مرات ابني حكايات امانى السيد 4
مرّت السنون متثاقلة كأنها دهور دهرية، وتغيرت ملامح الشارع والحي بأكمله، إلا تلك العمارة التي بقيت واقفة كشاهد أثري على سقوط كبرياء زائف ونهوض حق مهدور. تحولت الطوابق العليا الخاوية إلى بيوت للحمام ومأوى للغبار؛ فالأبواب التي كانت يوماً تُغلق بصلف في وجه الفتاة المظلومة، أصبحت أخشابها متآكلة، وسلاسلها الحديدية يعلوها الصدأ، تصفر الريح بين جنباتها كأنها تزفر حسرة الأيام الخوالي.
أما الشقة السفلى، فكانت البقعة الوحيدة التي تنبض بالحياة في ذلك العقار الموحش. كبر الطفل الكبير – ذلك الصغير الذي بكى يوماً على درجات السلم حين اتُهمت أمه بالخدمة – وأصبح شاباً يفيض نبلًا وشهامة. كان يدرس في كلية الهندسة بشغف وإصرار، ينظر إلى أمه بنظرات تقديس وإجلال، يعلم تماماً كم ضحت من أجله، وكيف وقفت كالجبل الأشم أمام العواصف لكي تجنبه ويلات الضياع والهوان.
في كل صباح، كان يخرج ذلك الشاب من باب الشقة، يرتدي ثياباً أنيقة ونظيفة، يحمل كتبه بكل فخر. لم ينسَ يوماً تلك اللحظة التي مسحت فيها أمه دموعه بظهر كفها وهي صامتة ومقهورة، بل جعل من تلك الدمعة وقوداً لنجاحه. كان يمر على أبيه – الابن الوسطاني – القابع في غرفته الصغيرة الملحقة بالبيت، فيسلّم عليه ببرٍّ واحترام، ويقبل يده التي تشققت من العمل الشاق في ورشة النجارة.
لم يكن الابن الوسطاني يتجرأ على النظر المباشر في عيني ابنه الشاب؛ فالحياء والندم كانا يقيدان عينيه كلما رآه يرتدي زي الجامعة. كان يقول له بنبرة منكسرة: “يا بني.. أنت فخري وفخر أمك، لا تتنازل عن حقك، ولا تكن ظالماً لأحد كما كان أباك وأهله”.
وكان الشاب يرد عليه بوقار: “الله يسامح ما سلف يا أبي.. المهم أننا تعلمنا الدرس، وأمي أعطتني حقي وزيادة، ودعاؤها هو الذي يفتح لي الأبواب المغلقة”.
وفي أحد الأيام الكئيبة، ورد خبر إلى الشارع هز ما تبقى من قلوب العائلة المشتتة. أُصيب الابن الأكبر – الذي كان يهرب من الأحكام القضائية والديون في إحدى المناطق النائية – بمرض عضال في الرئة نتيجة العمل في بيئات ملوثة وعيشه في غرف رطبة تحت الأرض. أُحضر إلى العاصمة على نقالة متهالكة، لا يملك ثمن العلاج ولا ثمن الدواء، ولا يجد مكاناً يلتجئ إليه سوى عتبة العمارة التي طرد منها الجميع.