اشتريت نفسي الجزء الأول بقلم نورهان العشري4
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء الرابع ❤️
الكلمة نزلت في الصالة كأنها قنبلة انفجرت.
أم جواد حطت إيدها على صدرها وشهقت شهقة مكتومة وقعدت على الكرسي ومش قادرة تنطق.
أما جواد.. فـ الدم غلى في عروقه، وعينيه بقت تطلع شرار. الكوباية اللي كانت في إيده اتدشدت ميت حتة، وعروق رقبته ظهرت وبقت بارزة من.. الصد.مة والغل والغيرة وكبرياؤه اللي اتضرب في مق.تل.
جواد مكنش شايف قدامه. العروق اللي في رقبته كانت بارزة وبتنبط بدم غالي من كتر الغضب. صوت مروة وهي بتصرخ وتلطم في الصالة كان لسه بيرن في ودنه زي الصفارة اللي مبتقفش. نزل السلم جري، مأخدش الأسانسير حتى، وركب عربيته داس بنزين و طلع بأقصى سرعة عنده. الإشارات، العربيات، الناس في الشارع.. كل دا كان خطوط مشوشة قدام عينيه. اللي كان مسيطر على عقله حاجة واحدة بس: “ولاء.. ولاء هتبقى لراجل تاني؟ ولاء اللي كانت بتتنفس التراب اللي بيمشي عليه. اللي كانت بتمو.ت لو خاصمتها يوم، هتبقى في ح.ضن محمود؟ راجل تاني ممكن يلمسها؟ واحد غيره ممكن يملكها؟”حكايات نورهان العشري
الغيرة مكنتش مجرد شعور، كانت نار حقيقية بتاكل في صدره، بتدبح كبريائه اللي عاش طول عمره حاطه فوق كل اعتبار. وصل بيت عمه، نزل من العربية ورزع الباب وراه، وطلع السلم تلت درجات في الخطوة الواحدة. ضرب جرس الباب بعنف وبصوت عالي كأنه بيك.سر الباب.
فتحتله أم ولاء، أول ما شافت وشه المتعصب وعينيه الحمرا زي الدم، خافت ورجعت خطوة لورا، بس حاولت تبان قوية:
“خير يا جواد؟ في إيه؟ جاي بتخبط كدا ليه”
جواد زق الباب ودخل الصالة وهو بيلتفت يمين وشمال زي السبع المجروح، وصوته طلع جهوري هز الحيطان:
“فين ولاء؟ نادولي ولاء حالا! فين هي؟”
خرج عمه على صوت الزعيق، وبصله بحدة:
“جرى إيه يا جواد؟ أنت ناسي نفسك؟ أنت داخل بيت عمك تزعق؟ والست اللي بتسأل عليها دي مبقتش مراتك، أنت طلقتها بتسأل عليها ليه!”
جواد ضغط على سنانه لدرجة إن فكه وجعه، وحس إن نفسه هيمو.ت من الغيظ:
“يا عمي أنا مش جاي أعمل مشاكل، أنا عايز ولاء.. هي فين؟ جوه في الأوضة؟”
أم ولاء ردت ببرود وشما.تة مكنتش قادرة تخبيها: “بنت مش قاعدة في بيتها بتعيط يا حضرة الظابط.. ولاء في مكتبها، بتشوف شغلها ومستقبلها”
الكلمة نزلت عليه زي المية المغلية. سابهم والشرار بيطلع من عينيه، ونزل تاني. ركب عربيتة وطار على عنوان المكتب اللي مروة قالتله عليه. طول الطريق وهو بيكلم نفسه زي المجنون:
“محامية؟ ومكتب وقضايا؟ ولابسة وشيك وبترد الكلمة بعشرة؟ فين ولاء الطيبة الهادية اللي كنت برجع ألاقيها مستنياني وضحكتها اللي منورة وشها و كأنه دخولي عليها عيد.إزاي اتغيرت كدا؟ ومحمود؟ محمود كان بيتردد عليها في المكتب؟ يعني الحكاية دايرة من ورا ضهري؟”حكايات نورهان العشري
وصل قدام العمارة اللي فيها مكتب المستشار فريد المنشاوي. نزل ودخل بـ هيبته اللي مكنش حد يقدر يقف قدامها، زق باب المكتب الخارجي، السكرتير وقف مخضوض:
“يا فندم يا فندم رايح فين؟ عندك ميعاد؟”
جواد مدلوش اهتمام، كان بيدور بعينيه لحد ما لمح يافطة صغيرة على باب أوضتين جوه مكتوب عليها (أستاذة/ ولاء محمد).
فتح الباب بعنف ورزعه وراه بقوة لدرجة إن الزجاج بتاع الباب اتشرخ.
ولاء كانت قاعدة ورا مكتبها الخشب، ماسكة قلم وبتقرأ في الورق قدامها ولابسة بدلة كحلي فورمال، وشعرها اللي اتغير لونه كان نازل على كتفها بنعومة، وريحة برفانها مالي الأوضة.. ريحة جديدة، مكنش يعرفها.حكايات نورهان العشري
أول ما الباب اترزع، رفعت راسها ببطء. ملامحها متهزتش. مفيش خضة، مفيش لهفة، مفيش الخوف اللي كان بيشوفه في عينيها زمان لما يزعق. حطت القلم بهدوء، وسندت ضهرها لورا، وبصتله بنظرة باردة وقالت بنبرة هادية ومستفزة:
“أهلاً يا حضرة الظابط.. مكتب محاماة محترم دا، مش قسم شرطة عشان تدخل تك.سر الباب بالشكل دا. خير؟ في قضية عايز ترفعها؟”
جواد قرب من المكتب، وحط إيديه الاتنين عليه، وانحنى بجسمه ناحيتها وهو بيتنفس بسرعة، وعينيه بتتحرك في وشها بـ جنون و غيرة واضحة وصريحة:
“قضية؟ أنتِ ليكي عين تتكلمي كمان؟ إيه اللي أنا سمعته دا يا هانم؟ انطقي! إيه الحكاية القذرة اللي دايرة بينك وبين محمود جوز أختي؟”حكايات نورهان العشري
ولاء رفعت حاجبها وبصتله بمنتهى البرود:
“وماله محمود؟ راجل ومبسوط وجاي يطلب إيدي على سنة الله ورسوله بعد ما عِدتي تخلص. إيه اللي مزعلك في كدا؟ مش أنت اللي طلقت؟ ومش مامتك قالت إنك ألف واحدة تتمناك وتتجوز بنت بنوت الصبح؟ طب ما أنا كمان ألف راجل يتمناني، والمحامين والدكاترة ورجال الأعمال طوابير بره.. محمود سبق، فيها إيه؟”
جواد ضرب المكتب بـ إيده بكل قوته، لدرجة إن المحبرة والورق اتهزوا:
“فيها إيه؟! أنتِ اتجننتي يا ولاء؟ محمود؟ محمود اللي كان بيقعد معانا في البيت؟ جوز أختي! تروحي تتجوزيه؟ أنتِ عايزة تك.سري عيني؟ عايزة تذليني أنا وأمي وأختي؟ للدرجة دي بقيتي رخيصة وبتفكري في الانتقام بالشكل دا؟”
في اللحظة دي، الجمود اللي على وش ولاء اتمحى، وحل محله غضب مكتوم، وقفت من على كرسيها ووشها بقى في وش جواد، وقالت بصوت واطي ومبحوح مليان غضب و تحدي:
“أنا اللي رخيصة يا جواد؟ أنا اللي اشتريتك سنين؟ 8 سنين وانا بستحمل جفاك وتجاهلك وأقنع نفسي إنك هتحن في يوم؟ أنا اللي انضربت بالقلم عشان قُلت مش هقدر أروح بيت محمود”
قربت منه أكتر وعينيها لمعت بدموع رفضت تنزل: “وعايز تعرف محمود ماله؟ محمود دا اللي أنت كنت مأمنه على عرضك و كنت مدخله بيتك، كان بيبصلي بصات قذرة من وأنا على ذمتك! كان بيسمعني كلام مش تمام في الرايحة والجاية، وكان سبب إني رفضت أروح لأختك العيانة عشان مكنتش بطيق أقعد في مكان هو فيه وأنت نايم في العسل ومش شايفني أصلاً! كنت شايفني حتة كرسي ملهوش لازمة.. فلما اطلقت، جالي لحد هنا وركع تحت رجلي وقالي هعيشك ملكة وهعوضك عن كل الفقر العاطفي اللي عيشتيه مع جواد البيه المغرور!”حكايات نورهان العشري
الكلمات نزلت على جواد كأنها طلقات رصاص حية. الصد.مة شلته.. محمود كان بيبص لمراته؟ كان بيضايقها؟ وهو كـ راجل، مكنش حاسس؟ مكنش حامي مراته؟ الوجع والغيرة والندم اتخلطوا في قلبه وبقوا كتلة نار. بص لولاء وشاف في عينيها كمية الوجع و القهر اللي عاشته بسببه، حس بلهفة وشوق غريب يخدها في ح.ضنه ويخبيها من الدنيا كلها، يقفل عليها وميخليش عين مخلوق تيجي عليها.
صوته هدي وبقى فيه بحة رجاء ممزوجة بالغيرة العمياء:
“ولاء.. أنتِ بتقولي إيه؟ محمود عمل كدا؟ وطب إزاي وافقتي تسمعيه؟ إزاي وافقتي تقابليه وتخليه يعرض عليكي الجواز؟ أنتِ بتاعتي أنا.. أنتِ عيشتِ عمرك كله بتحبيني أنا! إزاي قادرة تبصي لراجل غيري بالسرعة دي؟ بصيلي.. أنا جواد حبك الأول والأخير!”حكايات نورهان العشري
ولاء ضحكت ضحكة سخرية ضحكة وجعت قلبه أكتر:
“كنت يا جواد.. فعل ماضي مبني على الك.سرة والقهر. جواد اللي كنت بحبه ما.ت يوم ما نزل إيده على وشي ويوم ما قالي أمي عندها حق وأنتِ زيك زي الكرسي. أنا خلاص مبقتش بتاعتك، أنا ملك نفسي.. والراجل اللي هيقدرني ويحطني فوق راسه هكون ليه، سواء محمود أو غيره، أنت مالكش صلاحية عليا.. أنت غريب!”
“أنا مش غريب!!” زعق جواد والجنون بياكله، وقبل ما يكمل كلمته، الباب خبط خبطة خفيفة ودخل عامل الدليفري وهو شايل بوكية ورد كبير جداً، كله روز أحمر وأبيض، شكله غالي ومبهر، وريحته قلبت الأوضة في ثانية.
العامل بص بتوتر للجو المشحون والزجاج المشروخ وقال:
“أستاذة ولاء؟ في حد بعت الورد دا لحضرتك وطلب أوصله ليكي حالا.”
جواد عينه راحت على الورد.. الغيرة عمت عينيه و شلت عقله بالكامل. خطى خطوتين سريعين، شد بوكية الورد من إيد العامل بعنف، وخرجه بره الأوضة وزقه، وقفل الباب.
ولاء صرخت بغضب:
“أنت بتعمل إيه؟ أنت اتجننت؟ ملكش دعوة بيا وبحاجتي!”
جواد مسمعهاش.. أخد بوكية الورد وبكل غل وغيرة عمياء، رماه في صندوق الزبالة الكبير اللي كان في ركن الأوضة، وداس عليه برجله لحد ما الورد اتقطع والأوراق بتاعته اتبهدلت.
التفت لولاء وهو بينهج، وعينيه فيها نظرة تملك مرعبة، شوق ولهفة وعناد مجمعين في لقطة واحدة. قرب منها لحد ما بقاش في بينهم غير سنتيمترات بسيطة، وبصوت واطي زي الفحيح، مليان عاطفة مكسورة وغضب حارق، قالها وهو بيشاور بصباعه قدام وشها:
“اسمعي يا ولاء.. وكرري كلامي دا كويس في عقلك. الست اللي كانت مراتي، الست اللي نامت في ح.ضني 8 سنين، الست اللي أنا لمستها وعشت معاها وعارف تفاصيلها كويس استحالة. استحالة تبقى لراجل غيري! ومحمود دا أنا هطربق الدنيا فوق دماغه ودماغ أهله، وأي كلب تاني هيفكر يبعتلك ورده ولا يبصلك، هكون دافنه في مكانه. عِند بعِند.. حر.ب بحر.ب.. أنتِ بدأتيها وعايزة تك.سري عيني، بس افتكري كويس.. جواد الراوي مبي.تك.سرش، وأنتِ مش هكوني لغيري لو على جثتي!” حكايات نورهان العشري
سابها واقفة، نفسها عالي، وعينها على الورد المرمي في الزبالة وعلى اللي خرج ورزع الباب وراه تاني، وسابها بتغلي من والوجع و الغضب و القهر
Post Views: 459
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء الخامس ❤️
جواد مكنش في وعيه، الدم كان بيفور في نفوخه لدرجة إنه مكنش سامع غير ض.ربات قلبه السريعة وصوت ولاء وهي بتقوله:
“كان بيبصلي بصات قذرة من وأنا على ذمتك”. نزل من المكتب ركب عربيته وطار على معرض العربيات بتاع محمود. دخل المعرض زي الإعصار، الموظفين أول ما شافوا هيبته وبدلته الميري وعينيه اللي بتطق شرار محدش اتجرأ يقف في طريقه.
محمود كان قاعد ورا مكتبه بيتكلم في الموبايل وبيضحك، وبمجرد ما رفع عينه وشاف جواد، الضحكة هربت من وشه والموبايل وقع من إيده. جواد مأدلوش فرصة ينطق، خطوتين وكان قالب المكتب باللي عليه، وشد محمود من ياقة قميصه ونزل فيه ض.رب وبوكسات وهو معمي بالغضب والغيرة.
محمود كان بيقع على الأرض وجواد ينزل عليه، يض.ربه بكل غله وهو بيصرخ فيه بصوت جهوري هز المعرض كله:
“بتعاكس مراتي يا زبالة؟ بتبصلها وأنا مأمنك ومدخلك بيتي؟ طمعان في طليقتي يا ناقص؟ والله العظيم ما هسيب فيك حتة سليمة!”
الموظفين اتجمعوا وحاولوا يحوشوا جواد بالعافية، ومحمود كان في الأرض وشه بينزف وقميصه مقطوع وبيترعش من الرعب. جواد تف عليه وسابه وهو بينهج وخرج، ركب عربيته ورجع على شقته.. الشقة اللي عاش فيها مع ولاء 8 سنين. حكايات نورهان العشري
دخل الشقة، ورزع الباب.. و كان حاسس بـ كمية الفراغ والبرود اللي في المكان. الشقة كانت ضلمة، ريحة ولاء مكنتش موجودة، ولا كان في صوت العيال وهم بيلعبوا. قعد على الكنبة في الصالة، وحط راسه بين إيديه.
في اللحظة دي، بدأت الذكريات تهاجمه وتدبح فيه. افتكر لما كان يرجع من الشغل تعبان ومهموم، كانت ولاء بتجري عليه، تاخد منه جاكت البدلة بابتسامة صافيه، وتجري تحضر الأكل اللي بيحبه. افتكر لما كان يخاصمها بالشهور، وهي تيجي تعيط وتعتذر وتتحايل عليه يبتسم بس، رغم إنها مكنتش بتبقى غلطانة. افتكر حنيتها، احتوائها، خدمتها لأهله اللي مكنتش بتشتكي منها عشان متزعلوش.
حس بغصة مريرة في حلقه، وعرف قيمتها بجد لما ضاعت من إيده.. لقى نفسه مفتقدها بشكل بيمو.ته، مشتاق لتفاصيلها، لصوتها، لطيبتها اللي داس عليها بغروره. قعد يفكر إزاي يقرب منها تاني؟ إزاي يرجع “ولاء بتاعته”؟ وملاقاش غير العيال.. العيال هما السكة الوحيدة اللي هتوصله ليها. حكايات نورهان العشري
تاني يوم العصر، جواد لبس لبس كاجوال ونزل، وراح على بيت عمه بحجة إنه جاي يشوف ولاده ياسين وجنا ويقعد معاهم. طلع السلم وقلبه بيدق بلهفة مكنش بيفهمها زمان.
ض.رب الجرس.. وبعد ثواني، الباب اتفتح.
جواد اتسمر في مكانه، وأنفاسه ارتبكت بالكامل. اللي فتحت الباب كانت ولاء! مكنتش عاملة حسابها إن جواد هو اللي على الباب، فـ كانت لسه بطبيعتها في البيت.. كانت لابسة قميص بيتي قطن قصير لحد الركبة، وبنص كم، مبيّن جمال ذراعيها ونعومة بشرتها السمرا الساحرة، ورافعة شعرها كله لفوق بشكل عشوائي، ونازل منه خصلات صغيرة على رقبتها.
كان شكلها حلو أوي.. حلو بشكل يوجع القلب. طبيعية، وجميلة، وفيها حيوية وإثارة مكنش شايفها وهي في بيته. جواد حس بشوق كاسح جواه عينيه نزلت على ملامحها وجسمها بـ لهفة وعناد، ونفسه بقى عالي. كان نفسه يمد إيده ويشدها لحضنه، يقفل الباب عليهم وينهي الكابوس دا.
لكن ولاء، أول ما شافت عينه ولمحت اللهفة والجنون اللي فيهم، ملامحها اتصلبت في ثانية، وحل الجفاء والبرود على وشها كأنها شافت واحد غريب من الشارع. اتعاملت معاه بمنتهى القسوة والتجاهل، وربعت دراعاتها قدام صدرها عشان تداري نفسها، وبصوت حاد ونبرة ناشفة ندهت جوه:
“ياسين! أخرج انت واختك يا حبيبي بابا بره جاي يشوفكم.”
وبمجرد ما قابت كلمتها، لفت ضهرها وسابته واقف على الباب، وجريت على أوضتها وقفلت الباب وراها بعنف. حكايات نورهان العشري