سرّ الجرّة والدم الخائن ج 2 حكـايات مني السيد
الجزء الثالث
طرق السويس كان فاضي ومكشوف. جلال كان سايق عربيته القديمة وإيده بتترعش على الدركسيون، قلبه بيدق بصوت مسموع. الكيلو 45.. المنطقة دي بالذات هي المكان اللي انقلبت فيه عربية مريم من ست سنين، نفس الحتة اللي وقف فيها يوم الحادثة والبوليس بيمنعه يقرب من الهيكل الفحم المشتعل.
تليفونه رن على الكرسي جنبه، فتح السبيكر وهو حاطط عينيه على الطريق:
— عماد! أنا قربت من الكيلو 45.. أنت فين؟
صوت عماد جه وسط صوت هواء عالي:
— أنا وراه بمسافة كيلو يا جلال. حسام دخل في طريق جانبي غير ممهد، مدق ترابي بيدخل على منطقة مزارع واستراحات قديمة ورا المحطة. هدّي سرعتك وأول ما توصل للمدخل هتشوف علامة كافيه مهجور، ادخل ورايا بس طفي أنوار العربية.
جلال هدى السرعة، ودخل المدق الترابي. التراب كان طالع غبار كثيف، والعربية بتهتز تحت إيده. بعد حوالي كيلومترين، شاف عربية عماد مركونة ورا مبنى مهجور من الطوب الأحمر. ركن جنبه ونزل بسرعة وهو بيجر رجليه.
عماد مسكه من دراعه وشده ورا الحيطة:
— هس.. واطي صوتك خالص. بص هناك.
على بعد خمسين متر، كانت فيه مزرعة قديمة محاطة بسور صفيح عالي، وباب حديد مصدي. عربية حسام كانت واقفة قدام الباب، وهو طالع منها بيتلفت حواليه بقلق واضح. أخرج مفتاح كبير، فتح الباب، ودخل، وقفل الباب وراه بس ما قفلوش بالمفتاح.
جلال كان هيجري ناحية الباب، بس عماد مسكه بقوة:
— اصبر يا جلال! مش هندخل هجوم كده. حسام ممكن يكون مسلح، وممكن يكون فيه حد جوه. هنلف من ورا السور.
لفوا ورا المبنى لحد ما لقوا فتحة صغيرة في السور الصفيح، عدوا منها بالراحة. المزرعة كانت مهجورة، فيها شجر ناشف ومخزن قديم سقفه صاج. من جوه المخزن، كان فيه نور ضعيف طالع من شباك صغير صلب، وصوت كلام حاد بيطلع.
قرب جلال وعماد بحذر شديد، ووقفوا تحت الشباك. جلال رفع نفسه على طوبة عشان يبص.
اللي شافه جوه المخزن خلى الدم يتجمد في عروقه.
كانت فيه أوضة صغيرة في وسط المخزن، جدرانها متقشرة، وفيها سرير حديد قديم. على السرير ده، كانت قاعدة ست.. شعرها أبيض ومقصوص قصير، جسمها نحيف جداً لدرجة الخوف، ولابسة جلابية بيضا دبلانة. إيديها كانت متكتفة بسلسلة حديد مربوطة في عمود السرير!
جلال ما قدرش يمسك نفسه، أخرج شهقة واطية. الست دي.. رغم الشيب الهائل والضعف.. كانت مريم! بنته!
حسام كان واقف قدامها، زاقق الكرسي برجله وبيصرخ فيها بصوت مكتوم:
— أنتِ فاكرة إنك لما تسربي كلام ليوسف هتقدرِ تطلعي من هنا؟! الولد بدأ يتكلم يا مريم! بدأ يقول لجده “متديش فلوس لبابا”!
مريم رفعت راسها ببطء شديد. عينيها كانت غرقانة دموع، وصوتها طلع حشرجة ضعيفة جداً:
— اتقِ الله يا حسام.. ست سنين حابسني هنا؟! ست سنين مفرمني ومفهّم أبوي وإني ميتة؟! حرمتني من ابني وهو رضيع.. حرام عليك! سيبني أموت وأرتاح!
حسام ضرب السرير بإيده بغضب:
— أموت مين؟! أنتِ مناجم الذهب بتاعتي! أبوكِ الهبل طول الست سنين دول بيدفع كل شهر 25 ألف جنيه عشان خايف على ابنه ومفتكرك ميتة! دلوقتي طمعان وعايز يديني 50 ألف! لو أنتِ ظهرتِ، الفلوس دي هتتقطع.. وأنا ورانيا نلبس القواضِ وندخل السجن!
مريم بكيت بصوت يقطع القلب:
— رانيا؟ صاحبتي اللي كنت بأمنها على بيتي؟ هي اللي بتمثل دور أم يوسف دلوقتي؟! إنتوا إيه.. شياطين؟!
حسام ضحك ضحكة قذرة وشريرة:
— رانيا دي أجدع منك.. خططت للحادثة معايا صح. جبنا ج/ثة ست مجهولة الهوية من مشرحة بعيدة، حطيناها في عربيتك وولعنا فيها، والأوراق اتظبطت في الطب الشرعي بفلوس. وأنتِ أخدناكِ هنا.. عشان تفضلي الكارت اللي بنهدد بيه، أو بلاش نهدد بيه، الكارت اللي مخلي أبوكِ يدفع وهو ساكت ومكسور!
جلال، اللي كان واقف بره، حاسس إن أضلعه بتتكسر. بنته مش بس عايشة.. بنته محبوسة ومربوطة بسلاسل في المكان المظلم ده من ست سنين! مراته ماتت بالكمد والحزن وهي فاكرة إن بنتها اتفحمت، وهو كان بيمول الشياطين دول من عرق جبينه!
جلال اتجنن. من غير ما يفكر، ومن غير ما يسمع تحذير عماد، زق باب المخزن الصاج بقوة خرافية. الباب اتفتح بصوت صرير مرعب، ودخل جلال وهو بيصرخ صرخة طالعة من جروح ست سنين:
— يا ابن الكلب يا حسام!!
حسام اتفاجئ، لف بسرعة ووشه اصفر زي الورق:
— حاج جلال؟! أنت.. أنت جيت هنا إزاي؟!
مريم رفعت عينيها باتجاه الصوت، ولمحت أبوها. صرخت بصوت يزلزل المكان:
— بابا!! يا بابا الحقني يا بابا!
جلال هجم على حسام بكل القوة اللي فاضلة في جسمه الراجل اللي عدى الستين سنة. مسك في رقبة حسام، وزقه في الحيطة. حسام حاول يزقه، وزق جلال بالفعل وقع على الأرض، وطلع مطواة من جيبه وهو بيتنفس بسرعة:
— أنت اللي جنيت على نفسك يا حاج! كنت كملت دفع وأنت ساكت! مش هسيبك تطلع من هنا حي!
في اللحظة دي، دخل عماد بسرعة، ومسك إيد حسام اللي فيها المطواة وطلع مس/دسه، وضربه بقبضة المس/دس على وشه. حسام وقع على الأرض متغرق في دمه، والمطواة طارت بعيد.
عماد ثبّت حسام وركب الكلبشات في إيده بسرعة وشده للعمود:
— اتقيد يا خاين! الحركة دي انتهت!
جلال ما بصش لحسام اصلاً. جري على السرير، وجثا على ركبه قدام مريم. مسك إيديها الضعيفة المربوطة بالسلاسل، وباسهم وداموعه نازلة زي المطر على وشها:
— سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا مريم! ست سنين وأنا فاكرك تحت التراب.. ست سنين وأنا بحط الورد على رماد مزيف! سامحيني يا حبيبتي!
مريم مسكت وشه بيديها المرتعشة، وبكت بحرقة:
— بابا.. أنت جيت بجد؟ أنا كنت فاكرة إني بحلم.. كنت فاكرة إني هموت هنا وما شوفكش تاني! يوسف يا بابا.. يوسف عامل إيه؟! أرجوك قوللي إنه بخير!
جلال حضنها بقوة، وكان بيبكي بصوت مسموع هز جدران المخزن:
— يوسف بخير يا مريم.. يوسف هو اللي دلني عليكِ! ابنك هو اللي أنقذك يا بنتي!
عماد جاب زردية من شنطة العربية، وبدأ يقطع السلسلة الحديد اللي مربطة مريم. وهو بيكسر السلسلة، بص لحسام المرمي على الأرض بدمه وقال حازماً:
— القضية دي مش هتقف عندك يا حسام.. رانيا والموظف الفاسد بتاع الطب الشرعي وكل اللي اشترك معاكم هيلبسوا الإعدام!
حسام رفع راسه المصابة وهو بيبتسم ابتسامة مريضة وخبيثة رغم موقفه:
— أنت فاكر إنك لحقت كل حاجة يا حضرة الظابط؟ رانيا مش لسه في البيت.. رانيا زمانها مسافرة ومعاها يوسف! أول ما تأخرت أنا في التليفون، هي عارفة خطتنا البديلة! هتبيع الشقة وتختفي بالولد خارج مصر كليا!
جلال اتجمد مكانة، والبكاء وقف في حلقه. بص لعماد بصرخ مذعور:
— يوسف!! يا عماد الولد!! رانيا هتاخد يوسف وتظلم حياته تاني!
عماد أخرج تليفونه بسرعة وطلب رقم، ووجه كلامه لجلال وهو ماسك تليفونه:
— اهدى يا جلال.. رانيا مش هتتحرك خطوة واحدة! أنا قبل ما أجيلك هنا، بلغت عمليات المباحث ووحدة الاتجار بالبشر، وحطيت بيت حسام تحت المراقبة الكاملة.
عماد حط التليفون على ودنه، وبعد ثواني رد عليه صوت الظابط من الناحية الثانية. عماد قال بسرعة:
— إيه الأخبار عندك يا كريم؟
صوت الظابط جه واضح ومباشر:
— يا أفندم، رانيا صلاح الدين كانت نازلة من العمارة ومعاها شنطتين سفر والولد يوسف، وكانت بتتصل بتاكسي عشان تطلع على المطار. تم القبض عليها حالاً في مدخل العمارة والولد يوسف في أمان تام معانا!
جلال وقع على ركبه من شدة الارتياح، ورفع إيديه للسماء وهو بيبكي:
— الحمد لله.. الحمد لله يا رب!
لكن عماد كتم أنفاسه وهو باصص للأوراق المرمية على الترابيزة جنب السرير في المخزن، ورق تسليم وبصمات قديمة. قرب ومسك ورقة منها، وعينيه وسعت بذهول.
بص عماد لمريم، وبعدين بص لجلال وقال بصوت واطي ومصدوم:
— جلال.. المشكلة مش في رانيا وحسام بس.. بص للورقة دي! السر الأكبر مش الحادثة.. السر في الورقة اللي اتوقعت يوم ميلاد يوسف نفسه!
جلال رفرف عينيه بالخوف:
— ورقة إيه يا عماد؟! يوسف ماله؟!
عماد بصلهم بثقل وقال:
— يوسف مش ابن حسام يا جلال.. ويوسف مش ابن مريم كمان!