قيد من جمر 2 نورهان العشرى
كان زياد يغلي داخلياً، مشتتاً بين عشـ,ـقٍ كالنـ,ـار يلتهم أحشاءه لفريدة، وغيرته الهوجاء التي تأكل الأخضر واليابس، وبين حنقه من هذا المشهد. لكن قبل أن ينطق بكلمة، خطت فريدة للأمام ترمق نيرمين بنظرةٍ تحتقر طيبتها الزائفة ثم ارتسمت على شفتيها الكرزيتين ابتسامةٌ تهكمية لاذعة، تقطر سمًا وشـ,ـماتةً أحـ,ـرقت قلب نيرمين، وقالت بصوتٍ رخيم، ناعم كالحرير وشديد القسوة كالإبر:
ـ والله يا نيرمين يا حبيبتي أنا قولتله نفس الكلام بالظبط! قولتله إزاي ترجعني بعد كل عمايلي السودا اللي ألفتوها عليا؟ بس هنعمل إيه بقى؟ الحب و عمايله! أصل شكلك كدا مش مالية مركزك وهو يا حرام مش عارف يعيش من غيري، لدرجة أنه جه وانا بكتب كتابي و بهدل الدنيا، و حلف مكونش لحد تاني غيره. صح يا زياد؟ قالت جملتها وهي تمسك بذراعه بطريقة حميمية جعلت الدماء تهدر في عروقه، ليعض على شفتيه متوعدًا قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ اسبقيني على فوق.. فريدة ببراءة: ـ حاضر.. اشتعلت فاطمة من شدة الغيظ، واستحالت دواخلها إلى جمرٍ يتقاد، لتصرخ في فريدة بصوتٍ جش: ـ استني عندك ياللي عايزة قطع لسانك أنتِ! بقى ليكي عين تتكلمي وتتبجحي في بيتي؟! والله ما أنتِ بايتة فيها الليلة لو على رقبتي! هبت فردوس ورفعت سبابتها بوجه فاطمة وهي تزأر بحدة: ـ قطع لسان اللي يغلط في بتي! البيت دا بيت النعمانية، وبنتي بنت العيلة دي و ست القصر دا غصب عنك وعن اللي جنبك دي! وأعلى ما في خيلك اركبيه يا فاطمة، حق بنتي هجيبه من عيونكم كلكم! فريدة مبقتش لوحدها.
اختلطت الأصوات، وتصاعدت حدة الصراخ بين النساء، وتحول البهو إلى ساحة حربٍ تغلي بالحقد والغـ,ـل والإهـ,ـانة. هنا، خرج الوحش الكامن في صدر زياد عن السيطرة. برزت عروق رقبته بغلظة، واستحالت عيناه إلى كتلتين من اللهب الصافي، ليصرخ بصوتٍ جهوري مرعب، كالرعد الذي شق السماء، اخرس الجميع: ـ بس! ولا كلمة! مش عايز اسمع صوت أي واحدة! ثم التفت إلى فاطمة والدته قائلًا بنبرة صارمة لا تقبل الجدال: ـ فريدة مراتي، و دا بيتها، و الموضوع دا انتهى الكلام فيه
استدار ببطء نحو فريدة، وكانت نظراته النارية تلتهمها بشغفٍ ممسوس وغضبٍ مكتوم، تحدٍ يتأجج بين عـ,ـاشقٍ متمرد ومهرةٍ تأبى الخضوع، ليعلم الجميع أن البيت الكبير قد دخل للتو في جحـ,ـيمٍ جديد. ★★★★★★★★ صعدت فريدة درجات السلم بخطواتٍ متثاقلة، تتبعها نظرات زياد التي كانت تثقب ظهرها كشعاعٍ من نـ,ـار. كان الهوى بينهما عبئًا ثقيلًا، نسيجًا معقدًا من عشقٍ يخنق الأنفاس، وغيرةٍ تأكل القلوب، وكبرياءٍ جريح يأبى أن ينحني. ما إن وطئت أقدامهما أعتاب الغرفة حتى أغلق زياد الباب خلفهما، ودار القفل بصوتٍ حاسمٍ أعلن انقطاعهما عن العالم الخارجي، وبداية معركةٍ من نوعٍ آخر؛ معركة صامتة تُخاض بالأعين وتُحسم بالأنفاس.