الماذون زهره الربيع4
سكتت واستنيت تكمل.
فتحت الشنطة وأخرجت منها علبة قطيفة صغيرة ودفتر قديم، ومدت إيدها بيهم: “العلبة دي فيها المجوهرات وسلسلة الذهب الخاصة بكي اللي ماما كانت أخدتها منك زمان بحجة إنها بتشيلها لك في الخزنة وما رجعتهاش.. والدفتر ده فيه وصلات الأمانة اللي حسام كان مطلعها باسمك من غير ما تعرفي عشان يضغط عليكِ بيها لو فكرتي تسبيه. أنا لقيتهم في أوراق حسام وأنا برتب حاجته بعد السجن.. وجيت أرجعهملك عشان أخلّي ذمتي قدام ربنا.”
نظرت للعلبة والدفتر، ثم رفعت عيني لمروة.
“شكراً يا مروة إنك رجعتي لي حقي،” قلتها بهدوء، وأنا باخد منها الحجة والذهب. “خطوتك دي تحسب لكِ.”
مروة دموعها نزلت: “أنا آسفة يا شهد.. آسفة على كل يوم عشتيه معانا وأنتِ مظلومة. ربنا ينصرك، وأنا ماشية ومش هتشوفي وشي تاني.”
سابتني ومشيت. أغلقت الباب، وأمسكت بدفتر الوصلات وقمت بتقطيعه لإرب صغيرة ورميه في السلة، وأخذت السلسلة الذهبية ووضعتها في حقيبتي.
الآن، تحررت من آخر خيط كان ممكن يربطني بيهم أو يهدد مستقبلي.
مشيت في الصالة الجديدة، وبصيت من الشباك على السما. حسيت إن كل خطوة خطيتها في الرحلة دي، من لحظة الخروج من عند المأذون والرد بـ “تمام، مبروك” على كذبته، لحد اللحظة دي.. كانت إثبات إن المرأة لما تقرر تشتري نفسها وتوقف الابتزاز، ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها.
لكن القصة ما انتهتش هنا.. لأن الحياة كانت مجهزة لي مفاجأة ثانية كلياً في شغلي ومستقبلي، مفاجأة هتقلب كل الموازين.
مر شهران كاملان على تلك الأحداث. شهران كانا كفيلين بإعادة تشكيل حياتي من جديد، ليس فقط على المستوى النفسي والشخصي، بل على المستوى المهني والمالي أيضاً.
شقتي القديمة أصبحت تحفة معمارية مودرن تزينها الألوان الفاتحة والإضاءة الدافئة، خالية تماماً من أي ذكرى لـ “حسام” أو “ثريا”. أقفلت صفحة الماضي بكل قسوتها، واسترددت ذاتي الشغوفة والطموحة التي كانت قد اختفت تحت ركام سنوات التقتير والحرمان.
في مقر الشركة الكبرى التي أعمل بها كاستشارية إدارية وتخطيط مالي بالقاهرة، كنت أجلس في مكتبي أراجع أحد أكبر المشاريع العقارية والاستثمارية المتقدمة للشركة. كان المشروع يعاني من تعثر مالي وإداري ضخم بسبب سوء إدارة سابقة وتورط بعض الأطراف في قضايا فساد وتستر، وكانت مهمتي هي وضع خطة إعادة هيكلة شاملة وتتبع أي شبهة اختلاس أو تلاعب في الأوراق.