مرات ابني حكايات امانى السيد 2

مرّت الأيام متثاقلة كأنها جبال من الفولاذ الجاثم على صدري. لم تعد جدران البيت تسعني، ولم يعد النور يدخل نوافذي. العمارة التي كانت تضج بالضحكات والأطفال، وتفوح منها روائح الطعام في كل صباح، أصبحت تشبه المقبرة المهجورة، لا تسمع في أروقتها سوى صرير الأبواب أو صياح الخلافات اليومية التي لا تنتهي بين أولادي وزوجاتهم.

سكن الابن الوسطاني في حجرة صغيرة بالإيجار في آخر الشارع الذي يقع فيه بيت أهل زوجته. كان يرفض أن يبتعد عن طفليه، يصحو في السادسة صباحاً ليرابط على رصيف الشارع المقابل، ينتظر لحظة خروج ابنه الصغير متجهاً إلى المدرسة ليلمحه من بعيد. كان الولد في الأيام الأولى يتحاشى النظر إليه، يمسك بظفر أمه ويمشي مطأطئ الرأس، فقد زرعت الإهانة في قلبه حسرة جعلته يخجل من الدنيا بأسرها. أما الابن الوسطاني، فكان يقف مسنداً ظهره إلى الشجرة، يرتدي ثياباً تجعدت من الهم، ووجهه الذي كان يشرق بالشباب أحاله الحزن إلى لوحة شاحبة ينبض فيها الندم.

في بيتي، بدأت ثمار ما زرعته تينع حسرة ومراراً. زوجة الابن الأكبر وزوجة الابن الأصغر، اللتان كنت أحرّضهما دائماً على زوجة الوسطاني وأعطيهما الحق في أن تتسلطا عليها، انقلب السحر عليهما وعليّ. حين غابت تلك المسكينة التي كانت تشيل عنهن ثقل البيت وأعماله الشاقة، ظهرت حقيقتهن العارية؛ أجساد معتادة على الراحة، وقلوب مليئة بالأنانية، ونفوس لا تعرف للجميل معنى.

بدأت المشاكل تتفجر في العمارة كل صباح على أبسط الأمور. أصبحت زوجة الأكبر ترفض تنظيف السلم، وتقول بصلف: “لستُ خادمة لأحد، من وسّخ السلم فليمسحه بنفسه!”. وزوجة الأصغر ترفض أن تطبخ لي أو تسأل عني، وتغلق بابها بالساروج، وإذا سألتها عن غدائي ردت بصوت جاف من خلف الباب: “كل إنسان يتحمل مسؤولية نفسه يا حجة، ألسنا أصحاب أصل رفيع ولا يصح أن ننزل لمستوى الخدم؟”.

كانت كلماتها تسقط على رأسي كالمطرقة، تذكرني بألفاظي التي كنت أستعلي بها على زوجة الوسطاني، وكأن الله أجرى على ألسنتهن نصوص عقابي، لأذوق من نفس الكأس التي سقيت منها تلك المسكينة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد البلاء إلى أطفالهما. الأطفال الذين عودناهم على التكبر والغرور واحتقار ابن عمهم، بدأوا يمارسون نفس البشاعة على بعضهم البعض. أصبح ابن الأكبر يضرب ابن الأصغر ويقول له: “أبي هو الكبير وأنت وأمك تعيشون في خيرنا!”. فتخرج زوجة الأصغر صارخة كالمجنونة، وتبدأ شتائم السباب بين السلفتين في منتصف الممر، بكلمات أنزه لساني عن ذكرها، أمام مرأى ومسمع من الجيران الذين كانوا يحترمون بيتنا ويحسبون له ألف حساب.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *