السر خلف الباب حكايات اسما السيد5

الفصل الثالث عشر: بيت الطفولة

ظل الجميع يحدق في الشاشة بعد اختفاء الخريطة.

أما أنا…

فلم أكن أسمع شيئًا تقريبًا.

كل ما يدور في رأسي هو جملة واحدة:

“المفتاح الأخير ما زال هناك.”

هناك.

في البيت الذي نشأت فيه.

البيت الذي بعناه بعد وفاة أبي.

البيت الذي لم أدخله منذ سنوات طويلة.

قال سيف:

“إحنا لازم نروح.”

لكن أحد رجال الأمن قاطعه فورًا.

“لسه عندنا مشكلة هنا.”

وأشار إلى الشاشة.

الوقت المتبقي: 48 دقيقة

قال فؤاد بصوت متعب:

“لو الأرشيف اتحرق… كل الأدلة هتضيع.”

رد عمر:

“ولو ما روحناش البيت… عمرنا ما هنعرف الحقيقة كاملة.”

ساد الصمت.

لأن الاثنين كانا على حق.

ثم تكلم نبيل لأول مرة منذ دقائق.

“الحقيقة هناك.”

نظرنا إليه جميعًا.

وأكمل:

“كريم ماكانش يعمل حاجة عبث.”

“لو قال إن المفتاح الأخير في بيت والدك…”

“يبقى هو فعلًا هناك.”

شعرت بانقباض في قلبي.

كلما اقتربت من الحقيقة…

شعرت أن أبي أصبح أكثر غموضًا.

الرجل الذي ظننته موظفًا بسيطًا.

أصبح فجأة أحد مؤسسي مشروع سري.

وصديقًا لفؤاد.

وشقيقًا لنبيل.

وصاحب أسرار دفنها معه.

قال فؤاد:

“أنا هفضل هنا.”

نظر إليه عمر باستغراب.

“ليه؟”

أشار إلى الشاشات.

“لازم حد يوقف نظام التطهير.”

ثم نظر نحوي.

“إنتي لازم تروحي.”

شعرت بالتوتر.

“أنا؟”

هز رأسه.

“المفتاح الأخير مرتبط بأبوكي.”

“ومحدش هيعرف يلاقيه غيرك.”

بعد دقائق قليلة.

خرجنا من القاعة.

أنا.

وسيف.

وياسمين.

وعمر.

ونبيل.

بينما بقي فؤاد مع رجال الأمن داخل الأرشيف.

يحاولون إيقاف العد التنازلي.

كانت الرحلة إلى بيت طفولتي صامتة.

كل واحد غارق في أفكاره.

أما أنا…

فكنت أتذكر أشياء صغيرة.

تفاصيل لم أفكر فيها منذ سنوات.

المكتبة الخشبية القديمة.

ساعة الحائط.

غرفة أبي.

رائحة الكتب.

أشياء كنت أظنها عادية.

لكن الآن…

لم أعد واثقة من أي شيء.

بعد ساعة تقريبًا.

وصلنا.

كان البيت ما يزال قائمًا.

رغم مرور السنوات.

يقع في شارع هادئ.

تحيط به أشجار قديمة.

نزلت من السيارة ببطء.

وشعرت بشيء غريب.

كأن المكان كان ينتظرني.

اقتربت من الباب.

ولمست المقبض.

ثم تجمدت.

لأن الباب لم يكن مغلقًا.

كان مفتوحًا.

نظر إليّ عمر فورًا.

“إنتي متأكدة إن محدش عايش هنا؟”

هززت رأسي.

“البيت فاضي من سنين.”

تبادل الجميع النظرات.

ثم دخلنا.

كان الغبار يغطي الأثاث.

والستائر القديمة.

والأرضية.

لكن شيئًا واحدًا لم يكن منطقيًا.

كانت هناك آثار أقدام حديثة.

واضحة جدًا.

تمتد من المدخل.

إلى داخل البيت.

همست ياسمين:

“في حد سبقنا.”

شعرت بقشعريرة.

وبدأنا نتبع الآثار.

مررنا بالصالة.

ثم الممر.

ثم غرفة أبي.

الغرفة التي لم أدخلها منذ وفاته.

دفعت الباب ببطء.

فانفتح.

ودخلنا.

في البداية بدا كل شيء كما أتذكر.

المكتب.

الكتب.

الخزانة.

ثم انتبهت لشيء غريب.

كانت إحدى اللوحات على الحائط مائلة.

بدرجة بسيطة جدًا.

لكنني أعرف أبي.

كان يكره الفوضى.

وما كان ليسمح بذلك.

اقتربت.

وأعدت اللوحة إلى مكانها.

وفجأة…

صدر صوت خافت.

“تك.”

تجمد الجميع.

ثم بدأ جزء صغير من الحائط يتحرك ببطء.

كاشفًا عن تجويف سري.

شهقت ياسمين.

أما أنا فشعرت أن قلبي سيتوقف.

لأنني عشت في هذا البيت سنوات.

ولم أعرف بوجود هذا المكان.

داخل التجويف…

كان هناك صندوق صغير.

خشبي.

أسود اللون.

وعليه نفس الرمز الذي رأيناه في الأرشيف.

الحرف:

ك

همس نبيل:

“كريم.”

اقترب عمر.

ثم فتح الصندوق بحذر.

وتجمدنا جميعًا.

لأن الصندوق لم يكن يحتوي على أوراق.

ولا مفاتيح.

ولا أموال.

بل كان يحتوي على شريط فيديو قديم.

ومظروف مغلق.

مكتوب عليه بخط يد أبي:

“إلى ليلى… إذا وصلتِ إلى هنا، فلا تثقي بأحد.”

ساد الصمت.

ثم نظرت حولي ببطء.

إلى سيف.

إلى ياسمين.

إلى عمر.

إلى نبيل.

وأخيرًا إلى الرسالة.

لكن قبل أن أفتح المظروف…

وصلنا صوت من الطابق العلوي.

صوت خطوة واحدة.

واضحة جدًا.

رغم أننا كنا متأكدين أن البيت فارغ.

ثم تلتها خطوة أخرى.

وكأن شخصًا ما…

كان يتحرك فوق رؤوسنا مباشرة.

الفصل الرابع عشر: الرسالة التي حذرتني من الجميع

تجمدنا جميعًا في أماكننا.

الخطوة الثانية التي صدرت من الطابق العلوي كانت أوضح من الأولى.

لم يكن صوت خشب يتمدد.

ولا صوت بيت قديم.

بل خطوات شخص حقيقي.

شخص يتحرك فوقنا.

بهدوء.

وكأنه يعرف أننا هنا.

رفع عمر يده فورًا.

إشارة للجميع أن يلتزموا الصمت.

أما سيف فاتجه تلقائيًا نحو باب الغرفة.

بينما نظرت ياسمين إلى السقف بعينين متسعتين.

الخطوات توقفت.

ثم عاد الصمت.

صمت ثقيل.

مزعج.

قال نبيل بهمس:

“مش لوحدنا.”

لكنني لم أكن أنظر إلى السقف.

كنت أنظر إلى الظرف.

الظرف الذي يحمل اسمي.

شعرت أن كل ما حدث منذ بداية هذه القصة كان يقود إلى هذه اللحظة.

مددت يدي ببطء.

وأمسكت بالمظروف.

كانت يداي ترتجفان.

ثم فتحت الرسالة.

بداخلها عدة صفحات مطوية بعناية.

وبمجرد أن رأيت خط أبي…

اختفت الأصوات من حولي.

واختفى البيت.

واختفى الجميع.

ولم يبقَ سوى الكلمات.

ليلى…

لو بتقري الرسالة دي، يبقى الخطة فشلت.

أو نجحت بطريقة ما كنتش أتوقعها.

في الحالتين، معناه إنك وصلتي للحقيقة أكتر مما كنت أتمنى.

توقفت أنفاسي.

وأكملت القراءة.

أول حاجة لازم تعرفيها…

إنك طول عمرك كنتِ تحت المراقبة.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

من يوم ما اتولدتي.

ومن قبل ما تتعلمي الكلام.

كان فيه ناس بتراقبك.

وناس بتحميكي.

وناس مستنية اللحظة المناسبة عشان تستخدمك.

رفعت رأسي ببطء.

شعرت أن الغرفة أصبحت أضيق.

ثم أكملت.

لو فؤاد لسه عايش…

فاسمعيه.

ولو عمر لسه عايش…

فثقي فيه بحذر.

ولو نبيل ظهر قدامك…

فاعرفي إنه هيقول نص الحقيقة بس.

تجمد نبيل.

رأيته من طرف عيني.

لكنه لم يتكلم.

واستمررت في القراءة.

أما سيف…

فمصيره مرتبط بيكي أكتر مما يتخيل.

التفتُّ نحو سيف.

فوجدته ينظر إليّ.

نفس الحيرة في عينيه.

ثم نزلت عيناي إلى السطر التالي.

وهنا…

شعرت أن الدم يتوقف في عروقي.

لكن أهم حاجة…

لا تثقي في ياسمين.

ساد الصمت.

صمت كامل.

رفعت رأسي ببطء شديد.

ونظرت إلى ياسمين.

أما هي فكانت تحدق في الرسالة.

وشحب وجهها فجأة.

قالت:

“أنا؟”

لم أجد ما أقوله.

حتى أنا لم أفهم.

ياسمين هي التي حمتني.

هي التي نامت بيني وبين سيف.

هي التي حذرتني.

هي التي وقفت بجانبي منذ البداية.

فكيف يحذرني أبي منها؟

قالت ياسمين بصوت مرتجف:

“كملي.”

عدت إلى الرسالة.

لو وصلتِ للسطر ده…

فمعناه إن ياسمين لسه موجودة.

وده شيء كويس.

أو شيء سيئ جدًا.

حسب الحقيقة اللي اكتشفتيها.

ازدادت ضربات قلبي.

ياسمين مش اسمها الحقيقي.

رفعت رأسي بسرعة.

أما ياسمين فتراجعت خطوة للخلف.

“لا…”

قالتها بصوت خافت.

ثم عدت للرسالة.

وهي دخلت حياتكم لهدف محدد.

لكنها مش أخطر شخص حواليكي.

الخطر الحقيقي شخص تاني.

شعرت بالارتباك.

إذا لم تكن ياسمين هي الخطر…

فلماذا طلب مني ألا أثق بها؟

لكن الرسالة لم تعطِ فرصة للإجابة.

لأن السطور التالية كانت أكثر غرابة.

لو وصلتي لحد هنا…

افتحي الشريط قبل ما تسمعي أي حد.

قبل ما تسألي أي سؤال.

وقبل ما حد يحاول يشرحلك الحقيقة.

نظرت إلى شريط الفيديو القديم داخل الصندوق.

ثم إلى الجميع.

لكن قبل أن أتحرك…

صدر صوت قوي من خارج الغرفة.

“دوم!”

كأن شيئًا سقط في الطابق العلوي.

ثم تبعه صوت جري سريع.

شخص يركض.

فوق رؤوسنا مباشرة.

التفت عمر نحو الباب فورًا.

ثم قال:

“في حد فوق.”

ركض نحو الخارج.

وتبعه سيف.

أما أنا فبقيت في مكاني.

أنظر إلى الشريط.

وإلى الرسالة.

وإلى ياسمين.

التي كانت تبكي بصمت لأول مرة منذ عرفتها.

ثم همست جملة جعلتني أتجمد مكاني:

“أنا كنت عارفة إن الرسالة دي هتيجي يوم.”

رفعت رأسي ببطء.

فأكملت وهي تنظر إلى الأرض:

“بس ماكنتش مستعدة تعرفي الحقيقة دلوقتي.”

الفصل الخامس عشر: الاسم الذي أخفته ياسمين

بقيت أحدق في ياسمين.

لم أجرؤ على الكلام.

ولأول مرة منذ عرفتها…

لم أرَ الهدوء المعتاد في عينيها.

كانت خائفة.

خائفة فعلًا.

في الخارج كانت أصوات عمر وسيف تتردد في الطابق العلوي.

صوت أبواب تُفتح.

وخطوات سريعة.

وبحث محموم عن الشخص المجهول.

أما داخل الغرفة…

فلم يبقَ سوى أنا وياسمين ونبيل.

قلت ببطء:

“إيه الحقيقة؟”

أغلقت ياسمين عينيها.

وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.

ثم قالت:

“اسمي فعلًا مش ياسمين.”

ساد الصمت.

رغم أن الرسالة أخبرتني بذلك…

إلا أن سماعها منها كان مختلفًا.

سألتها:

“اسمك إيه؟”

ترددت لثوانٍ.

ثم أجابت:

“مريم.”

شعرت بالارتباك أكثر.

“ومين إنتِ؟”

نظرت نحوي طويلًا.

ثم قالت:

“أنا بنت كريم.”

في تلك اللحظة…

شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.

كريم.

الرجل الغامض.

الشريك الخامس.

صاحب الأرشيف.

صاحب الصوت الذي ظهر على الشاشات.

حدقت فيها غير مصدقة.

“إنتِ بنت كريم؟”

أومأت برأسها ببطء.

أما نبيل…

فلم يبدُ مصدومًا.

وهنا فهمت شيئًا.

هو كان يعرف.

من البداية.

التفت إليه.

“إنت كنت عارف؟”

لم يجب فورًا.

ثم قال:

“من أول ما شفتها.”

اشتعل الغضب داخلي.

“وسكت؟!”

أجاب بهدوء:

“لأنها ما كانتش العدو.”

في تلك اللحظة دخل عمر الغرفة.

وخلفه سيف.

كانا يلهثان.

قال سيف:

“مافيش حد فوق.”

لكن عمر لم يكن ينظر إلينا.

كان ينظر إلى ياسمين.

أو مريم.

وكأنه سمع آخر جملة.

ثم قال بهدوء:

“بنت كريم.”

لم تسأل ياسمين كيف عرف.

فقط أومأت.

وتحول وجه عمر إلى تعبير غريب.

ليس صدمة.

بل تأكيد.

كأنه كان يشك منذ زمن.

قال:

“عشان كده جيتي البيت.”

أخفضت رأسها.

“أيوه.”

جلست على الكرسي القديم قرب مكتب أبي.

وقالت:

“أبويا اختفى من سنين.”

“وآخر حاجة قالهالي…”

رفعت عينيها نحوي.

“…إني لازم أحميكي.”

تجمدت.

“أنا؟”

أومأت.

“قال إن ليلى أهم شخص في المعادلة كلها.”

شعرت بالاختناق.

كلما اقتربت من الحقيقة…

أصبحت أكثر غموضًا.

قلت:

“ليه أنا؟”

هزت رأسها.

“ماعرفش.”

“أبويا رفض يقولي.”

“كل اللي قاله…”

وتوقفت.

ثم أكملت:

“إن اليوم اللي الحقيقة كلها هتظهر فيه…”

“…هيبدأ منك.”

ساد الصمت.

ثم تذكرت شيئًا فجأة.

الشريط.

شريط الفيديو الذي تركه أبي.

نظرت إلى الصندوق.

وما زال الشريط بداخله.

قال نبيل فورًا:

“شغليه.”

وقال عمر في نفس اللحظة:

“لا.”

التفت الجميع نحوه.

كان ينظر إلى الشريط بتركيز شديد.

ثم قال:

“فيه حاجة غلط.”

“إيه؟”

سأله سيف.

اقترب عمر من الصندوق.

وأمسك الشريط.

ثم قلبه بين يديه.

وفجأة…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة.

لكنها أقلقتني أكثر من أي شيء آخر.

قال:

“ده مش شريط.”

شعرت بالحيرة.

“إزاي؟”

ضغط بإصبعه على زاوية معينة.

فصدر صوت خافت.

“تك.”

وانفتح جزء مخفي من الغلاف البلاستيكي.

شهقت ياسمين.

أما أنا فشعرت بقلبي يقفز.

لأن داخل الشريط…

كان يوجد مفتاح صغير جدًا.

ذهبي اللون.

ومربوط بخيط أحمر قديم.

نظر إليه نبيل.

وشحب وجهه فورًا.

وقال:

“لا…”

التفت إليه عمر.

“إيه؟”

ابتلع ريقه.

ثم قال جملة أربكت الجميع:

“أنا أعرف المفتاح ده.”

“منين؟”

نظر إلى المفتاح طويلًا.

ثم قال:

“لأن فيه واحد زيه بالضبط.”

“فين؟”

رفع عينيه نحونا.

وقال:

“في خزنة كريم.”

ساد الصمت.

ثم أضاف:

“والخزنة دي…”

توقف للحظة.

“…موجودة تحت الأرشيف.”

في نفس اللحظة…

رن هاتف عمر.

نظر إلى الشاشة.

وتغير لون وجهه بالكامل.

قال سيف بسرعة:

“مين؟”

لكن عمر لم يجب.

ظل يحدق في الاسم الظاهر على الشاشة.

وكأنه يرى مستحيلًا.

ثم همس:

“كريم.”

الجميع تجمد.

لأن الرقم المتصل…

كان مسجلًا باسم الرجل الذي يفترض أنه ميت منذ عشرين عامًا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *