ابويا اصر حكايات زهره الربيع 2

مشيتُ في أزقة القرية المظلمة أجرُّ حقيبتي، وصوت نباح الكلاب الضالة يمزق سكون الليل. كانت الرقعة الخضراء التي طالما تباهيتُ بأنها ملكي وملك أبي، قد أصبحت مجرد ظلال مبهمة تلفح وجهي بغربة قاسية. أردتُ أن أكون الشخص الذي تحرر من قيود الريف، فإذا بي أخرج منه مطروداً، محروماً حتى من البيت الذي ولدت فيه.

وصلتُ إلى محطة الاستراحة المتهالكة على أطراف القرية، وجلستُ على مقعد خشبي مكسور، أنتظر أول حافلة متجهة إلى القاهرة. كان هاتف شيرين مغلقاً تماماً، وكلما حاولت الاتصال بها كانت التغطية تنقطع، أو يأتي الرد الآلي ليذكرني بأنني أصبحت وحيداً. أخرجتُ من جيبي بضع مئات من الجنيهات ومفاتيح سيارتي الفارهة، تلك السيارة التي اكتشفتُ أنها أصبحت عبئاً لا أكثر. لكن كيف سأدفع أقساطها الشهرية وحسابي البنكي كان يعتمد كلياً على تحويلات أبي من أرباح الأرض والمحلات؟

مع بزوغ الفجر، كنت قد وصلتُ إلى في القاهرة. فتحتُ الباب لأجد المكان خالياً؛ شيرين كانت قد جمعت كل أشيائها الثمينة وتركت لي ملابس قليلة، والمحبس الذهبي، ورسالة قصيرة على طاولة الصالة:

“لا تبحث عني، محامي عائلتي سيتواصل معك لإتمام إجراءات الانفصال. أنا لا أستطيع الاستمرار مع شخص فقد ثقتي به.”

انهارت ساقاي وهويتُ على الأريكة. كانت التي طالما رأيتها رمزاً لحريتي وحياتي الجديدة، قد أصبحت فجأة مكاناً ضيقاً يطبق على أنفاسي. السنوات الخمس التي عشتها في وهم البطولة انقضت في لحظة واحدة، لتبدأ مرحلة جديدة لم أكن مستعداً لها.

مرت أسابيع قليلة، وكانت الضغوط تتوالى.

أولاً، في العمل: أرسل المحامي الذي وظفته منار إخطاراً رسمياً إلى الشركة التي أعمل بها، مرفقاً بصورة من التقارير والمستندات القانونية التي تطالبني بسداد الأموال التي حصلتُ عليها دون وجه حق من أرباح المؤسسة العائلية طوال السنوات الماضية، باعتباري استوليت على دخل جزء من الممتلكات المملوكة لمنار قانونياً.

انتشر الخبر في الشركة بسرعة. الزملاء الذين كنت أتفاخر أمامهم بأصولي العريقة وثروة عائلتي، باتوا ينظرون إليّ بنظرات استنكار. لم يمض أسبوع حتى استدعاني مدير الشركة ليبلغني بصراحة:

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *