار نازلة بث مباشر دلوقتي.. المخزن الرئيسي لغزل المحلة والنسيج الخام في العاشر من رمضان طالعة منه ولعة ماسكة في السحاب!”

ساد الذهول قاعة الاجتماعات، وبدأ البعض يتمتم بعبارات الخسارة والانهيار، لكنني مشيتُ بخطوات حاسمة نحو الباب دون أن أنبس بكلمة.

في الطريق إلى العاشر من رمضان، كانت السيارة المرسيدس تسير بسرعة جنونية تتجاوز المائتين كيلومتر في الساعة. كنتُ أجلس في الخلف، أرقب ألسنة الدخان الأسود المتصاعدة في الأفق من على بعد كيلومترات، وكأنها سحابة شؤم تحاول تغطية اسم “المنشاوي”.

مسكتُ الهاتف واتصلتُ بمدير الدفاع المدني ورئيس جهاز مدينة العاشر من رمضان:

— “سيادة اللواء.. أنا ليلى المنشاوي. المخزن اللي بيتحرق ده فيه مواد خام وصوف مستورد بقيمة ثلاثمائة مليون جنيه، ومربوط بعقود توريد لأوروبا الأسبوع الجاي.. عايزه كل سيارات الإطفاء في المحافظة تكون هناك دلوقتي، ومحطة المياه الفرعية تتفتح بالكامل!”

وصلتُ إلى موقع الحادث. كانت العشرات من سيارات الإطفاء والإسعاف تحيط بالمبنى الضخم. النيران كانت تأكل واجهة مخازن القماش الخام، والعمال والمهندسون يركضون برعب في كل اتجاه.

نزلتُ من السيارة، ولأول مرة أخلع جكت البدلة السوداء، وأمسك بـ”خوذة حماية” بيضاء من على الطاولة الفرعية للأمن، وألبسها فوق شعري المرفوع.

ركض مدير الأمن المهندس “سامح” نحوي، وجهه كان مغطى بالهباب الأسود وعيناه تفيضان بالدموع:

— “يا ست ليلى! الحريق مش طبيعي! الماس الكهربائي ما يعملش كده.. المواد المشتعلة اترشت بفعل فاعل في الأركان الأربعة للمخزن في نفس التوقيت!”

— “عارفة إنه بفعل فاعل يا سامح..” ردستُ بثبات وأنا أنظر لألسنة اللهب. “المهم عندي دلوقتي.. المخزن التاني.. المخزن الاحتياطي المغلق بالنظام الإلكتروني، جاله حاجة؟”

ساد الصمت الشديد من سامح، ونظر إليّ بصدمة:

— “المخزن التاني؟! ده المخرن السري اللي ما حدش يعرفه غير الست أمينة الله يرحمها وحضرتك!”

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وسط أدخنة الحريق.

سهير وطارق وفؤاد كانوا فاكرين إن المخزن الرئيسي اللي قدامهم ده هو كل ثروة الشركة من المواد الخام. ما يعرفوش إن جدتي أمينة المنشاوي، من أربع سنين، بنى نظام مخازن ذكي تحت الأرض بخرسانات مسلحة ومضادة للحرائق للانفجارات، خبينا فيه 70% من المخزون الإستراتيجي الممتاز تحسبًا لأي أزمة أو غدر.

في تلك اللحظة، لمحتُ سيارة بيضاء مظللة تقف على بعد مسافة قريبة من موقع الحريق، محركها يعمل، ومن شباكها الخلفي ظهر وجه “سهير السيوفي”. كانت تشاهد النيران بابتسامة تشفي وغل، وتقوم بتصوير الحريق بهاتفها، متوقعةً أن تراني أبكي وأصرخ أمام عدسات الصحفيين الذين بدأوا بالتجمع.

مشيتُ بخطوات هادئة ومتقاطعة نحو سيارتها. الحراس الشخصيون تبعوني فورًا.

عندما وقفتُ أمام شباك سيارتها، تفاجأت سهير بوجودي بهذه السرعة وبهذا الهدوء. كانت تتوقع أن تراني مكسورة، لكنها وجدتني أقف فوق رأسي خوذة المهندسين، وعيناي تلمعان بتحدٍ كالصخر.

أنزلت سهير الشباك ببطء، وحاولت رسم ابتسامة متعالية:

— “أوه.. ليلى! يا خسارة التعب والشقاء اللي جدتك عملته.. شايفه النار حلوة إزاي وهي بتاكل الملايين؟ ده ثمن الكبرياء يا حبيبتي.. ثمن إنك حبستي ابني وشوهتي اسم عيلتنا.”

قربتُ وجهي منها، ونطقتُ بنبرة خفيضة، ثقيلة، تجمد الدماء في العروق:

— “النار دي مش بتاكل فلوسي يا سهير.. النار دي بتاكل حريتك أنتِ وفؤاد للستين سنة الجايين.”

سهير ارتبكت:

— “إنتِ بتقولي إيه؟”

طلعتُ من جيبي جهاز تشغيل صغير، وضغطت على زر العرض.

ظهر فيديو متسجل بدقة عالية جداً من كاميرات المراقبة الحرارية المخفية حول السور الخارجي للمخزن. الفيديو يظهر فيه سائق سهير الشخصي، وهو ينزل من نفس السيارة البيضاء قبل ساعتين، ويحمل جاليونات بنزين ويقوم برشها على الجدران الخلفية للمخزن بتوجيه مباشر من شخص داخل السيارة.

سهير وُجهها اصفرّ تمامًا، وأصبحت تتنفس بصعوبة شديدة:

— “ده.. ده مش..”

— “كاميرات المراقبة الحرارية مربوطة بسيرفرات التلغرام والأمن الوطني مباشرة يا طنط..” أضفتُ ببرود قاتل. “سائقك اتمسك من خمس دقائق في أخر الشارع، واعترف بكل حاجة تحت التهديد.. والنيابة العامة أصدرت للتو ضبط وإحضار ليكِ بتهمة إشعال حريق عمدي، وتدمير منشآت حيوية، والمشاركة في مخطط إرهابي لتدمير أصول اقتصادية!”

في نفس اللحظة، حاصرت أربع سيارات شرطة سيارة سهير البيضاء، ونزل منها الضباط وأسلحتهم مشهرة.

فتحت الشرطة باب السيارة وسحبت سهير للخارج وهي تصرخ وتولول وتستغيث بأسماء كبار المسئولين، وسقطت حقيبتها الفاخرة على الأرض وتناثرت محتوياتها تحت جزمة بوطي الطيني.

نظرتُ إليها وهي تُقاد بالكلبشات للسيارة الشرطية وقام الضابط بتغطية رأسها، وقلت بصوت مرتفع ليسمعه الصحفيون الجالسون في المكان:

— “المخزن اللي ولعتيه يا سهير.. كان فيه قماش تالف بضاعة راكدة من خمس سنين كنا بنجهزها عشان نعدمها ونستفيد من التأمين!.. وشغلك الهواة ده وفر عليا مصاريف الإعدام والتأمين هيعوضني ضعف قيمتها!”

التفتُّ للصحفيين والمصورين وقفتُ بثبات وشامخة أمام كاميرات التلفزيون التي تبث مباشرًا:

— “إلى كل عملائنا في أوروبا ومصر.. مخازن المنشاوي الرئيسية بخير، والبضائع الأساسية محفوظة في المخازن الأرضية، والطلبيات هتطلع في مواعيدها بكرة الصبح بدون تأخير دقيقة واحدة.. المنشاوي مبنى من حديد، والشرارة اللي بتضربنا.. بتنور طريقنا بس.”

صفق العمال والمهندسون بحرارة وهتفوا باسم “المنشاوي” حتى ارتجت المنطقة الصناعية كاملة.

لكن.. وأنا أستعد للركوب في سيارتي للعودة للقاهرة، جاءني “عم ناصر” ووجهه مرعوب، وهو يحمل ظرقاً أسود مغلقاً بشمع أحمر، وجده أحد الحراس معلقاً على باب سيارتي.

فتحتُ الظرف بريبة..

كانت هناك صورة قديمة جداً بالأسود والأبيض لجدتي “أمينة” وهي صغيرة، وخلفها رجل مجهول الوجه يمسك بيده س\كيناً، ومكتوب أسفل الصورة بخط يد أحمر حاد:

«أمينة المنشاوي ما بنتش الإمبراطورية دي بعرقها زي ما فهمتك.. أمينة سرقتها بالدم.. ودلوقتي صاحب الدين الأصلي رجع يسترد كل حاجة.. واللعبة يلا بدأت يا ليلى.»

وقفتُ أتنفس بسرعة، ورأيتُ أن الحرب مع عائلة السيوفي لم تكن سوى الستار السطحي.. وأن هناك عدواً أكبر وأشد ظلاماً يتربص بي وبإمبراطورية المنشاوي من القاع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *