حكايات اسما السيد 1
انتي طالق لانك جاهله مقرفه ومفيش حد يطيق يقرب منك..انا استاهل واحده متعلمه وجميلة عنك..
طلقها لأنها قبل الجواز مكنتش داخله دماغه شكلها عادي بالنسبه له مع إن شكلها كان جميل جدا إلا في نظره.. لما حصل نصيب واتجوزوا مكنش مرتاح نفسيًا معاها فطلقها واتجوز غيرها ومن اول يوم مع مراته الجديده بدأت تسجيله وساوس تانيه..أن لازم ترجع الأولي..تعالوا نشوف ازاي
اسمي أحمد…من قبل الجواز…كنت شايف إن البنت اللي اتقدمت لها محترمة وجميلة.
الكل كان بيقول إنها بنت تتمناها أي عيلة.
لكن بالنسبة لي…ما كانتش داخلة دماغي.
كنت كل شوية أقول لنفسي:”أنا أستحق واحدة أحسن.”
ورغم كده…حصل نصيب واتجوزنا.
من أول يوم…
وأنا مش مرتاح.
كانت بتيجيلي أفكار غريبة ووساوس ما بتسيبنيش.
أفضل أقارنها بغيرها.
وأقنع نفسي إني مش هقدر أكمل معاها العمر كله.
حتى لما فتحت موضوع الخلفة…
رفضت…وقلت لها:”نأجل سنتين لحد ما نتعود على بعض.”
لكن الحقيقة…أنا ماكنتش بحاول أتعود.
أنا كنت بدور على سبب يخليني أهرب.
هي كانت بتحبني…وكان واضح إنها نفسها تنجح حياتنا.
لكن أنا…ماقدرتش أكمل…وفي النهاية…طلقتها بالمعروف.
هي تنازلت عن مؤخرها…وأخدت حاجتها اللي جايباها بس.
ومشيت…من غير مشاكل…بعد فترة…اتجوزت مرة تانية.
ومع مراتي الحالية…الغريب إن كل الوساوس اللي كانت بتتعبني اختفت…وبقيت مرتاح نفسيًاا..وكنت بحمد ربنا على الإحساس ده.لكن بعد شهور…بدأت حاجة تانية تحصل.
لقيت نفسي كل شوية أفتكر مراتي الأولى.وأقول:
“يا ترى استعجلت؟””يمكن أنا ظلمتها.”
خصوصًا لما بقيت أقارن بين حياتي زمان ودلوقتي.
مراتي الأولى كانت بتشتغل…وكان مرتبها حوالي 12 ألف جنيه…كانت بتصرف على احتياجاتها الشخصية من مرتبها.
ولو جابت أكل من بره…أو اشترت حاجة لنفسها…
كانت تتحملها من فلوسها…وعمرها تقريبًا ما كانت تحملني فوق طاقتي…كل همها…إن البيت يبقى هادي.
وإننا نعيش مرتاحين..أما مراتي الحالية…
أنا بديها مصروف شهري 3000 جنيه غير مصاريف البيت.
ومع ذلك…كل يوم في طلبات جديدة.وأكل من بره.
ومشروبات.ومشتريات.
لحد ما بقيت مصاريف البيت لوحدها بتعدي 25 ألف جنيه في الشهر..وبقيت حاسس بضغط كبير.
وفي كل مرة أحسب المصاريف…صورة مراتي الأولى تيجي في دماغي…وأقول لنفسي:”يمكن خسرت إنسانة ماعرفتش قيمتها.”
لكن في نفس الوقت…أفتكر إني وقتها كنت مش قادر أعيش معاها نفسيًا…وأرجع أحتار من جديد.
هل أنا ظلمتها فعلًا؟
ولا أنا بس بقيت بشوف مميزاتها بعد ما خسرتها؟
وفي ليلة…وأنا بقلب في درج قديم…
لقيت ظرف صغير كنت ناسيه.
كان جواه آخر رسالة كتبتها لي قبل الطلاق…
ولما قريت أول سطر فيها…اتصدمت وجريت ادور عليها . تفتكروا كانت محبيه عنه ايه؟
فتحت الظرف بإيد بتترعش، وصوابعي كانت عاجزة تقبض على ورقة الجواب المطوية. أول سطر وقفت قدامه عيني ومقدرتش أتحرك، كان مكتوب بخطها الهادي المنتظم:
*”أنا عارفة إنك مش مرتاح معايا يا أحمد، وعارفة إنك بتتحجج بالخلفة عشان تهرب.. بس كان لازم أسيبلك الجواب ده عشان لما تفوق، تعرف إن السكوت ما كانش قلة حيلة، لكنه كان عشان أحافظ على كرامتك قدام نفسك.”*
قلبي بدأ يدق بضربات متسارعة، ريقي جف والسطور الباقية بدأت تتداخل قدام عيني. كملت قراية وأنا حاسس بأرض الأوضة بتهتز تحت رجلي:
*”انت كنت فاكر إن الـ 12 ألف جنيه اللي بيبقوا معايا كل شهر دول مرتب شغلي من الشركة؟ انت عمرك ما سألت نفسك ليه الشركة تديني المبلغ ده وأنا لسه بادية شغلي من سنة؟ الحقيقة يا أحمد إن الفلوس دي ما كانتش مرتب.. دي كانت أرباح وديعة صغيرة بابا الله يرحمه كان كاتبها باسمي قبل ما يموت، وأنا كنت بطلع منها كل شهر مصاريف البيت والتزاماتنا اللي كنت بتزنق فيها وبتتحرج تقولها، وأقولك دي فلوسي الشخصية عشان ما أجرحش كبرياءك راجل في بيته.
ومش بس كده.. لما والدتك تعبت من سنة وربنا شفاها، العملية والتكاليف العالية اللي أنت شلت همها ومكنتش عارف تجيب فلوسها منين، أنا اللي دفعتها للمستشفى ورتبت مع الدكتور يقولك إن النقابة بتاعتك هي اللي غطت المصاريف.. عشان عينك ما تنكسرش قدامي ولا قدام أهلك.”*
عيني اغرورقت بالدموع والسطور بقت ضبابية.. قريت السطر الأخيرة في الجواب، وكان هو الضربة القاضية:
*”أنا مش زعلانة منك يا أحمد، بس يوم ما طلبت الطلاق وقعدنا عند المأذون، أنا كنت طالعة من عند الدكتور قبلها بساعتين بس.. وعرفت إني حامل في أسبوعين. كان ممكن أصرخ وأقولك أنا حامل وأجبرك تفضل معايا، بس أنا فضلت أربيه لوحدي في هدوء من غير ما أكون عبء على راجل حاسس إن متجوز واحدة جاهلة ومقرفة وما تتطاقش.. أنا خدت حاجتي ومشيت، بس سايبة جوايا سر مش هتعرفه إلا لما يدور الزمن.”*
الورقة وقعت من إيدي.. الجملة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة: “حامل في أسبوعين”!
يعني أنا عندي ابن أو بنت دلوقتي؟ يعني هي كانت حالمة بطفل مني وفي نفس الوقت شايلة سر علاج أمي وساترة بيتي ومشيت بكرامتها عشان ما تفرضش نفسها عليا؟
طلعت أجرِي من الشقة كالمجنون، نداءات مراتي الحالية كانت بتتردد ورايا في الصالة وهي بتسألني بشرر: “في إيه يا أحمد؟ رايح فين في وقت زي ده؟ والمصاريف اللي كنا بنتكلم فيها؟”
ما ردتش.. ما كنتش شايف قدامي. نزلت السلم جَري، ركبت عربيتي وإيدي بتترعش ومش قادر أحط المفتاح في الكونتاكت.
سوقت بتهور في شوارع القاهرة متجهة لبيت أهلها القديم. المكان اللي رحت أتقدم لها فيه وأنا شايف نفسي أكتر منها ومستخسر فيها نفسي.
وصلت بعد منتصف الليل، العمارة كانت هادية ونور الصالة عندهم طافي. فضلت واقف تحت العمارة ساعتين كاملين مش قادر أطلع خايف من المواجهة، ومش قادر أمشي وأسيب الحسرة تأكل في قلبي.
أول ما الفجر أذن، طلعت السلم درجات متسارعة وخبطت على الباب.
فتحت لي والدتها.. ست كبار في السن، أول ما شافتني ملامحها اتغيرت من المفاجأة للجمود.
قلت لها بصوت مخنوق ومتقطع: “عماتي.. أرجوكي.. هي فين؟ أنا عايز أشوفها.. أنا قريت الجواب.. أرجوكي قوليلي هي فين والطفل فين؟”
بستني بحزن دفين، وسكتت لحظات طالت كأنها سنين، وبعدين قالت بنبرة هادية بس تقيلة زي الجبل:
“بدري قوي يا أحمد.. جايلنا بعد سنتين عشان تسأل؟ هي ما قت*لتش نفسك ولا اشتكت منك للناس، سابتك للزمن يربيك ويغير نظرتك. بس للأسف انت جيت متأخر.. هي مش هنا.”
قلت لها برعب: “يعني إيه مش هنا؟! راحت فين؟ والابن اللي كان في بطنها؟”
قالت لي وهي بتقفل الباب بالتدريج: “هي سافرت من سنة وسبع شهور مع جوزها الجديد للخليج.. وابنك بيتسجل دلوقتي باسم راجل تاني عرف قيمتها من أول دقيقة وحماها لما انت رميتها!”
الباب اتأفل في وشي، ولقيت نفسي واقف في الضلمة على السلم، حاسس بقلبي بيتخلع من مكانه، والنار اللي جواه مش قادرة تطفيها كل دموع الندم.
وقفت على السلم قدام الباب المقفول، حاسس إن الدنيا كلها بتلف بيا. الكلمات كانت بتتردد في دماغي زي صدى صوت مرعب: *”سافرت مع جوزها الجديد.. وابنك بيتسجل باسم راجل تاني!”*
نزلت السلم وأنا مش حاسس برجلي. ركبت العربية وفضلت قاعد فيها لغاية ما الشمس طلعت، مش قادر أتحرك ولا قادر أستوعب إن ابن من صلبي ممكن يعيش وينادى لراجل تاني بـ “بابا”، وإن الإنسانية اللي ظلمتها رميتها بنفسي لإيد غيري يعرف قيمتها.
رجعت الشقة وأنا شبه ميت. أول ما فتحت الباب، لقيت مراتي الحالية واقفة في الصالة، مربعة إيديها وملامحها كلها غضب:
“كنت فين يا أحمد؟ نزلت زي المجنون وسيبتني طول الليل؟ وبعدين إيه الحكاية بالظبط؟ كل ما نفتح سيرة المصاريف ولا طلبات البيت تتقلب وتخرج؟”
بصلتلها بذهول.. الشغف، الجمال الخارجي اللي كنت موهوم بيه زمان، كله اتبخر. قدامي واحدة مش شايفاني غير خزانة فلوس ومصنع تلبية طلبات، في حين إن اللي كانت مستعدة تستحمل معايا المر وستراني قدام أهلي ونفسي، أنا اللي فرطت فيها بغبائي.
رديت بصوت ميت: “مفيش حاجة.. تعبان وعايز أنام.”
سيبتها ودخلت الأوضة وقفلت على نفسي. فضلت أسبوع كامل زي الخيال في البيت.. بشتغل وبأكل وبأشرب من غير روح. مراتي بدأت تلاحظ التغير، وبدل ما تحاول تفهم، زادت الطلبات وزاد الضغط، والمصاريف بقت تزيد يوم عن يوم، وكأنها حاسة إن عقلي مش معاها فبتحاول تأمن نفسها بالفلوس والمشتريات.
لكن أنا ما كنتش قادر أسكت. كلمة “ابنك” كانت بتكتفني كل ليلة.
قررت أتحرك.. اتصلت بصديق مشترك بيني وبين أهلها، كان المحامي اللي كتب عقد الطلاق وقتها. قابلته في كافيه هادي، وأول ما قعدت قدامه، مسكت إيده وقلت له:
“أنا عايز أوصل لها يا سامح.. أرجوك، أنا عرفت كل حاجة. عرفت إنها كانت حامل، وعرفت إنها كانت بتصرف عليا، أنا ظلمتها وأكلت حقها ولازم أصلح غلطتي.. قولي هي فين بالظبط؟”
سامح بص لي بأسف وهز راسه:
“يا أحمد.. انت جاي تدور على اللي رميته بعد ما غيرك لمه وصانه؟ هي لما طلقت منك كانت مدمرة، بس ربنا عوضها بعبد الله.. ابن عمها اللي كان مسافر وبره مصر من سنين، وأول ما عرف بطلاقها نزل وفضل جنبها. لما عرف إنها حامل، تمسك بيها أكتر، وقالها ابن أحمد هيربى في حضني وهيكون زي ابني بالظبط، واتجوزها وسافروا السعودية.”
قلبي اتخلع: “السعودية؟! يعني هي هناك دلوقتي؟ وسامحني.. هو كاتب الطفل باسمه بالباطل؟”
سامح بصل بحدة وقال:
“لا يا أحمد.. هي رفضت تسجل الطفل باسم عبد الله احتراماً للدين والشرع، وعشان ما تخلطش الأنساب. الولد متسجل في الورق الرسمي باسمك انت! لكنه عايش معاهم، وبيتربى في بيت عبد الله، وعبد الله بيعاملها كأنها ملكة، وشايل ابنك على كفوف الراحة.. هي مش محتاجة منك حاجة، ولا عايزاك تخش حياتها تاني.”
لما سمعت إن الولد متسجل باسمي، الدم جرى في عروقي من جديد. في لحظة أمل طشت في قلبي، حست إن لسه في خيط أتمسك بيه.
“يعني ابني شايل اسمي؟ يعني أنا لي حجة أرفع قض*ية رؤية؟ لي حق أشوفه؟”
رد سامح بصرامة:
“حقك بالقانون؟ اه ليك.. بس فكر قبل ما تخطو الخطوة دي يا أحمد. انت عايز تروح تهد حياة ست بدأت تتنفس من جديد؟ عايز تفتح أبواب جحيم على طفل ما شافش منك غير إنك رميت أمه وهي حامل؟ انت لو جيت ناحيتهم، عبد الله مش هيسكت، وهي مش هتسامحك أبداً.”
ما سمعتش كلام سامح.. الغريزة والندم والغيرة أكلوا عقلي. بقيت بفكّر بطريقة واحدة: “لازم أسافر.. لازم أروح السعودية وأشوف ابني وأواجهها.”
بدأت أجمع فلوس بالسر، وبعت حتة أرض صغيرة كنت وارثها عشان أغطي مصاريف السفر والإقامة. مراتي الحالية لاحظت إن السحب من البنك زاد، وإن حركة الفلوس غريبة، فبدأت تشك إني بحور من وراها أو بجهز لجوازة تانية.. والبيت بقى عبارة عن حلبة مصارعة يومية من الشكوك والخناقات.
وفي يوم.. جالي إشعار على الموبايل من حساب قديم لي على الفيسبوك، حساب كنت ناسيه من سنين.
لقيت رسالة جاية لي من أكونت جديد باسمها هي..
فتحت الرسالة بطلوع الروح، وقريت الكلمات اللي خلت جسمي كله يقشعر:
*”أنا عرفت إنك بتسأل عليا وبتحاول توصل لي عن طريق سامح.. وعرفت إنك ناوي تسافر.. يا أحمد، لو قدمك عتبت البلد اللي أنا فيها، أو حاولت تقرب من ابني، أنا هطلع كل المستندات والأوراق اللي معايا.. الأوراق اللي أثبت فيها إنك كنت بتاخد مني فلوس بالهبل تحت مسمى مصاريف البيت وأنا ساكتة، والمحاضر اللي كنت كاتباها ومخبياها عنك يوم ما كنت بتستقوى عليا.. ومش بس كده.. السر الكيبر اللي أنا مخبياه عنك وعن أهلك من زمان، هكشفه قدام مراتك الجديدة وأهلك كلهم.. سر لو طلع، مش بس هتدمر حياتك.. انت مش هتقدر تمشي في الشارع مرفوع الراس تاني!”*