جوزي رمي 1500جنيه

جوزي رمى 1500 جنيه على السفرة وقال بكل برود: “دبّري نفسك… بس أنا عايز آكل لحمة كل يوم.”

بعد 8 سنين جواز، ما اتخانقتش معاه… خبيت آخر إيصال لقيته في جيب بدلته، وابتديت أحضّر لعشا هيحضره 3 شهود… من غير ما أتخيل إن أمه أول ما تشوف الإيصال هتعرف الفلوس الـ74 ألف جنيه دي جت منين.

ـ بألف وخمسمية جنيه دول تقدري تصرفي البيت شهر كامل. ولو ما عرفتيش، يبقى المشكلة فيكي… مش في الفلوس.

حطّت مريم الآلة الحاسبة على الترابيزة، وبصّت لـكريم باستغراب، كأنه بيتكلم بلغة تانية.

قدامها كانت فواتير الكهربا والمية والغاز، وإيصالات السوبر ماركت. ومن الشباك كان صوت عربية الفول بينادي، والشارع ابتدى يصحى على زحمة الصبح.

قالت وهي بتحاول تستوعب:

ـ ألف وخمسمية جنيه للأكل والمنظفات وكل مصاريف البيت؟

وقف كريم قدام المراية يعدّل ياقة القميص. من ساعة ما اترقى في شركة سيراميك وتشطيبات، وهو بقى يقضي وقت قدام المراية أكتر من الوقت اللي بيودعها فيه.

قال بثقة:

ـ ده ميزانية… اتعلمي تدبّري أمورك. أمي كانت مربية 4 عيال بأقل من كده.

ابتسمت بسخرية وقالت:

ـ أمك كانت عايشة في الريف، عندها فراخ وبط وأرض بتزرعها… ده كان من 30 سنة. إحنا في القاهرة، وكيلو اللحمة بقى نار.

رد وهو شايف نفسه:

ـ أنا بدفع الإيجار والفواتير… وإنتِ مسؤولة عن البيت. وبعدين أنا بحوش لحاجة مهمة هتفيد شكلي ومكانتي في الشغل.

سألته:

ـ وإنت هتاكل إيه؟

ـ الأكل العادي… لحمة ومحشي وطبيخ. أنا بتعب طول اليوم، ولازم أتغذى كويس.

في اللحظة دي، مريم فهمت إنه مش بيهزر.

هو فعلاً متوقع ياكل أحسن أكل كل يوم… وهي تعمل معجزة بألف وخمسمية جنيه طول الشهر.

قالت بهدوء:

ـ أنا مش هزود جنيه من مرتبي.

رد وهو فاتح الباب:

ـ هنشوف.

وقفل الباب ومشي، متعطر وفرحان بنفسه، ومقتنع إنه فرض قانون جديد في البيت.

مريم كانت شغالة في أرشيف مكتبة عامة. مرتبها على قد الحال، لكنها كانت شاطرة في تدبير البيت، تعرف تشتري وقت العروض، وتقارن الأسعار، وما تصرفش جنيه زيادة.

طول عمرهم كانوا بيشاركوا في مصاريف البيت.

لكن كريم، من غير حتى ما ياخد رأيها، قرر يقلل اللي بيدفعه… وكأن مرتبه بقى مديه حق يتحكم فيها.

بعد الشغل دخلت السوبر ماركت.

اشترت لبن، وبيض، ورز، ومكرونة، وعدس، وشوية بطاطس، وصابون، وعلبة صلصة.

دفعت 438 جنيه.

بصّت للإيصال… وطلعت منها ضحكة مالهاش نفس.

بالليل حطت على السفرة شوربة بسيطة ومكرونة.

كريم قلب الطبق بضيق.

ـ فين اللحمة؟

قالت من غير ما ترفع عينها:

ـ اللحمة ما طلعتش من الميزانية اللي إنت حاططها.

ـ دوري على العروض.

ـ العروض مش هتخلي الألف وخمسمية يبقوا ستة آلاف.

سكت وهو متضايق، وأكل بالعافية.

وبعدها قام فتح التلاجة، لقى حتة جبنة، خلصها كلها… حتى من غير ما يسألها إذا كانت أكلت ولا لأ.

عدت الأيام.

مريم فضلت ماشية على نفس النظام.

عدس… رز… بطاطس… مكرونة… فول.

هي كانت بتتغدى في كافتيريا الشغل، لأنها أرخص، وكانت بتحوش جزء من مرتبها.

وكمان كانت بتجيب أكل لـمشمش… القط البرتقاني اللي متعود ينام جنب الشباك.

أما كريم…

كان يرجع كل يوم ريحته شاورما أو كفتة أو فراخ مشوية.

واضح جدًا إنه بيتغدى بره.

لكن عمره ما فكر يسيب جنيه زيادة للبيت.

يوم الجمعة، وهي بتنضف الدولاب، لقت إيصال متني جوه جيب بدلته.

فتحته…

وجسمها كله اتجمد.

جنوط سبور مستوردة: 46 ألف جنيه.

كاوتش جديد فاخر: 28 ألف جنيه.

تاريخ الشراء…

من يومين بس.

قعدت على السرير والإيصال بيرتعش بين صوابعها.

هما ماكانوش في أزمة.

ولا كانوا محتاجين يوفروا.

كريم كان بيخليها تعد رغيف العيش…

علشان يركب جنوط جديدة لعربيته القديمة، ويعمل فيها باشا قدام الناس.

لكن وهي بتبص آخر الإيصال…

لاحظت جملة مكتوبة بالقلم.

“تم دفع العربون بتحويل من: أمينة عبدالسلام.”

أمينة…

أم كريم.

مريم رفعت عينيها ببطء.

حماتها جاية تقعد عندهم بعد يومين.

وكريم… لسه ميعرفش إنها اكتشفت حاجة أخطر بكتير من حكاية الجنوط.

 

بعد يومين، كانت الشقة تفوح بريحة البخور اللي جابته أم كريم معاها أول ما دخلت.

الحاجة أمينة كانت ست شديدة، ملامحها حادة، لكن عينها دايماً لمّاحة. نزلت من السفر بحقيبة كرتون كبيرة فيها خير الريف اللي متعودة تجيبه، لكن أول ما حطت رجلها في الصالة، بصّت حواليها بنظرة تفحص.

كريم كان واقف جنبها مستعد يقبل إيدها، يبتسم بابتسامة الموظف المترقي اللي حاسس إنه ملك العالم.

ـ نورتي القاهرة يا أمي.. الشقة كلها نورت.

ردت وهي بتقعد على الكنبة وبتفك شالها:

ـ بنورك يا كريم.. بس الشقة هادية أوي يا ابني، ومريم شكلها خاسس كدة ليه؟

مريم خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية العصير، ابتسمت بهدوء وقالت:

ـ أهلاً بيكي يا حاجة.. حمد لله على السلامة.

قعدت الحاجة أمينة، وبصت للبيت، وبعدين بصت لكريم وقالت:

ـ ها يا ابني.. العمليات اخبارها إيه؟ والفلوس اللي بعتهالك من أسبوعين عملت بيها إيه؟ الدكتور قال إيه على رجل أختك؟

هنا.. كريم اتصلب في مكانه. الابتسامة اختفت من على وشه في ثانية، وبص لمريم بخوف مكتوم، لكن مريم فضلت قاعدة بتشرب العصير بكل برود، وكأنها مش سامعة حاجة.

كريم بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيرد:

ـ هـ.. أصل الدكتور.. قصدي الحسابات في المستشفى يا أمي.. أصلهم أجروا العملية ولها بقية..

قاطِعته مريم بصوت واطي وناعم، لكنه ينزل زي الساطور:

ـ عملية إيه يا كريم؟ مش الفلوس دي اللي أخدتها عشان الشغل ومكانتك؟

الحاجة أمينة حطت كباية العصير على الترابيزة بحدة، وصوت خبطة الزجاج على الخشب رن في الصالة.

ـ شغل إيه ومكانة إيه؟ الفلوس دي 74 ألف جنيه.. بعتهم لكريم من تحويشة عمري وبيع حتة الأرض الصغيرة عشان عملية أخته مروة في ركبتها! هو قال لي المستشفى طالبتهم كاش عشان يبدأوا الترتيبات!

كريم عرَق، وبدأ يمسح رقابته بياقة القميص اللي كان واقف يظبطها قدام المراية من يومين.

ـ يا أمي استهدي بالله.. الفلوس معروضة في حساب المستشفى، بس الإجراءات…

مريم قامت بهدوء. مشيت ناحية الأوضة، وخرجت وفي إيدها إيصال واحد.. الإيصال المتني اللي طلعاوه من جيب البدلة.

حطت الإيصال على السفرة.. قدام الحاجة أمينة مباشرة.

ـ ده الإيصال يا حاجة. 74 ألف جنيه بالتمام والكمال.

الحاجة أمينة مسكت الورقة. عينها مشيت على السطور..

“جنوط سبور مستوردة: 46 ألف… كاوتش فاخر: 28 ألف… تم دفع المبلغ بتحويل من: أمينة عبد السلام.”

البيت بقى فيه صمت مرعب. حتى صوت عربية الفول اللي في الشارع اختفى.

الحاجة أمينة بصت للورقة، وبعدين رفعت عينها لكريم. ملامحها اتغيرت من الست الطيبة اللي جاية تزور ابنها، لست صعيدية أكلت الشقا بعرقها وقسوتها.

ـ جنوط؟

قالت الكلمة بهمس يخوف.

ـ بتسرق فلوس عملية أختك المريضة يا كريم؟ عشان تركب حتت حديد في عربية كراكيب؟

كريم قرب منها بخوف ويديه بترتعش:

ـ يا أمي نفهمي.. أنا كنت هرد الفلوس أول ما القرض ينزل.. أنا محتاج المنظر ده في الشركة.. رئيس القطاع قال لي لازم…

قاطعه صوت كف ينزل على وشه بكل قوة. صوت ضربة خلت مريم نفسها تتراجع خطوة للورا.

الحاجة أمينة وقفت على حيلها وهي بتترعش من الغضب، شاور بصباعها في وشه وقالت:

ـ خسارة التربية! أختك تصرخ من وجع ركبتها وإنت رايح تشتري منظرة وكلام فارغ؟ وقاعد هنا تحسب على مراتك اللقمة وتجيب لها ألف ونص وتقول لها تدبر البيت وهي بتاكل عيش وجبنة؟

كريم بص لمريم بغل:

ـ إنتِ اللي فتششي في جيوبي؟ إنتِ اللي عملتي اللعبة دي؟

ردت مريم وهي ثابتة في مكانها، عينها في عينه من غير خوف لأول مرة من 8 سنين:

ـ أنا ما فتشتش.. أنا كنت بنضف بدلتك عشان تطلع بيها قدام الناس شيك وباشا.. زي ما بتحب. والفلوس اللي رميتهالي على السفرة، الصابون والرز أكلوا نصها في أول يومين.. باقي الألف ونص أهو على السفرة، تفضل خدهم عشان تكمل بيهم بقية جنوطك.

الحاجة أمينة مسكت شنطتها بحدة، وبصت لكريم بقرف:

ـ الفلوس دي ترجع للجنيه قبل ما النهار يطلع بكره.. العربية دي تتفك الجنوط اللي فيها وترجع للراجل اللي اشتريت منه، ولو ما رجعتش الفلوس.. لا أنت ابني ولا نعرفك، وأختك ملهاش أخ.

كريم بقى واقف في نص الصالة، بين أمه اللي بتغلي من الغضب وبتهدده بالتبري منه، وبين مراته اللي واقفة بكل ثبات بتتفرج عليه وهو بانهار.

قربت الحاجة أمينة من مريم، مسكت إيدها وقالت بصوت مجروح:

ـ حقك عليا يا بنتي.. أنا اللي افتكرت إني مربية راجل.

بصت لكريم وقالت:

ـ جهز نفسك.. بكره الصبح الساعة 8 هنكون عند محل السيارات ده.. وهات معاك المعلم مصطفى أخويا والشيخ رضوان.. عشان الفضيحة دي تتحل قبل ما أختك تفهم إنت عملت إيه بفلوس علاجها.

خرجت الحاجة أمينة وقفت في البلكونة تطلب أخوها في التليفون، وسابت كريم ومريم لوحدهم في الصالة.

كريم قرب من مريم، صوته كان مشحون بغل ويكتم صرخة:

ـ فاكرة نفسك كسبتي؟ إنتِ خربتي البيوت يا مريم..

ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة، وحطت الألف ونص على الترابيزة وقالت له:

ـ أنا ما خربتش حاجة يا كريم.. إنت اللي اشتريت منظرتك بفلوس مرض أختك، وجاي تحاسبني على كيلو اللحمة.. بكرة الشاهديين هيحضروا العشا اللي وعدتك بيه.. بس العشا بكرة مش هيكون لحمة.. هيكون حساب قديم أوي إنت نسيت تدفعه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *