الماذون زهره الربيع4
بينما كنت أغوص في مراجعة العقود والتحويلات البنكية القديمة الخاصة بالمشروع، استوقفتني حركة مالية غريبة. تحويلات ضخمة كانت تخرج من حسابات الشركة الفرعية لحساب مؤسسة وهمية للتوريدات تحت مسمى “استشارات تطويرية”.
بدأت أتتبع الأرقام والأسماء بنفس الشغف والدقة التي تعلمتها في تجاربي الشاقة. وفجأة، سقطت عيني على اسم الشخص المسجل كمدير تنفيذي وتوقيعه على هذه العقود المحررة قبل ستة أشهر فقط!
تسمرت عيني على الورقة…
الاسم كان: “حسام أحمد الفولي”!
اتسعت عينيّ بذهول وشعرت بموجة من الغضب والدهشة تتملكني. حسام لم يكن مجرد رجل يمر بأزمة ديون شخصية أو طيش شبابي، بل كان جزءاً من شبكة غسيل أموال منظمة استهدفت الشركة التي أعمل بها بالذات، واستغل عمله السابق في قطاع المبيعات ليغطي على معاملاته !
الأفظع من ذلك، أن التواريخ المكتوبة في أصل العقود أثبتت أنه كان يختلس هذه المبالغ ويحولها لحسابات أمه ثريا وحساباته الشخصية في نفس الفترة التي كان يحرمني فيها من أبسط حقوقي في المنزل، ويدعي الفقر والزنقة المالية ليأخذ من روابي وتوفيراتي بحجة “توضيب ” و”تأمين المستقبل”!
لم أتردد لحظة واحدة. جمعت كافة الوثائق المستندة بالأدلة القاطعة، وطلبت اجتماعاً عاجلاً مع رئيس مجلس إدارة الشركة، الأستاذ فاروق، وهو رجل سبعيني يتمتع بذكاء حاد وهيبة شديدة.
دخلت مكتبه، وضعت الملف الشامل أمامه على الطاولة وقلت بهدوء وثبات: “أستاذ فاروق، ده تقرير إعادة الهيكلة للمشروع المتعثر، ومرفق معاه الدلائل المستندية لعملية اختلاس وغسيل أموال تجاوزت العشرة ملايين جنيه، أبطالها شبكة توريدات وهمية ومديرها المالي السابق.. حسام الفولي.”
فتح الأستاذ فاروق الملف، وبدأ يطالع الأوراق بدقة، وكلما قمت بشرح آلية التتبع المالي والتلاعب في الفواتير، كانت علامات الذهول والإعجاب تظهر على وجهه.
بعد نصف ساعة من التحليل الدقيق، ألقى الملف على الطاولة ونظر إليّ باحترام شديد: “أنتِ عبقرية يا شهد! الملف ده كان هيودّي الشركة في داهية ويسبب لنا خسائر مهولة! التحقيق ده مش بس هيحمي الشركة، ده هيقفل المخرج الأخير للشلة دي قدام مباحث الأموال العامة.”