ابويا اصر حكايات زهره الربيع 2
“إدارة الشركة لا تشرفها الاستمرار مع شخص تلاحقه قضايا مالية ونزاعات قانونية. استقالتك مقبولة من اليوم.”
ثانياً، وضع أبي الصحي: أبلغني أحد المعارف في البلد أن أبي تعرض لوعكة صحية شديدة بعد خروجي من البيت، وأنه أصر على ألا أقترب منه، وأن كل صلاحياته الإدارية والمالية قد نُقلت رسمياً بموجب توكيل إلى منار ووالدها. لم يعد لي حق الدخول حتى لمعرفة تفاصيل وضعه.
كنت أعيش على القليل المتبقي من المال، وأبيع أثاث قطعة تلو الأخرى لأدفع القسط القادم للسيارة أو أتعاب المحامي الذي وظفته للدفاع عني.
لكن المحامي نفسه قال لي ببساطة بعد أن اطلع على الأوراق والتسجيلات والتقارير:
“يا باشمهندس، موقفك القانوني صعب جداً. أقصى حاجة أقدر أعملها لك إننا نقلل الخسائر، وتبيع بعض ممتلكاتك وتدفع المستحقات حتى تتجنب المزيد من الإجراءات.”
المزيد من الإجراءات؟ هل وصلت بي الأمور إلى هذه الدرجة؟ أنا الشاب المتعلم، المهندس الأنيق، أصبحت على حافة خسارة كل شيء؟
كنت أسير بين الأشجار حتى وصلتُ إلى المستشفى المركزي. دخلتُ إلى الدور الثاني حيث يرقد أبي، وتقدمتُ بخطوات مرتجفة نحو زجاج الغرفة.
كان أبي على السرير، تحيط به الأجهزة من كل جانب، ووجهه الذي كان يبعث الهيبة في قلوب العائلة أصبح شاحباً ومتعباً. وبجواره كانت تجلس منار.
كانت ترتدي معطفها الأبيض الخاص بالمستشفى، تمسك بيده بكل حنان، وتقرأ له آيات من القرآن بصوت خافت ودافئ. كان أبي ينظر إليها بعينين متعبتين، فتطمئنه وهي تقول:
“معلش يا عمي، ربنا يشفيك. أنا جنبك ومش هسيبك.”
شعرتُ بألم شديد في صدري. هذه الفتاة التي أسأت إليها وشوهت صورتها أمام الناس، كانت تقف الآن بجوار أبي وتعتني به، بينما أنا الابن الوحيد أقف خلف الزجاج، لا أجرؤ على الاقتراب.
في تلك اللحظة، رفعت منار عينيها ونظرت نحوي.
رأتني. لم تتفاجأ ولم تستدعِ أحداً. فقط نظرت إليّ بثبات. لم تكن نظرتها غاضبة بقدر ما كانت تحمل شعوراً أشد قسوة: الشفقة.
أشارت لي بحركة خفيفة نحو الممر الخارجي.
انسحبتُ وانتظرتها عند الدرج الخلفي. خرجت إليّ بعد دقائق، تتلفع برداء الطبيبة. وقفنا في الممر المظلم، وكانت الفجوة بيننا أكبر من أي وقت مضى.