مرات ابني حكايات امانى السيد 2

في أحد الأيام، اشتد الشجار بين الابن الأكبر والابن الأصغر بسبب مصاريف البيت والكهرباء وتراكم القمامة أمام الأبواب. تشابك الأخوان بالأيدي عند درجات السلم، تعالت الأصوات وتجمهر أهالي الشارع. نزلتُ أهرول، أصرخ وأترجاهما بأعلى صوتي: “يا أبنائي.. اتقوا الله، أنتم إخوة من بطن واحدة، لا تشمتوا فينا الغريب والرخيص!”.

يلتفت إليّ الابن الأكبر، ووجهه محتقن بالدم والشر، ويصرخ في وجهي أمام الجيران بلا ذرة احترام: “اسكتي أنتِ يا أمي! أنتِ السبب في كل ما نحن فيه! أنتِ التي زرعتِ فينا الكره والغل، أنتِ التي علمتينا كيف نأكل حق بعضنا ونستعلي على غيرنا! يوم أن كانت زوجة أخينا الوسطاني تخدمنا بلقمتها ودموعها، كنتِ تضحكين وتنعينها بالضعف، والآن حصادي وحصادك خراب هذا البيت!”.

سقطتُ على الدرج من هول الكلمة. لم يتقدم أحد من ولدَيّ ليرفعني، ولا زوجة من زوجاتهما مدت يدها لتساعدني. خرج الجيران، أولئك الذين كنت أتباهى أمامهم ببيتي وأولادي، ينظرون إليّ بنظرات تجمع بين الشفقة الشديدة والتشفّي المكتوم. رفعتُ رأسي إلى السماء وأنا ملقاة على الأرض، والتراب يملأ ثيابي، وتذكرتُ زوجة ابني الوسطاني حين نزلت من نفس هذا السلم قبل أسابيع، وهي تبكي بدموع صامتة وتستعيذ بالله. عرفتُ حينها أن الدعوة سقطت على البيت كالصاعقة، وأن عقاب الظالم في الدنيا هو أن يرى بنيانه الذي بناه بالظلم ينهار على رأسه حجراً حجراً.

تدهورت حالتي الصحية سريعاً، ارتفع السكر في دمي وضغطي لم يعد يستقر، وبدأت أطراف رجلَيّ تتورمان حتى عجزتُ عن الحركة. أصبحتُ طريحة الفراش في شقتي. لا أحد يدخل عليّ. زوجات أبنائي أغلقت كل منهن بابها، وإذا دخل أحد أولادي دخل يلقي عليّ شريط الدواء أو بعض الطعام الجاف، ويغادر سريعاً ليلحق ببيته المشتعل بالخلافات.

في تلك الليالي الطويلة، كانت الوحدة تأكل قلبي. كنتُ أستلقي في الظلام، وأسمع صوت الريح، فيتراءى لي طيف زوجة ابني الوسطاني. أذكر كيف كانت تدفع الباب برفق في السابعة صباحاً، تحمل بين يديها صينية الفطور الساخن، وتعدل لي الوسادة خلف ظهري، وتبتسم في وجهي رغم جفائي، وتقول لي بكل رقة: ” صباح الخير يا حجة، هل نمتِ جيداً الليلة؟”. كنتُ أرد عليها ببرود، وأمرها بتنظيف المكان بلهجة آمرة، وكانت توميء برأسها وتنفذ دون أن تتذمر، تظن أن صبرها سيلين قلبي يوماً ما.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *