مرات ابني حكايات امانى السيد 2

لم ينتهِ الألم عند ذلك الحد، بل كان ما جرى مجرد بداية لانهيار كل سقف ظننتُ أنه يحميني، وتداعي كل جدار رفعتُه بالظلم والافتراء. بعد سفر ابني الوسطاني، أظلمت العمارة تماماً، وصار الهواء فيها ثقيلاً لا يُطاق، كأن جدرانها تشربت القهر الذي صُبَّ فيها سنوات طويلة.

في الشقة السفلى، كانت زوجة الابن الوسطاني تعيش مرفوعة الرأس مع طفليها. لم تخرج يوماً لتبدي تشفياً، ولم ترفع صوتها بكلمة واحدة ضدنا، بل عاشت في حالها تقضي حوائجها بعزة نفس. كانت في كل صباح تفتح نوافذ شقتها، فيفوح منها أريج البخور وصوت القرآن الكريم، وتخرج طفليها للمدرسة بملابس ناصيفة ووجوه ضاحكة. كان ينظر الجيران إليها باحترام شديد، فقد عرف الجميع في الشارع قصتها، وعلموا كيف صبرت على الإهانة والخدمة الشاقة حتى نصرها الله وأعاد لها كرامتها وحق أطفالها.

أما في طوابقنا العليا، فقد تحولت الحياة إلى جحيم لا يطاق. زوجة الابن الأكبر وزوجة الابن الأصغر، اللتان كنت أفضلهما عليها وأرى أنهما من “أصل رفيع”، دخلتا في حرب طاحنة لا ترحم. لم يعد هناك من ينظف لهن، أو يطهو عنهن، أو يتحمل نزقهن وأطفالهن. تراكمت الأوساخ في الطرقات، وتصاعدت المشاكل اليومية على تافه الأمور: من يضع القمامة عند السلم؟ ومن يستهلك الماء أكثر؟ ومن ينظف المدخل؟

أصبح الابن الأكبر يعود من عمله متعباً ليجد بيته مكركباً وزوجته متطلبة تصرخ في وجهه: “استأجر لي خادمة! أنا لستُ ممسحة لبيتك، ولستُ كزوجة أخيك المطرودة أتحمل قذارتك وقذارة أهلك!”.

وحين كان يحاول أن يذكرها بما كانت تفعله زوجة أخيه الوسطاني وكيف كانت تخدم الجميع دون أن تتكلم، كانت تصيح فيه بصلف: “تلك كانت خادمة ومكسورة الجناح لأنها من بيت فقير وجدتك عطفت عليها! أما أنا فبنت ناس، وإذا لم يعجبك فطلقني وخذ أطفالك!”.

ولم يكن حال الابن الأصغر بأفضل منه. انقلبت زوجته عليه كالأفعى، وأصبحت تستغل ضعف موقفه وتطالبه بكتابة الشقة باسمها أو ترك البيت، وتعايره كل ليلة: “أنت وإخوتك وأمك ظلمة، والناس في الشارع ينظرون إلينا بنظرة قرف بسبب ما فعلتموه بزوجة أخيك! أنا أستحي أن أقول إنني من هذا البيت!”.

أما أنا، فكنت أرقب هذا الخراب وأنا ملقاة على فراشي، ينهكني المرض ولا أملك من أمري شيئاً. عجزت رجلاي تماماً عن الحركة، وأصبح السكر ينخر في جسدي. كنت أسمع صراخهن وشتمهن لي في الصالة؛ فلم تعد أي منهن تحترمني أو تعمل لي حساباً. كنتُ أسمع زوجة الأكبر وهي تقول لزوجها عند باب غرفتي: “أمك هي التي خربت البيت، دعها ترقد في مرضها، أنا لن أدخل لها كوب ماء واحد، اذهب وأحضر لها خادمة تطعمها كما كانت تستعبد زوجة أخيك!”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *