الماذون زهره الربيع4

“حسام” كان يجلس على كرسي متحرك داخل قفص الانتقال، يرتدي ملابس البيضاء التي أصبحت على جسده المنكمش. وجهه شاحب ، وآثار الجلطة الخفيفة يبدو أثرها واضحاً في ارتخاء بسيط على جانب فمه الأيسر، يديه المكلبتين بالسلاسل الحديدية تستقران في حجره بقلة حيلة لا مثيل لها.

وبجانبه في سيارة الترحيلات الخاصة ، أُنزلت “ثريا”. الست الهانم، التي كانت تطالبني بأن أكون “ممرضة الباشا”، كانت ترتدي الجلباب الأزرق الخاص الصادر ضدين أحكام، وشعرها الأبيض يخرج متناثراً من تحت حجابها الرث، وعيناها زائغتان تفقدان القدرة على التركيز، وقد فقدت نصف وزنها وتضاءلت كأنها أصبحت ظلاً لامرأة قديمة.

بمجرد أن اقتربت بخطواتي الواثقة برفقة الأستاذ سامح والفريق القانوني الممثل للشركة، وقعت عينا حسام عليّ. ارتجفت يداه المكلبتان، وصدرت منه حشرجة مكتومة، وهو يحاول رفع رأسه لينظر إليّ.

“شـ… شهد…” خرجت الكلمة من فمه الملوى بصعوبة بالغة ودموع حسام انسابت على خديه الشاحبين. “شهد… ارحميني…”

وقفت أمامه على بعد خطوات قليلة، نظرت إليه من أعلى نظارتي الشمسية ببرود يتجاوز برودة جبال الثلج.

“ارحمك؟” قلتها بنبرة صوت هادئة، لكنها مسموعة لجميع الحراس والمحامين الواقفين حولنا. “أنت فاكر لما خرجنا من عند المأذون، وكنت ماسكة شنطة سفري ومصت في ساعتك بثقة ‘أنا فرحي بكرة لو عايزه تحضري’؟ يومها يا حسام، أنت ما كنتش بتكذب عليا بس، أنت كنت بتكذب على نفسك، وعامل فيها البطل النرجسي اللي مراته. أنت كنت غرقان في والديون، ورايح تبلع عقاقير عشان تداري !”

ثريا من خلف قضبان سيارة الترحيلات بدأت تصرخ بصوت مبحوح وهي بيديها النحيفتين على الحديد: “يا شهد يا بنتي! عشان خاطر ربنا العفو عند المقدرة! حسام ، وأنا هسد بقية عمري في ! يا شهد خدي كل حاجة البلاغ بتاع ! ده أموال عامة يعني مشدد يا بنتي!”

التفت نحو ثريا، ورفعت نظارتي بالكامل لأواجه عينيها المخيفة بالذعر.

“العفو عند المقدرة بيكون مع الناس اللي عندهم رحمة، يا مدام ثريا،” رددت بثبات الجبال. “لكن إنتي لما جيتي تتبلي عليا بتهمة تسميم كان ممكن توديني ، ما عرفتيش يعني إيه مقدرة ولا رحمة! إنتي كنتِ عايزه تلبسيني عشان تدبسي أهلي وتسددوا ديون ابنك المختلس من وتصرفاتي! والنهاردة، الفلوس اللي كنتِ بتسجليها في حساباتك من ورا سرقات حسام للشركة اللي أنا بشتغل فيها، بقت هي الخبل اللي بيتربط حوالين رقبتكم أنتم الاتنين!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *