جوزي لعب في فرامل عربيتي حكايات زهره الربيع 1

“أنا مستنياك يا شريف…” قلتها بهدوء شديد. “…بس مش لوحدي.”

“يعني إيه؟” سأل بنبرة ملؤها الرعب، وقد بدأ ينزل من سيارته بعد أن وصل أمام العمارة بسرعة جنونية.

“يعني العمارة تحت فيها البوكس، والعميد هشام زميل بابا القديم في النيابة موجود معايا فوق في الصالة بياخد أقوالي، والتقرير الفني للشركة اللي جابها حمايا وصل، والتسجيل الصوتي للمكالمة دي كلها -بما فيها اعترافك الصريح بالفرامل المقطوعة وخوفك على أهلك- بقى حالياً على تليفون سيادة الرائد اللي واقف على باب الشقة ومستنيك تطلع بالبيجامة الرمادي الخفيفة اللي كنت لابسها الصبح.”

سقط الهاتف من يد شريف، وسمعت عبر الخط المفتوح صوت خطوات ثقيلة تصعد السلم، وصوت أصفاد حديدية تُفتح، وصوت الضابط وهو يصيح بلهجة حازمة: “المهندس شريف؟ اتفضل معانا من غير وش.”

وقفت عند النافذة مرة أخرى، رفعت فنجان القهوة البارد الذي تركته على السفرة منذ الصباح، وشربت منه رشفة واحدة. رأيت شريف يُقاد من بوابات العمارة، مقيد اليدين خلف ظهره، ينظر إلى الأعلى بنظرات مكسورة ملطخة بالعار والذهول، يفتش عن وجهي خلف الزجاج.

لم أمنحه متعة رؤية دموعي، بل التقت عيناي بعينيه، رفعت فنجان القهوة في الهواء وكأنني أنخب نهايته المحتومة، ثم أدرت ظهري للنافذة وأغلقت الستائر الثقيلة.

جلس الضابط أمامي، يراجع الأوراق والتقرير المبدئي من مركز الخدمة.

“التقرير بيأكد يا مدام منة إن الخرطوم مقطوع بموس أو كتر حاد، والشواهد كلها بتقول إنها محاولة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. المكالمة المنسوخة اللي سجلتيها تعتبر اعتراف قاطع، بالإضافة لشيكات التأمين على الحياة اللي لقيناها في مكتبه ورسائل الواتساب مع الست اللي كان بيكلمها.”

تنفس الصُعداء ثم قال: “الحمد لله إن ربنا أنقذك وإن حماكي كان راجل بيفهم، وإلا كانت الكارثة هتبقى أبشع.”

مسحت على وجهي ببطء، لم أكن أبكي على شريف، فالرجل الذي أحببته مات في اللحظة التي لمست فيها يده أسلاك سيارتي في ظلام الليل، لكني كنت أفكر في عم مصطفى وطنط هدى. كيف سأواجه هذين الأبوين الصالحين عندما يعودان من الفيوم؟ كيف سأخبر الرجل الذي رفض أن يبهدل عربيتي، أن ابنه الوحيد كان مستعداً لبهدلة دماغي على الرصيف من أجل بضعة ملايين من الجنيهات؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *