مرات ابني حكايات امانى السيد 2
رفعت رأسها بالصدفة نحو شباك غرفتي، فرأتني أقف خلف الزجاج وأبكي وألوّح لها بيدي كالمجنونة. استقرت عينها في عيني لثوانٍ معدودات. توقعتُ أن تشيح بوجهها، أو تدعو عليّ، لكنها فقط هزت رأسها بأسى، ونظرت إليّ بنظرة رحمة وتأسف على حالي والشر الذي صنعتُه بنفسي، ثم أخذت طفلها ودخلت الشقة وإغلاظت الباب.
تلك النظرة كانت أشد عليّ من ألف سوط. علمتُ أن كرم أخلاقها هو الذي يذبحني، وأنني لو كنتُ عاملتها بربع هذا الإحسان لأصبحتُ الملكة التي تحفها بالحب والرعاية.
في المساء، أخذ الابن الوسطاني حقيبته الهزيلة. لم يدخل لوداع إخوته، بل صعد إليّ في الغرفة. ركع عند طرف السرير، مسك يدي الباردة وقبلها، ثم قال والدموع تخنق صوته: “أنا ذاهب يا أمي.. سأسافر للعمل في الصعيد، لم أعد أطيق البقاء في هذه المدينة ولا في هذا الشارع. الشقة السفلى أصبحت لزوجتي وأولادي، لا تضايقوهن، ولا تجعلوا إخوتي يتعرضون لها، كفانا ذنوباً إلى هنا”.
صرختُ وأنا أتمسك بثوبه: “تتركني يا بني؟ تترك أمك المريضة وتذهب؟ من يخدمني ومن يسأل عني؟”.
نظر إليّ بعينين مطفأتين وقال: “عندكِ زوجات إخوتي الأفاضل.. اللاتي اخترتيهن على أصلهن ورفعة شأنهن. عيشي معهن يا أمي، واشربي من الخير الذي غرسناه جميعاً”.
خرج وتاركاً إياي في الشقة الوخيمة. نزل من السلم وصوت خطاه يبتعد شيئاً فشيئاً، حتى أُغلق باب الشارع الرئيسي، وشعرتُ بأن روحي سُحبت مني وخرجت معه.
أصبحتُ الآن محبوسة في غرفتي. الابن الأكبر وزوجته يتآمرون لببيع شقتهم والهروب من العمارة بعد أن أصبحت الجدران تذكرهم بخزيهم، والابن الأصغر وزوجته في شجار دائم لا يتوقف حتى أوقات المتأخرة من الليل. أما الشقة السفلى، فكنت أسمع منها في كل صباح صوت القرآن الكريم، وصوت طفل ابني الوسطاني وهو يضحك ويلعب في الصالة، دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها أو إهانته.
أجلس على كرسيّ المتحرك عند النافذة، أنظر إلى الشارع الفارغ، وأدرك تماماً أن الفصل الأخير من حياتي قد بدأ، فصل أدفن فيه حية بين أوهام كبريائي، وأتحسر فيه على يومٍ كنتُ فيه أملك القوة فاستخدمتها في الظلم، حتى لم يبقَ لي اليوم سوى الندم، وصوت الدعوة الذي لا يزال يرن في أذني: “ربنا يجيبلي حقي يا حجة”.. وقد جلب الله حقها كاملاً غير منقوص.