حماتي بوظتلي حياتي ج2 حكايات ضحي

العلبة وقعت على الأرض بصوت رنة معدن حادة، واتنطرت الحاجات اللي جوة منها على السيراميك.
حماتي شهقت بصوت طالع بالعافية، ووشها اتخطف وبقى لون الصبورة.. بيضار خالص ومفيش فيه نقطة ډم. رميت نفسها على الأرض بسرعة مچنونة كأنها بتصطاد فراشة، وبدأت تلم الحاجات وهي بتترعش من فوق لتحت. بس أنا عيني كانت أسرع منها.. أسرع بكتير.
اللي وقع من العلبة دي مكنش مجوهرات ولا فلوس..
كان ألبوم صور قديم صغير.. ومجلة مقصوصة.. ومفتاح غريب.. ورتوش مفاتيح عربية.. والأهم من ده كله أظرف جوابات متقفلة، مكتوب عليها من برة اسم أحمد بخط كوفي قديم، بس الأظرف دي عمرها ما اتفتحت!
أوعي تلمسي حاجة! صړخت فيا بصوت طالع مكسور ومبحوح، وبصتلي بعيون مليانة خوف حقيقي.. مش تمثيل المره دي.. مكنتش نظرة الست الخبيثة اللي بتدبر مقلب، دي كانت نظرة ست خاېفة إن سقف البيت يقع على دماغها.
قعدت على ركبتي قدامها بهدوء شديد، ورفعت إيدي ومسكت طرف ظرف من الأظرف اللي كانت لسه واقعة جنب رجلي قبل ما إيدها تطوله.
بصيت للظرف بتركيز، قريت التاريخ المكتوب على الختم اللي عليه 2018.
تاريخ من تمن سنين.. يعني قبل ما أنا أعرف أحمد بسنتين، وقبل ما نتجوز بأربع سنين!
حماتي مسكت إيدي وهي بتلهث هاتي الجواب يا ندى.. هاتي الجواب الله يخليكي، دي حاجات شخصية ملهاش دعوة بيكي ولا بأحمد دقتي.. هاتيها بدل ما أعرف أحمد إنك بتفتشي في خصوصياتي!
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وبصيت في عينها بثبات وقسۏة أول مرة أحسهم جوايا.
تفتشي؟ قلتلها بصوت واطي ومسموع بصعوبة، أنا مكنتش بفتش يا طنط.. إنتِ اللي طلبتي ننظف البيت، وإنتِ اللي قلتي المطبخ والأوضة محتاجين حملة.. ولا نسيتي النمل اللي كان مالي الدُرف من شوية؟
سحبت الجواب من بين صوابعها الضئيلة بالراحة بس بقوة، ووقفت على حيلى. حماتي قامت ورايا بتترعش، وجات تمد إيدها تاخده مني، لكن أنا بعدت خطوة لوراء ورَفَعت الجواب لفوق.
قلت بجمود الجواب ده مكتوب عليه اسم أحمد يا طنط.. ومعمول عليه ختم بوسطة قديم.. والخط ده أنا عارفاه كويس.. ده مش خطك.. ده خط حمايا الله يرحمه.. صح؟
عينيها وسعت وأخدت نفس سريع ومكتوم، وماردتش. سكتت خالص، ورجليها مكنتش شايلاها فقعدت على حرف السرير وهزت رأسها بضعف، وشكلها اتغير 180 درجة من الست القوية المتحكمة لست ضعيفة ومزنوقة في زنقة العمر.
حمايا المټوفي من عشر سنين.. باعت جواب لأحمد من تمن سنين؟ إزاي بقى؟ سألتها وأنا بحرك الظرف بين إيديا.
ده.. ده جواب قديم.. ملهوش قيمة.. قالتها بصوت مړعوپ، أنا نسيت أحطه في ژبالة زمان.. هاتي يا ندى وماتعمليش مشكلة من مفيش، أحمد لو شاف العلبة دي هيزعل..
هيزعل مني؟ ولا هيزعل منك إنتِ؟ قاطعتها فوراً پعنف هادي.
فتحت الظرف بسرعة قبل ما تستوعب الحركة. حماتي حاولت تقوم تمنعني، بس أنا لفيت ضهري ليها وطلعت الورقة الأصفر القديمة المطوية جوة الظرف. وقريت.. قريت السطور الأولى، وكل كلمة كنت بقراها كانت بتنزل على دماغي زي المطرقة، بتفك كل الألغاز اللي كنت مستغربة لها من يوم ما دخلت البيت ده!
الجواب كان من عم أحمد.. شقيق أبوه المټوفي، اللي أحمد طول عمره بيكرهه وبيقول عليه إنه راجل أناني أكل حق أبوه وسافر الخليج ومسألش عنهم!
وفي الجواب، العم كان بيكتب لأحمد
يا ابن أخي أحمد.. أنا تبعتلك مع الجواب ده نصيبك في ورث أبوك من بيت العيلة القديم بعد ما بعناه، وعملتلك وديعة باسمك في البنك.. وحاولت أكلمك كتير على

موقع أيام نيوز

تليفونك القديم لقيته مقفول، وأمك قالتلي إنك مش عايز تتكلم معايا ورافض تاخد الفلوس لأنك زعلان مني.. بس أنا بريء يا ابني من الكلام اللي أمك بتقولهولك عني.. أنا عمري ما أكلت حق أخويا الله يرحمه، والفلوس دي حقك وشقا أبوك، وادي رقم الحساب والوديعة..

أول ما قريت الكلام ده، أخدت نفس طويل والشهقة وقفت في زوري.
بصيت لحماتي اللي كانت قاعدة على السرير ودموعها نازلة على خدها بقلة حيلة.
المكعبات كلها اترصت قدام عيني في ثانية واحدة!
أحمد كان فاكر إنه فقير ومحيلتوش حاجة، وأنه محتاج يصرف على أمه من مرتبه الصغير، وعشان كده مكناش قادرين نجيب مقدم الشقة واضطرينا نيجي نعيش معاها!
حماتي كانت مخبية عليه الورث ده كله السنين دي كلها! كانت عايشة على مرتب أحمد، وعايزاه يفضل تحت طوعها، محتاج لشقتها ومحتاج لرضاها، لأنها لو اعترفت بالفلوس دي، أحمد كان هيشتري شقة ملكه من تمن سنين، وكان هيستقل بحياته ويعيش بعيد عن تحت جناحها!
وهي كانت مړعوپة إن أي ست تدخل حياته.. تأخده منها، أو تفهم السر ده! وعشان كده أول ما أنا جيت وقربت أخليه يجمع مقدم الشقة بإيجارنا وتوفيرنا، بدأت تطردني بطريقة خبيثة وتطفشني وحبات المعافرة اللي كنت بعفرها كانت بتهدها بالمكائد الصغيرة.. عشان يفضل أحمد عاجز، ويفضل جوة الشقة دي.. معاها هي وبس!
إنتِ.. قلتهالها وأنا مش مصدقة حجم الخبث والأنانية، إنتِ حرمتي ابنك من حقه؟ حارماه يعيش مرتاح؟ حارمانا نعمل بيت ونستقر عشان تفضلي مسيطرة عليه؟
قامت حماتي من على السرير، وجات ناحيتي ودموعها نازلة، ومسكت إيدي بتوسل حقيقي لأول مرة
يا ندى.. افهميني الله يخليكي! أنا معنديش غيره في الدنيا دي! أبوه ماټ وسابني وأنا صغيرة.. أحمد هو كل حياتي، هو عيني اللي بشوف بيها! لو كان أخد الفلوس دي زمان كان استقل وعاش بعيد عني ومشي وسابني لوحدي في البيت الواسع ده! أنا كنت بخاف من الوحدة.. كنت بخاف ييجي يوم ويتجوز وتسحبوه مني ويمشي!
بصيتلها بقرف شديد وقسۏة تقومي تدمريه؟ تقومي تخليه يشتغل شغلانتين وتسهريه لحد نص الليل عشان يكفي إيجار ومصاريف، وأنتِ معاكي ثروة باسمه مخبياها؟ تقومي تبوظيلي أليلي وحياتي وتخليني أشك في عقلي ونفسي عشان تطفشيني؟ دي مش أمومة يا طنط.. دي أنانية وم مرض نفسي!
وقعت على ركبها قدامي وبدأت ټعيط باڼهيار والنبي يا ندى متقوليلوش.. أحمد لو عرف هيسيب البيت ومش هيرجعلي تاني! هيتكرهني طول عمره! أحمد طيب وبيحبني.. لو عرف إن أنا اللي عملت كده وإن عمة مش شرير زي ما فهمته.. هيدمر! أوعدك هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. هسيبلك المطبخ، مش هتدخل في حياتكم، هجيبلك أحسن عفش، بس متقوليش لأحمد!
وقفت في نص الأوضة، ماسكة الجواب في إيدي، والعلبة المعدن تحت رجلي.
سارة صاحبتي كانت قالتلي الناس دي دايمًا في الآخر بتغلط غلطة كبيرة.
وفعلاً.. الغلطة دي مكنتِش مجرد طفي فرن أو شراب أحمر في الغسالة.. دي كانت جبل من الكذب عايش عليه جوزي بقاله تمن سنين.
رنت تلفوني قطعت السكوت المالي الأوضة.
بصيت على الشاشة.. كان أحمد.
حماتي برقت عينيها وهي على الأرض، ورفعت إيديها بتترجاني باللغة المباشرة لا يا ندى.. عشان خاطر ربنا لا.
رديت على التليفون، وعملت السبيكر على المايك عشان هي تسمع..
صوت أحمد جالي من الناحية التانية، كان باين عليه التعب والإرهاق من السفر والعمل
ألو.. إزيك يا ندى؟ إنتِ كويسة يا حبيبتي؟ أمي كويسة؟
تنحت ثواني.. بصيت لحماتي اللي كانت بتشهق من غير صوت ومغطية وشها بإيديها واستنيت.
مخي

كان شغال بسرعة 200 كيلو في الساعة.
لو قلت لأحمد دلوقتي على التليفون.. البيت ده حيهرب، أحمد هيتكسر قلبه في أمه، وهتيجي حالة اڼهيار وعاصفة مش هتعرف تطلع منها. ولو سكت.. هكون بظلم جوزي وبسيب حقه ضايع، وهفقد الكارت الوحيد اللي هيحررنا من السچن ده.
ابتسمت ابتسامة داهية.. وعرفت بالظبط أنا هعمل إيه.
قلت بصوت مبهج وناعم جداً على التليفون
ألو يا حبيبي.. الحمد لله إحنا كويسين جداً! أنا وماما بننظف البيت وجمب بعض أهو.. بنحضرلك مفاجأة حلوة أوي أول ما ترجع بالسلامة.
أحمد قال بصوت مفاجأ ومبسوط مفاجأة؟ مفاجأة إيه يا ندى؟
بصيت لحماتي في عينها وهي رفعت رأسها بذهول ومش مصدقة إني مقلتش.
قلت لأحمد لما ترجع بكرة بليل من السفر هتعرف يا حبيبي.. المفاجأة دي هتقلب حياتنا كلها للأحسن.. ادعي بس ربنا يوفقنا. توصل بالسلامة يا قلبي.
قفلت الخط مع أحمد.
حماتي فضلت قاعدة على الأرض وبتبصلي باستغراب شديد كأنها شايفاني كائن فضائي.. مكنتش فاهمة أنا ليه مقلتش وليه أنقذتها في اللحظة دي.
قربت منها، ووطيت لغاية مستوى وشها، وحطيت الجواب جوة جيب روبي، ومسكت العلبة المعدن وأخدتها في إيدي.
قلت بصوت واطي ومحسم جداً، زي الموس اللي بيقطع في الحرير
أنا مقلتش لأحمد في التليفون يا طنط.. مش عشان خاطرك، ولا عشان خاېفة منك.. أنا مقلتش عشان أحمد يرجع يلقانا متفقين على كل حاجة بالهدوء.
حماتي بلعت ريقها بالعافية متفقين على إيه؟
ابتسمت وقلت
بكرة الصبح الساعة تسعة.. إنتِ وأنا هننزل نروح البنك اللي فيه الحساب والوديعة دي. هتحولي كل الفلوس والوديعة باسم أحمد رسمي بدون ما يعرف إنتِ جبتيها منين دلوقتي، وهتعمليلوا تنازل عن حقك في الشقة دي أو تديله الفلوس يعمل بيها الشقة اللي هنسكن فيها.. وهتقوليلوا إنك كنتِ شايلاله المبلغ ده مفاجأة لعيد ميلاده وداخراها طول السنين دي عشان يشتري بيها شقته الخاصة!
حماتي بصتلي بذهول إيه؟!
كملت ببرود أشد
أيوة.. هتمثلي دور الأم العظيمة اللي كانت شايلة القرش الأبيض لليوم الأسود لبنها.. وأحمد هيشوفك بطلة، وهيفضل يحبك ويحترمك طوال عمره ومحش هيدمر صورنك قدامه.. وفي نفس الوقت، أنا وأحمد هناخد فلوسنا وحقنا، وهنشتري شقتنا ونمشي نعيش في حالنا بعيد عن هنا.
حماتي وقفت بسرعة وهي حاسة بالصدمة وإذا رفضت؟
طبطبت على جيب روبي اللي فيه الجواب الأصل ورقم الحساب والجوابات التانية
لو رفضتي يا طنط.. بكرة أول ما أحمد يدخل من الباب، هحط العلبة دي والجوابات دي في إيده.. وهخليه يمتنع عنك ويقرا بلسانه إنك خبيتي عليه ورثه وتعب سنينه عشان تفضلي قفلة عليه في شقة إيجار، وإنك كنتِ بتطفشيني عشان يفضل جمبك.. وساعتها أحمد هو اللي هيختار بنفسه يسامحك ولا يمشي وما يرجعش تاني أبداً.
قعدت حماتي على حافة الكنبة، مصډومة ومکسورة.
أنا مكنتش عايزة أخرّب بيت جوزي أو أصدمه في أمه صدمة عمره اللي ممكن تخليه يتكسر.. لكن في نفس الوقت، مكنتش ناوية أطلع من المعركة دي خسرانة، ولا أسيب حقه وحقي يضيعوا تحت شعار السهوكة والمكائد الخفية.
قلت وأنا بتجه لباب الأوضة بابتسامة نصر
جهزي لبسك يا طنط.. بكرة ورانا مشوار مهم أوي في البنك الساعة تسعة الصبح.. وعايزاكي تقوم كدة تكملي معايا تنظيف المطبخ، أصل النمل اللي في الدُرف ده.. بجد محتاج تنظيف جامد جداً!
خرجت من الأوضة وأنا حاسة إن الهوا بقى أخف، وإن الصبر اللي صبرته التمن شهور اللي فاتوا.. أخيرًا بدأ يجيب حقه بالكامل.
بس وأنا واقفة في الصالة وبحط العلبة في مكان أمين.. سمعت صوت تكة باب شقة حماتي بيتفتح بشويش

جداً من برة.. رغم إن أحمد مسافر، ومافيش حد تاني معاه مفتاح الشقة غير..!
اتحجّرت في مكاني، وإيدي جمدت على العلبة المعدن.
صوت المفتاح وهو بيلف في الكوالين بالبطيء الشديد كان كفيل يخلي شعر جسمي يقف. أصل مين اللي معاه مفتاح الشقة دي غير أحمد اللي مسافر إسكندرية؟ أو حماتي اللي واقفة ومسمّرة في أوضتها ورايا؟
سحبت العلبة بسرعة وحطيتها جوة الدولاب المفتوح في الصالة، وغطيتها بقميص لأحمد، ولفت بجسمي كله ناحية الباب وأنا ماسكة مقشة خشب كانت جنب الرخامة.
الباب اتفتح بالراحة… وظهر منه خيال راجل طول بعرض، لابس قميص كحلي وبنطلون جينز ومسك شنطة سفر صغيرة في إيده.
أول ما النور أخد وشه… أخدت نفس طويل والدم رجع في عروقي تاني.
ده أحمد!
أحمد؟! صړخت بصوت واطي ومصعوق، إنت إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش قلت مسافر الإسكندرية وراجع بكرة بالليل؟!
أحمد دخل وهو بينهج، رمى الشنطة على الأرض ومسح العرق من على جبهته، وابتسم ابتسامة تعبانة بس مليانة حنية المأمورية اتلغت يا ندى.. وصلنا طنطا والشركة بلغت المعاينات اتأجلت للأسبوع الجاي. رجعت مع السواق فوراً… قلت أرجع أريح في بيتي بدل الپهدلة، وكمان عشان ألحق أكون معاكي ومع ماما.
في اللحظة دي، حماتي خرجت من أوضتها زي الأشباح. وشمها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها بتتنقل بيني وبين أحمد پصدمة وړعب حقيقي. هي كانت عارفة إن لو أحمد دخل الأوضة دي قبل ما نعمل اتفاق البنك.. العلبة دي لو اتكشفت هتبقى نهايتها!
أحمد؟! يا حبيبي.. ح.. حمد الله على السلامة يا ابني! قالتها وهي بتتأتأ ورجليها بتخبط في بعض.
أحمد بص لأمي باستغراب، وبعدين بصلي في إيه يا جماعة؟ مالكم مبوزين ومبهوقين كدة كأنكم شفتوا عفريت؟ وبعدين إيه كراكيب المطبخ والصالة دي كلها؟ إنتوا بتنقلوا ولا إيه؟
قربت من أحمد بثبات، وحطيت إيدي على كتفه، وبصيت لحماتي بطرف عيني.. نظرة واحدة كانت كفيلة تفهمها إن مستقبلها وعلاقتها بابنها واقفة على شعرة.. وعلى الحركة اللي هتعملها دلوقتي.
قلت بابتسامة هادية جداً أبداً يا حبيبي.. أصل ماما كانت بتفكر في حاجة مهمة أوي، وكانت لسه بتستشيرني فيها قبل ما إنت تدخل بفص ملح وتسيح.
أحمد بص لأمه باهتمام خير يا ماما؟ حاجة إيه؟ إنتِ تعبانة ولا حاجة؟
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وعينيها جابت مية.. كانت محصورة في أضيق زاوية في حياتها. لو أنكرت، أنا هطلع العلبة والجوابات قدام أحمد في ثانية. ولو وافقت، هتضطر تتنازل عن كل حاجة كانت مخبياها السنين دي كلها.
ربعت إيدها ورفعت راسها بصعوبة، وقالت بصوت مكسور ومحششر لا يا ابني.. أنا بخير. أنا بس.. كنت بنظف الأوضة وبدور في كراكيب أباك الله يرحمه.. ولقيت.. لقيت حاجة تخصك.
أحمد حواجبة اتقفلت باستغراب حاجة إيه دي يا ماما؟
حماتي بصتلي بكسرة وندم، وبعدين ردت على أحمد وهي بتداري دموعها أبوك.. الله يرحمه، كان شايلك قرشين زمان مع عمك.. قرشين ورث من بيت العيلة. عمك بعتهم من فترة طويلة على هيئة وديعة باسمك في البنك، وأنا.. أنا كنت مخبية عليك الموضوع ده.
أحمد تنّح، وعينيه اتوسعت بذهول مش طبيعي وديعة؟ باسمي أنا؟ من عمي؟! إزاي يعني يا ماما؟ إنتِ مش قلتِلي إن عمي أكل حقنا وسافر ومسألش فينا من يوم ۏفاة أبا؟!
هنا حماتي نزلت راسها في الأرض وبدأت ټعيط بجد.. دموع خلطة بين الخۏف والذنب والفضايح.
وقالت بصوت واطي أنا كنت خاېفة يا أحمد! كنت خاېفة تاخد الفلوس دي وإنت صغير وتجري وتسيبني.. كنت فاكرة إن الفلوس دي هي

اللي هتبعدك عني وتخليك تستغنى عن أمك! أنا عشت عمرها كله أخدمك وأربيك، وشفت الوحدة بټموتني بعد أبوه.. فخفت! بس ندى.. ندى لما لقيت الأوراق معايا النهاردة، فتحت عيني وعرفتني إن اللي بعمله ده غلط وأناني، وإن الحق لازم يرجع لأصحابه.
أحمد كان واقف في نص الصالة كأنه مقتول پصدمة عمره. بص لأمه ومش مصدق، وبعدين بصلي أنا.
كان في عينيه ألف سؤال وسؤال إزاي أمه تعمل فيه كدة؟ إزاي تخبيه عن الحق ده كله وتسيبه يطحن في الشغل شغلانتين ويحسب القرش بالمليم عشان إيجار الشقة؟ إزاي تخليه يكره عمه ويزعل منه السنين دي كلها؟!
أحمد قرب من أمه بصوت مليان ۏجع ليه يا ماما؟ ليه تعملي معايا كدة؟ أنا عمر قصرت معاكي؟ أنا كنت باكل اللقمة ناشفة عشان أرضيكي! تسبيني ألف حوالين نفسي وأقول مش عارف أعمل بيت ولا أستقر، وأنتِ معاكي حق أبوي ومخبياه؟!
حماتي اترمت على الكنبة وبكت باڼهيار حقك عليا يا ابني! سامحني يا أحمد.. أنا جاهلة وغبية والخۏف عماني! أنا مستعدة أروح معاك البنك الصبح وأديك كل مليم، والبيت ده كمان اكتبه باسمك لو عايز.. بس بلاش تكرهني يا ابني! بلاش تمشي وتسبني!
البيت كله كان ساكت، مفيش غير صوت شهقات حماتي.. وأحمد واقف زي الصنم، حاسس بكسرة النفس والخذلان من أقرب إنسانة ليه.
في اللحظة دي.. أنا كان ممكن أسيبه ياكل فيها، وكان ممكن أزيد الڼار بنزين وأفكر بأيام المالح والشراب الأحمر والفرن المطفور. بس أنا بصيت لأحمد.. شفت راجل بېموت من الجوا. أحمد مش وحش، أحمد كان ضحېة لعبة أكبر منه، ولو سيبت أمه تتكسر قدامه بالشكل ده بالكامل، الچرح ده عمره ما هيلم بينه وبينها، والبيت ده هيتحول لخړابة مليانة كره.
قربت من أحمد بالراحة، ومسكت إيده بجمود وحنية في نفس الوقت.
قلتله بصوت هادي ومسموع أحمد.. ماما غلطت، وغلطت غلطة كبيرة أوي كمان.. بس هي اعترفت، وقالتلك الحقيقة قبل ما الفوات يفوت. الخۏف أوقات بيخلي البني آدم يعمل أفعال مچنونة وغير منطقية.. المهم إن الحق يرجع، وإننا نتعلم من اللي حصل.
أحمد بصلي بعيون مليانة دموع وحيرة إنتِ زعلانة يا ندى؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت أنا كنت زعلانة ومحتارة يا أحمد.. بس دلوقتي أنا مرتاحة. عشان عرفت إن ربنا ما بيضيعش حق حد، وإن الصبر دايماً بيجيب فرج.
بص أحمد لأمه اللي كانت قاعدة مستنية حكمه عليها كأنها مستنية إعدام. أخد نفس طويل جداً، مسح وجه بإيده، وقال بنبرة حازمة ومفيهاش تهاون
بكرة الصبح يا ماما.. هنروح البنك. كل الفلوس دي هتنزل في حسابي، ومن بكرة هبدأ أتدور على شقة ملك لينا أنا وندى.. شقة بعيدة عن هنا، ونستقر فيها. الشقة دي هتفضل باسمك وقاعد فيها معززة مكرمة، ومصاريفك هتجيلك لحد عندك.. بس أنا وندى لازم نعيش حياتنا ويكون لينا استقلالنا الكامل.. من غير أي تدخل، ومن غير أي ألاعيب.
حماتي هزت راسها بموافقة متلهفة وهي بتمسح دموعها موافقة يا ابني.. موافقة على كل اللي تقوله، أهم حاجة ترضى عني وما تزعلش.
تاني يوم الصبح.. الساعة كانت تسعة بالظبط.
كنا واقفين في البنك.. حماتي، وأحمد، وأنا.
الإجراءات تمت بكل هدوء. الوديعة بالفوائد اللي تراكمت على مدار السنين دي كلها اتنقلت باسم أحمد. المبلغ مكنش قليل خالص.. كان مبلغ يكفينا نشتري شقة تمليك محترمة في مكان راقي، ونفرشها بأحسن عفش، ويفضل معانا قرشين نأمن بيهم مستقبلنا.
خرجنا من البنك، وأحمد حاسس إن في جبل انشال من على صدره. بصلي
على باب البنك ومسك إيدي بقوة وقال شكراً يا ندى.. شكراً إنك كنتِ عاقلة، وإنك حافطتِ على البيت وعلى أمي رغم كل حاجة.
ابتسمتله وقلت أنا حافظت على حقي وحقك يا أحمد.. وده أهم حاجة.
بعد شهرين بالظبط..
كنت واقفة في بلكونة شقتنا الجديدة.. شقة واسعة يدخلها الشمس من كل ناحية، والعفش جديد وريحته خشب ونظافة. مفيش فرن بيتقفل بالخباثة، مفيش غسيل بيتبوظ بقطعة شراب، ومفيش شوربة بتتملح ورايا.
أحمد كان قاعد في الصالون بيراجع أوراق شغله وهو مبسوط ومرتاح، وحماتي.. بقينا نزورها كل نهاية أسبوع. بقت بتستقبلني بالأحضان، وتبوس إيدي، وتقدم لي أحسن الأكل اللي بتعمله بنفسها، بقت بتعملي ألف حساب وحساب.. مش خوف بس، لكن احترام للأدب والثبات والذكاء اللي أدركت إنه عندي.
سارة صاحبتي كلمتني في التليفون وقالتلي بضحك ها يا ندى.. إيه أخبار الدرس اللي أديتيه لحماتك؟
ضحكت بصوت عالي وقلت لها وأنا بتبص على غروب الشمس من بلكونة بيتي الملك
الدرس كان قاسې يا سارة.. بس علم الجميع إن الحق مهما استخبى ورا الكواليس، بييجي اليوم اللي بيطلع فيه للنور.. وإن الست الشاطرة مش هي اللي بتصرخ وتعمل مشكلة، الست الشاطرة هي اللي بتعرف إمتى تسكت.. وإمتى ټضرب ضړبتها صح!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *