ابويا اصر حكايات زهره الربيع 2
تطلعتُ حولي؛ رأيت وجوه أهل البلد، وكانت نظراتهم مليئة باللوم والاستنكار. لم أستطع الاقتراب، واكتفيتُ بالوقوف بعيداً أراقب مراسم الوداع، عاجزاً حتى عن تقديم اعتذاري الأخير.
بعد انتهاء المراسم بأيام، وفي الوقت الذي كنتُ أحاول فيه استجماع شتات نفسي في القاهرة، صدر أمر قضائي جديد في القضية المرفوعة ضدي. أصدرت المحكمة حكماً غيابياً بالحبس والتنفيذ الفوري في قضية مالية، بالإضافة إلى حجز رسمي على وغادرتُ ليلاً أحمل حقيبة ملابس واحدة، لأعيش في بنسيون رخيص ومتهالك في أحد أحياء القاهرة، خائفاً من كل خطوة جديدة قد تحمل معها خبراً أسوأ.
تحولت حياتي إلى معاناة يومية. عملتُ بأسماء مستعارة في أعمال مجهدة لا تليق بمركزي ولا بشهادتي الهندسية؛ عملت في المخازن، وفي المطاعم ليلاً، فقط لأحصل على أجر يومي يسد احتياجاتي ويمنعني من طلب المساعدة.
كلما نظرتُ إلى يدي المتعبتين، تذكرت يدي الأنيقتين اللتين كانتا تمسكان بمفاتيح السيارة الفارهة، وتذكرت الحقيقة المرة: أنا من صنعت هذا الوضع لنفسي.
وفي أوج هذا الضياع، قررتُ إجراء محاولة أخيرة. اتصلتُ برقم منار من هاتف عمومي.
رنت المكالمة، وبعد لحظات جاء صوتها الهادئ:
“ألو؟”
انفجرتُ في البكاء:
“منار.. أنا تعبت. أنا شغال في الشارع، ومعاييش ما يكفيني، وأبويا رحل وأنا ما قدرتش أصلح علاقتي بيه، وأمي مش قادرة تكلمني، والإجراءات القانونية بتلاحقني. أنتِ أخدتي حقك، وأنا مستعد أصلح كل حاجة.. ارحميني، تنازلي عن القضايا، وخليني أعرف أعيش وأشتغل بشهادتي.”
ساد الصمت على الخط فترة طويلة. ظننتُ أنها رقّت لحالي، لكن صوتها جاء هادئاً ورزيناً:
“أنت فاكر إن الحكاية حكاية فلوس وأرض؟ أنت لما ظلمتني، ما أخدتش مني حاجة مادية بس، أنت هدمت ثقتي في نفسي وفي الناس. خليتني أعيش فترة طويلة وأنا خائفة من نظرات الآخرين، وخليت أبويا يتحمل كلاماً كثيراً بسبب تصرفاتك.”
ثم أردفت بصوت قوي:
“الفلوس والأرض دي حقوق قانونية، والقضايا مش مجرد انتقام. دي طريقة إني أثبت الحقيقة وأحافظ على حقي. وكل مرة تشوف فيها حياتك القديمة وتفتكر اللي حصل، لازم تعرف إن اختيارات الإنسان لها نتائج.”
ثم قالت كلمتها الأخيرة قبل أن تنهي المكالمة: