ابويا اصر حكايات زهره الربيع 2

قلتُ بصوت متقطع:

“منار.. أنا آسف. أنا عارف إن كلمة آسف مش هتصلح حاجة، بس أنا اتدمرت. خسرت شغلي، ومراتي سابتني، وماليش مكان أروح فيه، وأبويا بعيد عني. أرجوكي.. كفاية. ارحميني.”

طال الصمت بيننا حتى ظننتُ أنها ستلين. لكنها ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:

“ترحمني؟ أنت لما ظلمتني وشككت في كلامي، افتكرت الرحمة؟ لما اتصلت بأبويا في نص الليل وطلبت منه ياخدني بعيداً عنك، كان في قلبك رحمة؟ ولما تركتني أواجه كلام الناس وحدي وأنت عايش حياتك في القاهرة، افتكرت إن ربنا موجود؟”

خطت خطوة نحو السلم وأكملت:

“أنا مش حاقدة عليك يا ابن عمي.. أنا بس بطالب بحقي. القضايا مش هتنازل عنها، وحق السنين اللي ضاعت من عمري ومن كرامة أبويا هاخده بالقانون. والبيت ده مش هتتبسط فيه تاني.”

تركتني ومشت بخطوات متزنة نحو غرفة أبي، بينما بقيتُ في الممر، أدرك أن جولات الخلاف لم تنتهِ بعد، وأن الأصعب ربما لم يأتِ.

عدتُ إلى القاهرة وأنا أجر خيبتي وثقل الذنب الذي أطاح بكل ثوابت حياتي. لم أعد ذلك الشاب الأناني الذي يظن أن العالم يطوع لرغباته؛ أصبحت مجرد حطام إنسان يترقب ما سيحدث بعد ذلك.

أصبحت شبه خاوية بعد أن بعت أغلب أثاثها لأغطي المصاريف والأقساط، ولم يعد في جيبي ما يكفي حتى لتغطية احتياجاتي الأساسية.

وفي أحد أيام الأسبوع التالي، أتاني اتصال هاتفي من أحد أقاربنا بالبلد، يبلغني فيه أن أبي قد فارق الحياة.

سقط الهاتف من يدي.

كان أبي قد رحل دون أن ألمس يده أو أسمع منه كلمة أخيرة، ودون أن أتمكن من إصلاح ما أفسدته.

ركبتُ سيارتي وجريتُ نحو القرية، والدموع تحجب عني الطريق. كنت أملّي نفسي بأمل أخير: أن أحضر مراسم الوداع، وأن أقف بين أفراد العائلة، وأن أقدم لأبي ما تبقى لدي من احترام وندم.

لكن الصدمة كانت بانتظاري عند مدخل السرادق الكبيرة المقامة أمام البيت.

ما إن خطوت خطوة نحو المكان، حتى خرج عمي ومعه مجموعة من كبار رجال العائلات في البلد. وقفوا جميعاً أمامي. نظر إليّ عمي بعينين متعبتين من الحزن، وقال بنبرة حاسمة:

“اللي يفرط في شرف عيلته ويظلم بنت صغيرة ويخالف الأمانة ويبعد عن أهله.. لازم يتحمل نتيجة اختياراته. المكان ده للعائلة، وأنت دلوقتي مش مرحب بيك. امشِ بهدوء بدل ما تحصل مشكلة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *