قيد من جمر 2 نورهان العشرى

التفتت فريدة إليه سريعةً، وقد تحفزت كل ذرة في جسدها للدفاع، وعيناها تلمعان بتحدٍ كحلي ثائر. رمقته بنظرةٍ شائكة وقالت بنبرةٍ يملؤها السخط: ـ أظن المسرحية اللي اتعملت تحت خلصت خلاص.. جاي ورايا ليه؟ و مين سمحلك تقفل علينا الباب بالمفتاح؟ ولا فاكر عشان سكتهم تحت هتيجي تكسرني هنا؟ خطى زياد نحوها ببطءٍ مهيب، كفهدٍ يتربص بصيده الأحب إلى روحه. لم يكن يرى فيها مجرد امرأة عاد إليها، بل كانت جرحه النازف وعشقه الأبدي، سر عذابه وسبب جنونه. اقترب حتى لم تعد تفصل بينهما سوى مسافة أنفاسٍ متهدجة، واشتعلت عينيه برغبةٍ عارمة في تملكها وحمايتها حتى من نفسها.

قال بصوتٍ رخيم تحدر من أعماق صدره، يقطر هيبةً وشغفًا محرقًا: ـ أنا سكتهم تحت عشان محدش يتجرأ عليكِ كلمة لكن هنا و في الأوضة دي، الحساب بيني وبينك أنتِ يا فريدة.. بقى عايزه تتجوزي غيري؟ كنتِ هتقبلي راجل تاني يلمسك؟ كنتِ هتديه الحق اللي مفيش مخلوق على وش الأرض يستحقه غيري؟! تراجعت فريدة خطوة إلى الخلف، لكن ظهرها اصـ,ـطدم بجدار الغرفة الصلب، ليلحق بها زياد ويحاصرها بيديه الممدودتين على جانبيها، مطوقًا إياها بهالته المخيفة. لكنها رفعت رأسها بشموخٍ رغم خفقات قلبها المتسارعة التي كادت تختـ,ـرق أضلعها، وقالت بصوتٍ متهدج من فرط المشاعر المتضـ,ـاربة:

ـ ما أنت سمحت لنفسك تتجوز غيري، سمحت لواحدة تانية تبقى على اسمك غيري، واحدة تلمسك غيري، و هانت عليك أيامنا سوى، دوست على حبنا وصدقت كذبهم عليا و طلقتني. جايلك عين تحاسبني على رد فعلي وأنت اللي بدأت بالحـ,ـرب؟!
التمعت عينا زياد ببريقٍ كاسر، وانخفض رأسه قليلاً لتلفح أنفاسه الحارة وجنتها المشتعلة. كان شذاها يسكره، يذكره بكل لحظة حب عاشها معها قبل أن تعصف بهما المكائد. غرس سبابته ببطء تحت ذقنها يرفع وجهها إليه غصبًا، وقال بهسيسٍ يفيض بالوجع والعشق الضاري: ـ اتجوزتها عشان كنت احمي ولاد أخويا.. و حلفتلك برب العزة ما حد هيسكن قلبي ولا يملك روحي غيرك! و حلفتلك أن اليوم اللي هلمس ست غيرك فيه هتبقي طالق مني. دكنت نظراته و احتدت أنفاسه وهو يقول بهسيس خطر:

ـ أنتِ كنتِ النفس اللي بتنفسه، و عمايلك اللي زي الزفت هي اللي خلتني طلقتك عشان تتعلمي الأدب. لكن تبقي لراجل غيري؟ دانا أمـ,ـوتك و أمـ,ـوت نفسي قبلها ارتجفت شفتا فريدة، واختنقت العبرات في حلقها. كان عشـ,ـقه يطوقها كالسلاسل، تقاومه بكبريائها المكسور، وتشتهيه روحها المعذبة. رفعت يديها ودفعته في صدره العريض بكل ما أوتيت من قوة، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، لتهتف بنبرةٍ يمتزج فيها القهر بالشموخ:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *